الرئيسية / أبحاث و دراسات / ميكروبلاستيك الأب… أثرٌ خفيّ قد يظهر على صحة الأبناء!
Microplastic

ميكروبلاستيك الأب… أثرٌ خفيّ قد يظهر على صحة الأبناء!

الميكروبلاستيك والحمل: كيف يؤثر تعرض الأب للميكروبلاستيك على سمنة السكري ومقاومة الإنسولين لدى الأبناء؟

في مفاجأة تقلق علماء الصحة البيئية، تكشف دراسة جديدة أن ما يتعرّض له الآباء قبل الإنجاب قد يترك “بصمة” بيولوجية تمتد إلى الجيل التالي، حتى لو لم تظهر آثارها فورًا. فالتعرّض لجزيئات البلاستيك المتناهية الصغر قد يزيد قابلية الأبناء—خصوصًا الإناث—للاضطرابات الأيضية عندما يواجهون نمطًا غذائيًا غير صحي لاحقًا.

ما الميكروبلاستيك ولماذا يهم؟

الميكروبلاستيك هو شظايا بلاستيكية صغيرة يقل حجمها عن 5 مليمترات، تنشأ من تفتت المنتجات البلاستيكية والنفايات الصناعية، ويُعتقد أن البشر يتعرضون لها على نطاق واسع في البيئة اليومية. واللافت أن دراسات سابقة رصدت وجود هذه الجزيئات في أنسجة تناسلية بشرية لدى الذكور والإناث، ما أثار أسئلة حول تأثيرها على الخصوبة وصحة الأجيال.

خلاصة الدراسة: أثرٌ ينتقل من الأب إلى الأبناء

الدراسة—المنشورة بتاريخ 18 ديسمبر 2025 في مجلة “Journal of the Endocrine Society”—قدمت دليلًا تجريبيًا لأول مرة على رابط بين تعرّض الأب للميكروبلاستيك وحدوث خلل في صحة التمثيل الغذائي لدى الأبناء (جيل F1) في نموذج الفئران. وتُعد هذه النتيجة تحولًا مهمًا لأنها تنقل النقاش من “تأثير الملوث على الفرد” إلى “تأثيره على نسلِه”.

كيف أُجريت التجربة؟

استخدم الباحثون نموذج الفئران لدراسة أثر تعرّض الذكور للميكروبلاستيك على الأبناء لاحقًا. ولإظهار التأثيرات التي قد تكون خفيفة أو غير واضحة تحت ظروف طبيعية، غذّى الفريق الأبناء بنظام غذائي مرتفع الدهون لكشف أي هشاشة أيضية كامنة—على غرار أنماط غذائية شائعة مثل “النظام الغربي”. ويؤكد الباحثون أن الآباء أنفسهم كانوا على نظام غذائي عادي، ما يعني أن السمنة التي ظهرت في الأبناء كانت “مستحثة بالغذاء” ومُفصحًا عنها بوجود قابلية سابقة.

نتائج مختلفة بين البنات والأولاد

عند تعريض جميع الأبناء للنظام عالي الدهون، ظهرت الفروق بوضوح:

  • الإناث اللواتي كان آباؤهن متعرضين للميكروبلاستيك كنّ أكثر قابلية لاضطرابات أيضية، مع تفاقم مقاومة الإنسولين وملامح “سكريّة” أوضح مقارنة بإناث آباؤهن غير متعرضين. كما رُصدت مؤشرات جينية في الكبد ترتبط بالالتهاب والسكري.
  • الذكور لم يُظهروا نفس النمط السكري، لكنهم سجّلوا انخفاضًا طفيفًا لكنه مهم في كتلة الدهون، فيما أظهرت الإناث انخفاضًا في الكتلة العضلية إلى جانب مؤشرات السكري.

هذا “الاختلاف بين الجنسين” بقي دون تفسير حاسم، ويصفه الباحثون بأنه إشارة إلى أن الاستجابة البيولوجية لملوثات البيئة قد تتباين جذريًا بين الذكور والإناث عبر آليات معقدة.

ما الآلية المحتملة؟ “مفاتيح تعتيم” داخل الحيوانات المنوية

الأكثر إثارة في الدراسة ليس النتيجة فحسب، بل “كيف” قد تنتقل. فقد استخدم الفريق تقنية تسلسل متقدمة تُعرف باسم PANDORA-seq لرسم خريطة واسعة لجزيئات صغيرة داخل الحيوانات المنوية تُسمى الحمض النووي الريبي غير المُشفِّر الصغير (small non-coding RNAs). هذه الجزيئات لا تغيّر “الشفرة الوراثية” ذاتها مثل DNA، لكنها قد تعمل كـ“مفاتيح تعتيم” تتحكم بدرجة تشغيل الجينات أثناء التطور المبكر.

ووفق النتائج، غيّر التعرض للميكروبلاستيك “حمولة” الحيوانات المنوية من هذه الجزيئات، بما في ذلك:

  • tsRNAs: جزيئات صغيرة مشتقة من tRNA
  • rsRNAs: جزيئات صغيرة مشتقة من rRNA

كما أشارت الدراسة إلى أن بعض هذه الجزيئات التي تحفّزت بسبب الميكروبلاستيك استطاعت التأثير في تعبير الجينات داخل خلايا جذعية جنينية للفأر في المختبر، ما يدعم فرضية دورها في نقل الأثر عبر الأجيال.

لماذا تُعد هذه النتائج مهمة الآن؟

تأتي أهمية الدراسة في وقت يتزايد فيه القلق عالميًا من “تلوث البلاستيك” بوصفه مشكلة بيئية وصحية مركّبة. والرسالة الجوهرية هنا: قد لا يقتصر الضرر المحتمل على من يتعرض للجزيئات البلاستيكية الدقيقة، بل قد يترك أثرًا بيولوجيًا يرفع قابلية الجيل التالي لأمراض مزمنة مثل اضطرابات الاستقلاب والسكري—خصوصًا عندما تترافق الحياة بنمط غذائي عالي الدهون.

محددات الدراسة: ما الذي لا نستطيع الجزم به بعد؟

رغم قوة الدليل التجريبي، تظل هناك حدود واضحة ينبغي الانتباه لها:

  • الدراسة أُجريت على الفئران؛ ولا يمكن اعتبار النتائج دليلًا مباشرًا على ما يحدث لدى البشر دون دراسات بشرية داعمة.
  • التأثيرات الأيضية كُشفت تحت ضغط نظام غذائي عالي الدهون للأبناء، ما يعني أن الخطر قد يظهر أو يتفاقم مع نمط حياة غير صحي، وقد لا يكون واضحًا بالقدر نفسه مع أنظمة غذائية متوازنة.
  • النتائج تركزت على التعرّض الأبوي والجيل الأول من الأبناء (F1)، ولا تجيب بعد عن تأثيرات التعرض الأمومي أو انتقال الأثر لأجيال أبعد.
  • تفاصيل الجرعات وأنواع الميكروبلاستيك وأنماط التعرض في الواقع البشري قد تختلف، ما يستدعي نماذج وتجارب أكثر قربًا من ظروف الحياة اليومية.

إلى أين تتجه الأبحاث؟

يشير الباحثون إلى أن الخطوة التالية ستكون فحص ما إذا كان تعرض الأمهات قد ينتج مخاطر مشابهة، وكيف يمكن التخفيف من التغيرات الأيضية أو منعها. وفي الوقت نفسه، تعزز هذه النتائج دعوة علماء الصحة البيئية لفهم أدق لعواقب التعرض للميكروبلاستيك—ليس على الأفراد فقط، بل على صحة الأجيال القادمة أيضًا.

شاهد أيضاً

Low-Res_Upadhyay ads5266 image 1

قفزة “غير منطقية” في حركة الإكسيتونات قرب عازلٍ كمومي: أسرع بألف مرة فجأة

في عالمٍ تُقاس فيه الحركة بالقيود، قد يبدو أن الاقتراب من “عازل” إلكتروني يعني تباطؤ …