خاص – يمن ساينس
عبدالرحمن أبوطالب
في وقت تتسابق فيه دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتبني أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، كشف تقرير حديث صادر عن “جمعية الإنترنت” (Internet Society) تحت عنوان “التكنولوجيات الناشئة وتأثيرها على السياسات واللوائح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” أعده الباحثان رياض البلوشي و مايكل كندي، عن فجوة مقلقة بين الطموحات الرقمية الكبيرة والواقع التشريعي الذي قد يعيق وصول هذه التقنيات إلى المواطن العادي بكفاءة كاملة.
التقرير الذي شمل دراسة حالة لست دول عربية (البحرين، مصر، الأردن، عُمان، السعودية، والإمارات)، حذر من أن بعض القوانين المحلية المعنية بتخزين البيانات وحماية الخصوصية قد تؤدي دون قصد إلى “تجزئة الإنترنت”، مما يجعل تجربة المستخدم العربي أقل جودة وأكثر تكلفة مقارنة ببقية دول العالم.
“توطين البيانات” وفخ تشظي الإنترنت
تعتمد تقنيات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي الطبي والسيارات ذاتية القيادة، على التدفق الحر للبيانات عبر الحدود لتدريب خوارزمياتها. إلا أن التقرير يشير إلى أن قوانين “توطين البيانات” الصارمة في بعض دول المنطقة، والتي تفرض تخزين البيانات داخل الحدود الوطنية، ترفع التكاليف التشغيلية على الشركات الناشئة وتحد من قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى قواعد بيانات عالمية ضرورية لضمان دقتها.
التحليل العميق للتقرير يكشف أن الإصرار على “توطين البيانات” (Data Localization) في دول مثل عُمان ومصر والسعودية، يتجاوز كونه رغبة في السيادة الرقمية؛ إنه يكسر مبدأ “الشبكة المفتوحة”. عندما تُجبر البيانات على البقاء داخل حدود جغرافية، نحن نتحول من “إنترنت عالمي” إلى “إنترانت محلي” (Intranet). هذا التشظي التشريعي يجعل المنطقة “جزيرة رقمية” معزولة، حيث تفقد أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرتها على التعلم العابر للحدود، مما يؤدي إلى مخرجات متحيزة أو ضعيفة الدقة.
على سبيل المثال، قد يواجه نظام ذكاء اصطناعي مخصص لتشخيص الأمراض في المنطقة صعوبة في العمل بدقة إذا لم يتمكن من مقارنة البيانات المحلية ببيانات عالمية، وهو ما تفرضه بعض القيود التشريعية الحالية.
التشفير وخصوصية المستخدم
وفي زاوية أخرى لا تقل أهمية، أثار التقرير مخاوف بشأن قيود التشفير. فبينما يعد التشفير القوي “الدرع الواقي” للمعاملات المالية والمراسلات الشخصية، تفرض بعض الدول اشتراطات للحصول على تراخيص مسبقة أو تضع قيوداً تقنية قد تضعف من أمن الإنترنت. ويؤكد الخبراء في التقرير أن إضعاف التشفير لا يهدد الخصوصية فحسب، بل يجعل المنطقة بيئة أقل جذباً لاستثمارات شركات الحوسبة السحابية الكبرى.
من المسؤول عما ينشر؟
ثمة تحدٍ آخر يواجه أصحاب المواقع والمنصات المحلية، وهو غياب قوانين واضحة لـ “حماية الوسيط”. الوسيط الرقمي (Digital Intermediary)”، في لغة حوكمة الإنترنت، هو كل جهة توفر منصة تقنية تسمح للمستخدمين بالتواصل أو نشر المحتوى دون أن تشارك هي في صناعته؛ مثل منصات التواصل الاجتماعي، تطبيقات الدردشة، وحتى أصحاب المدونات.
وتعد “حماية الوسيط” حجر زاوية في الابتكار الرقمي؛ فهي تعني قانوناً أن المنصة لا تتحمل مسؤولية أخطاء مستخدميها (كالتشهير أو نشر معلومات مغلوطة) طالما أنها لا تتدخل في صياغتها. وغياب هذه الحماية يضع أصحاب الشركات الناشئة تحت مقصلة المساءلة القانونية عن كل كلمة ينشرها غيرهم، مما يضطرهم لفرض رقابة صارمة تقتل الإبداع الرقمي وتعرقل نمو الشركات المحلية.في غياب هذه الحماية، يُعامل رائد الأعمال المحلي الذي ينشئ منصة تواصل أو تطبيقاً تفاعلياً كأنه هو من كتب كل تعليق أو منشور.
هذا الوضع التشريعي يخلق بيئة من “الرقابة الذاتية التقنية”، حيث يفضل المبتكرون الهجرة بمشاريعهم إلى بيئات قانونية توفر حماية للوسيط الرقمي، مما يفسر هيمنة المنصات العالمية على السوق العربي وغياب المنافسة المحلية الحقيقية. ففي الوقت الذي تتمتع فيه المنصات العالمية بحصانة قانونية تحميها من المسؤولية عما ينشره المستخدمون، تفتقر دول عديدة في المنطقة لهذه الحماية، مما يجعل أي رائد أعمال محلي عرضة للمساءلة القانونية بسبب تعليق أو محتوى نشره مستخدم عادي، وهو ما يقتل روح الابتكار والمنافسة المحلية.
نحو حوكمة “ذكية” ومرنة
خلص التقرير إلى أن الحل لا يكمن في منع التنظيم، بل في تبني “تشريعات ذكية” توازن بين الأمن القومي وحماية البيانات من جهة، وبين الحفاظ على جوهر الإنترنت كشبكة عالمية مفتوحة من جهة أخرى.
إن “الحوكمة الذكية” التي ينادي بها التقرير ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة للبقاء الاقتصادي. إن محاولة السيطرة على التقنيات الناشئة (كالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية) عبر قوانين تفتت الشبكة، تشبه محاولة حبس الريح في أقفاص.
وفي هذا الصدد، أوصى التقرير صناع السياسات بتبني مفهوم “أدوات تقييم أثر الإنترنت” IIAT – اختصار لـ Internet Impact Assessment Toolkit – و هو ابتكار تقني-قانوني قدمته “جمعية الإنترنت” ليكون بمثابة “بوصلة” أو “عدسة” يضعها صناع القرار والمشرعون أمام أعينهم قبل إصدار أي قانون جديد يتعلق بالفضاء الرقمي لقياس مدى تأثيره.
فهل تنجح المنطقة في عبور هذه الفجوة التشريعية لتصبح مركزاً عالمياً للابتكار، أم ستظل القوانين العائق الأكبر أمام طموحات “العصر الرقمي”؟
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
