خاص – يمن ساينس
في خطوة علمية قد تُقرّب الطاقة الشمسية من منافسة الوقود الأحفوري على نطاق واسع، كشف فريق دولي من الباحثين عن طريقة جديدة للتحكم في البنية المجهرية للخلايا الشمسية البيروفسكايتية، ما أدى إلى تحقيق كفاءة تحويل طاقة قياسية مع تحسن كبير في الاستقرار الحراري والتشغيلي، وهو أحد أكبر التحديات التي واجهت هذا النوع الواعد من الخلايا.
لماذا هذا الاكتشاف مهم؟
الخلايا الشمسية المصنوعة من مادة «البيروفسكايت» تُعد من أكثر تقنيات الطاقة المتجددة تطورًا في العقد الأخير، نظرًا لانخفاض كلفتها وسهولة تصنيعها مقارنة بالسيليكون. إلا أن ضعف الاستقرار، خاصة تحت الحرارة والإضاءة المستمرة، ظل عقبة أساسية أمام استخدامها التجاري الواسع. الدراسة الجديدة تقدم حلاً عمليًا لهذه المشكلة عبر هندسة كيميائية دقيقة لواجهة الخلية الشمسية.
الفكرة ببساطة: التحكم في الأبعاد
اعتمد الباحثون على ما يُعرف بالروابط الجزيئية متعددة التكافؤ، وهي جزيئات عضوية قادرة على الارتباط بالمادة البيروفسكايتية في أكثر من نقطة. هذا الارتباط القوي يسمح بتشكيل طبقة رقيقة ثنائية الأبعاد فوق البنية التقليدية ثلاثية الأبعاد للبيروفسكايت.
النتيجة؟ سطح أكثر تجانسًا، عيوب أقل، وانتقال أفضل للشحنات الكهربائية داخل الخلية.
من بعد واحد إلى بعدين
أظهرت النتائج أن الهياكل أحادية البعد، رغم امتلاكها مسارات جيدة لنقل الشحنات، تعاني من عدم انتظام في تغطية السطح. في المقابل، وفّرت الهياكل ثنائية الأبعاد طبقة متصلة ومتجانسة تعمل كدرع واقٍ، تحمي الخلية من العيوب الكيميائية وتحدّ من هجرة الأيونات التي تسبب تدهور الأداء مع الزمن.
تقنية جديدة في الخلايا الشمسية البيروفسكايتية تحقق كفاءة 25.4% واستقرارًا يتجاوز 1100 ساعة
باستخدام هذه الاستراتيجية، حققت الخلايا الشمسية كفاءة تحويل طاقة بلغت 25.4% في خلايا بمساحة تقارب السنتيمتر المربع، وهي قيمة معتمدة في حالة تشغيل مستقر. كما حافظت الخلايا على أكثر من 95% من كفاءتها الأصلية بعد تشغيل متواصل تجاوز 1100 ساعة تحت إضاءة شمسية مكافئة ودرجة حرارة مرتفعة وصلت إلى 85 درجة مئوية.
قابلية التوسع الصناعي
ولم تتوقف النتائج عند المختبر؛ إذ نجح الفريق في تطبيق التقنية نفسها على وحدات أكبر حجمًا، مع خسائر طفيفة جدًا في الكفاءة. هذا الأمر يشير إلى إمكانية دمج الطريقة في خطوط الإنتاج الصناعية، وهو شرط أساسي لأي تقنية طاقة جديدة تسعى للانتقال من البحث إلى السوق.
كيف تحقق الاستقرار؟
أوضحت التحليلات المجهرية والكيميائية أن الجزيئات الجديدة تُشكّل روابط هيدروجينية قوية داخل الطبقة ثنائية الأبعاد، ما يمنحها مقاومة أعلى للتفكك الحراري مقارنة بالروابط التقليدية. كما أن هذه الطبقة تساعد على مواءمة مستويات الطاقة داخل الخلية، فتقلّ خسائر الشحنات وتتحسن كفاءة الاستخلاص الكهربائي.
محددات الدراسة
ورغم النتائج المبشرة، يشير الباحثون إلى أن التطبيق التجاري الكامل يتطلب مزيدًا من الدراسات طويلة الأمد في ظروف بيئية متنوعة، مثل الرطوبة العالية والتغيرات المناخية القاسية. كما أن تحسين عمليات التصنيع على نطاق صناعي ما يزال مجالًا مفتوحًا للبحث والتطوير.
خطوة نحو مستقبل أنظف
تؤكد هذه الدراسة أن التحكم الذكي في الكيمياء الجزيئية يمكن أن يكون مفتاحًا لتحقيق خلايا شمسية عالية الكفاءة وطويلة العمر. ومع استمرار التقدم في هذا المجال، قد تصبح البيروفسكايت أحد الأعمدة الأساسية في التحول العالمي نحو طاقة نظيفة ومستدامة.
جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في الريادة
وجاءت نتائج هذه النتائج ثمرة تعاون علمي دولي واسع، قادته جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية، عبر مركزها المتخصص في أبحاث الطاقة الشمسية. وشارك في الدراسة باحثون من جامعات ومؤسسات بحثية مرموقة في الصين وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية وسنغافورة والمملكة المتحدة واليونان، ما يعكس الطبيعة العالمية للتحديات المرتبطة بتطوير تقنيات الطاقة المتجددة. وقد أسهمت البنية التحتية البحثية المتقدمة في «كاوست» بدور محوري في تنفيذ التجارب وتحليل النتائج، ما جعلها الجهة البحثية الرئيسية التي انطلقت منها هذه الدراسة المنشورة في إحدى أرفع الدوريات العلمية العالمية.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
