ا.د/ عاصم عبد المنعم أحمد محمد *
مما لا شك فيه أنه لا يمكن لدولة واحدة حل المشكلات البيئية العالمية مثل تأكل طبقة الأوزون والتغير المناخي، لذا فمن المعلوم أن تعاون جميع الدول بات ضرورياً بشكلٍ متزايد لحماية البيئة.
تَتفاقم مشكلة تلوث الهواء في معظم أنحاء العالم، إلا أنه في عددٍ قليل من الدول تُحقق السياسات الذكية وغير المُلفتة للنظر إنجازًا نادرًا: فهي تُنقي الهواء ليس نظريًا فحسب بل فعليًا وذلك من خلال زيادة متوسط العمر المُتوقع لمواطنيها مع انخفاض عدد مرات زيارة المستشفيات، وجعل المدن أكثر نقاءً وتهوية. إذا كنت تُولي اهتمامًا لصحتك أو طول عمرك أو حتى مكان سكنك المُستقبلي فإن هذا المقال هو من أهم ما تقرأه أو تشاهده على صفحات التواصل الاجتماعى.
أماكن عديدة تتحسن فيها جودة الهواء مقارنة بالاتجاهات العالمية، والدروس العملية الكامنة وراء نجاحها.
أولًا: اليابان
نادرًا ما تَتَصدر اليابان عناوين الأخبار بسبب قضايا بيئية هامة وهذا تحديدًا سر نجاحها فعلى مدى عقود ركزت البلاد على العملِ الجاد بدقةٍ متناهية، فَأرست اليابان معايير صارمة لانبعاثات المركبات مع مراقبة صناعية مُستمرة وتخطيط عمرانى حضري يُعطي الأولوية للكفاءة على حساب التوسع العشوائي للمبانى السكنية والتجارية والإدارية.
في ديسمبر 1960 أعلنت الحكومة عن خطتها لمضاعفة الدخل القومي، والتى دعت إلى مضاعفة الناتج القومي الإجمالي على مدى عِقد من الزمان. على الرغم من أن هذا حَقق زيادة في الناتج القومي الإجمالي بمقدار 1.7 مرة ما كان مخططاً له من قبل الحكومة إلا أنه أدى إلى دمار بيئي، فضلاً عن تلوث خطير ومُتكرر في حزام المنطقة الصناعية الكبيرة التى تم تأسيسها.

ظهرت مشاكل تلوث خطيرة في جميع أنحاء اليابان حيث أدى النمو الاقتصادي السريع إلى تلوث شديد للهواء. وذكر بعض العلماء إنه في المناطق شديدة التلوث كان تلوث الهواء يحد أحيانًا من مدى الرؤية إلى نحو 50 مترًا، وتَسببَ هذا التلوث في أمراض تنفسية خطيرة لدى الكثيرين: مثل مرض ميناماتا (Niigata Minamata disease)، وربو يوكايتشي (Yokkaichi Asthma)، ومرض (Toyama itai-itai disease) وعلى الرغم من اتخاذ تدابير لمعالجة هذه المشاكل، مثل سن القانون الأساسي لمكافحة التلوث البيئي وتشريعات مختلفة لمناطق مُحددة إلا أن اليابان واجهت صعوبة في الحد من التلوث.
سُنّ في عام 1972 ما يُسمى بقانون المسؤولية المطلقة (Absolute Liability Law) وبموجب هذا القانون لا يُمكن للأشخاص أو المؤسسات الذين تسببوا في التلوث التهرب من مسؤوليتهم سواء كان ذلك عن قصدٍ أو بدون قصد، كما حددَ مبدأ “الملوث يدفع” (Polluters Pay Principle) بالإضافة إلى ذلك بدأ القانون في دراسة المؤسسات المسؤولة عن التعويض عن الأضرار، بما في ذلك المسؤولية المدنية وفي هذا السياق سُنّ قانون التعويض عن الأضرار الصحية الناجمة عن التلوث.
إشتهرت مدينة طوكيو فى ستينيات القرن الماضى بتلوثها الشديد (Smog) حيث واجهت طوكيو مشاكل بيئية عدة منها تلوث الهواء الناتج عن ملوثات مثل ثاني أكسيد الكبريت المُنبعث من المصانع والمباني، وأول أكسيد الكربون المُنبعث من عوادم السيارات، بالإضافة إلى تلوث الأنهار والمحيطات.
أوضحت حكومة طوكيو الحضرية أنها بحاجةٍ إلى اتخاذ تدابيرها الخاصة لمكافحة هذه المشكلة، وفي يوليو 1969 تم دمج ثلاثة قوانين قائمة تَتَعلق بالتلوث لإصدار قانون طوكيو الحضري للوقاية من التلوث من أجل تطوير تدابير إدارية بشكل منهجي لمعالجة التلوث.
أدت تدابير حماية البيئة الصارمة التي تم تطبيقها إلى الحد من التلوث الناجم عن هذه الانبعاثات، فعلى سبيل المثال لا الحصر انخفض ثاني أكسيد الكبريت في الهواء في طوكيو من 7.7 جزء في المليون في عام 1966 إلى 2.6 جزء في المليون في عام 1972، وواصلت المستويات الإتخفاض حتى بلغت 1.9 جزء فى المليون فى عام 1978.
تُصنف الآن طوكيو باستمرار ضمن أنظف المدن الكبرى في العالم من حيث الجسيمات الدقيقة (PM2.5) وقد ساهمت أنظمة الترشيح المُتطورة في المصانع، إلى جانب الاستخدام الواسع النطاق لوسائل النقل العام، في تغيير جودة الهواء الذي يتنفسه الملايين يومياً.
ثلاثة عوامل بارزة تُحدد نجاح اليابان:
* حدود صارمة للغاية لانبعاثات المركبات
* اعتماد شبه كامل على وسائل النقل العام
* مراقبة التلوث في الوقت الفعلي مع تطبيق سريع للقوانين
ثانيًا: السويد
تُعتبر تجربة السويد واحدة من أهم التجارب التى يَجب على الدول أن تحذو حذوها حيث خَفَّضت السويد ملوثات الهواء بأكثر من النصف منذ عام 1990 بينما استمر اقتصادها في النمو.
لم تَسعَ السويد إلى ما يُسمى إصلاح جودة الهواء (fix air quality)، بل سَعت إلى تسعير التلوث وتركت السلوك البشرى يتغير تلقائيًا بشكلٍ طبيعي، حيث أجبرت ضرائب الكربون التي فُرضت في أوائل التسعينيات القطاع الصناعى والمنزلى الإتجاه نحو الطاقة النظيفة قبل وقت طويل من اعتبار معظم الدول الأخرى مثل هذه الخطوات مُمكنة سياسيًا وقابلة للتطبيق.
تهيمن الطاقة المُتجددة اليوم على شبكة الكهرباء العامة في السويد، وانخفضت السيارات التى تَعمل بالديزل بشكلٍ حاد، وتراجع تلوث الهواء في المدن عامًا بعد عام، كما سَاهم نظام تسعير الازدحام في ستوكهولم (Stockholm’s congestion pricing) في خفض انبعاثات المركبات دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.
أهم الأدوات المؤثرة:
* فرض ضرائب على الكربون منذ فترة طويلة
* أنظمة تدفئة مركزية نظيفة
* رسوم الازدحام المروري على مستوى المدينة
ثالثًا: كوريا الجنوبية
ومن المثيرللإهتمام أن تأخذ هذه التجربة عنوان التكنولوجيا تغير مجرى الأمور
عانت كوريا الجنوبية في السابق من أسوأ مستويات تلوث للهواء في المدن بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ولم يأتِ هذا التحول من خلال الأحلام والأمنيات، بل من خلال المراقبة الدقيقة والتنظيم سريع الاستجابة.
وسّعت الحكومة نطاق استخدام أجهزة استشعار جودة الهواء على مستوى البلاد، كما وقيدت توليد الطاقة بالفحم خلال فترات التلوث الشديد، وسرّعت التحول نحو المركبات الكهربائية والهجين، وأصبح هواء مدينة سيول الآن أنظف بشكلٍ ملحوظ مما كان عليه قبل عقد من الزمن.
ونستطيع تلخيص العوامل الرئيسية للتغير فى التالى
* شبكات مراقبة جودة الهواء على مستوى الدولة.
* إغلاق محطات توليد الطاقة بالفحم موسميًا.
* استثمارات ضخمة في النقل النظيف.
وابرزت النتائج أن سيول إستطاعت خفض متوسط مستويات الجسيمات الدقيقة PM2.5 بنحو 30% منذ عام 2015 ، وهو تحول نادر بين المدن الآسيوية الكبرى المكتظة بالسكان.
رابعًا: البرتغال
هواء نقي من خلال البساطة: لم يأتِ تقدم البرتغال فى تحسين جودة الهواء من خلال التعقيد بل من الاستمرارية، فمن خلال التوسع السريع في استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحديث وسائل النقل العام، والحد من حركة المرور في المدن حسّنت البلاد جودة الهواء بشكلٍ مطرد في جميع أنحاء المدن الرئيسية.
تسجل مدينة لشبونة الآن مستويات تلوث أقل بكثير من العديد من العواصم الأوروبية، على الرغم من تزايد السياحة.
العوامل الرئيسية للتغير:
* التبني السريع للطاقة المتجددة (الشمسية والرياح).
* تصميم حضري ملائم للمشاة.
* تخطيط طاقة مستقر طويل الأجل.
وتتجلى المحصلة النهائية لدولة البرتغال فى أن مصادر الطاقة المُتجددة تُساهم الآن بأكثر من نصف احتياجات البرتغال من الكهرباء منذ سنوات عديدة تحديدًا 62% فى عام 2022، وهو ما يُعدّ مساهمًا رئيسيًا في تحسين جودة الهواء في المدن.
الصفات المشتركة للتجارب المختلفة
ثقافات مختلفة اقتصادات مختلفة درس مشترك واحد: تَتَحسن جودة الهواء عندما تكون السياسات ثابتة وروتينية ومُطبقة، لم تعتمد أي من هذه الدول على وعود براقة أو مجرد تصريحات للرأى العام بل ركزت على قياس التلوث بدقة مع استهداف المصادر الرئيسية للتلوث والاستمرار على هذا النهج لعقود طويلة.
تطوير مجتمعات خالية من التلوث
قالتها مصر فى قمة الأمم المتحدة للمناخ فى عام 2022: استثمروا في حلول تعالج تلوث الهواء وتغير المناخ معًا، سيساهم ذلك في إنقاذ ملايين الأرواح وتحسين صحة ورفاهية ملايين البشر حول العالم، وسَيُعوّض تكلفته أضعافًا مضاعفة.
آن الأوان للحكومات أن تستمع إلى أصوات الشعوب في جميع أنحاء العالم التي تُطالب قادتها بتنظيف هوائها وحماية صحتها لا يمكننا تناول الفحم ولا يمكننا شرب النفط وبالتأكيد لا يمكننا استنشاق الغاز.
تحتاج البيئات الحضرية إلى تحسينات جادة لأن تلوث الهواء بعوادم السيارات لا يَزال يشكل مشكلة خطيرة في المدن الكبرى لذا فإن الأولوية تذهب الى وضع توصيات بشأن سياسات الطرق التي تراعي البعد الإجتماعى والبيئى، مع نشر وتفعيل التجارب العملية السابقة للبلدان المختلفة ونشر عادات القيادة الصديقة للبيئة للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مع تقديم دورات تدريبية حول حالة الشوارع يشارك فيها أطراف المجتمع المدنى قاطبة في مناقشة مشاكل عوادم مركبات المرور وإيجاد حلول عملية لها، مع تشجيع عمل تقييمات الأثر البيئي التي تشارك فيها المواطنين جنبا الى جنب مع المتخصصين.
* استاذ إقتصاديات التغيرات المناخية ورئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية في المعمل المركزى للمناخ الزراعى- مركز البحوث الزراعية
المراجع
T. Komeiji, K. Aoki, I. Koyama, T. Okita. Trends of air quality and atmospheric deposition in Tokyo, Atmospheric Environment. Part A. General Topics. Volume 24, Issue 8, 1990, Pages 2099-2103.
WorldPopulationReview.com
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
