الرئيسية / أبحاث و دراسات / الإنترنت في اليمن خارج معادلة الصمود: 27 نقطة من 100، وعبء يومي على حياة الناس
Internet in Yemen
Internet in Yemen

الإنترنت في اليمن خارج معادلة الصمود: 27 نقطة من 100، وعبء يومي على حياة الناس

خاص – يمن ساينس

عبدالرحمن أبوطالب

يحتل اليمن موقعًا متأخرًا على خريطة الإنترنت عالميًا وإقليميًا، بعد أن سجل 27 نقطة فقط من أصل 100 في مؤشر مرونة الإنترنت، وهو أقل من نصف متوسط دول غرب آسيا (56 نقطة) وأقل بكثير من متوسط آسيا (55 نقطة)، وفق بيانات دولية حديثة.

يأتي هذا التقييم ضمن مؤشر مرونة الإنترنت الصادر عبر منصة Pulse التابعة لـ Internet Society، وهي منظمة دولية غير ربحية تُعنى بتعزيز إنترنت مفتوح وآمن وشامل. ويقيس المؤشر، المعتمد على بيانات تغطي 179 دولة وإقليمًا، مدى قدرة شبكات الإنترنت على الصمود أمام الأعطال المفاجئة، والضغط المتزايد، والهجمات السيبرانية، عبر أربعة محاور رئيسية: البنية التحتية، وجاهزية السوق، والأداء، والأمن.

في أحدث بيانات للمؤشر، سجّل اليمن 27 نقطة فقط من أصل 100، ليقع في ذيل دول غرب آسيا التي يبلغ متوسطها 56 نقطة، وأقل بكثير من متوسط آسيا (55 نقطة). رقم يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه في الواقع يختصر معاناة يومية يعيشها ملايين اليمنيين.

حين يصبح الاتصال عبئًا لا أداة

في بلد يعاني من تراجع الخدمات الأساسية، تحوّل الإنترنت إلى شريان بديل للتعلّم والعمل والعلاج والتواصل. لكن هشاشته تعني أن حصة تعليمية عبر الإنترنت قد تنقطع فجأة، وأن طبيبًا يتابع حالة مريض عن بُعد قد يفقد الاتصال في لحظة حاسمة، وأن شابًا يعمل عبر المنصات الرقمية قد يخسر دخله بسبب بطء أو انقطاع مفاجئ.

اليمن يتخلف بشكل كبير عن متوسطات غرب آسيا في جميع مؤشرات مرونة الإنترنت.
اليمن يتخلف بشكل كبير عن متوسطات غرب آسيا في جميع مؤشرات مرونة الإنترنت.

بنية تحتية تفتقر للعمق

أكبر نقاط الضعف بحسب المؤشرات تكمن في البنية التحتية، حيث لم يتجاوز اليمن 16 نقطة. السبب الأبرز يكمن في الغياب شبه الكامل لمراكز البيانات المحلية ونقاط تبادل الإنترنت (IXPs)، وهي عناصر أساسية لخفض كلفة الاتصال وتسريع الوصول إلى المحتوى. هذا الغياب يعني أن جزءًا كبيرًا من حركة الإنترنت اليمنية يمر عبر مسارات خارجية أطول وأكثر كلفة، ما ينعكس بطئًا في الخدمة وتكرارًا للانقطاعات. كما أن هذه الفجوة لا تُقرأ فقط في الجداول، بل تُحسّ في المنازل: صفحات لا تُفتح، ملفات لا تُرفع، ومحاولات اتصال متكررة تستهلك الوقت والمال معًا.

إنترنت عالي التكلفة

في محور جاهزية السوق، حصل اليمن على 23 نقطة، مع واحد من أدنى مؤشرات ميسورية الإنترنت. لا تعني هذه الأرقام سوى شيء واحد، الإنترنت مكلف مقارنة بجودته، والمنافسة المحدودة تقلل فرص التحسن أو خفض الأسعار، وهو ما يضغط على الشركات الصغيرة ورواد الأعمال، ويحد من توسع الاقتصاد الرقمي. و بالنسبة لعائلة محدودة الدخل، يعني ذلك الاختيار بين حزمة إنترنت مكلفة أو التخلي عن تعليم رقمي كان يمكن أن يعوّض نقص المدارس والمعلمين. وبالنسبة لأصحاب المشاريع الصغيرة، يعني تأخر الطلبات وتعطل التواصل مع الزبائن وخسارة فرص نمو حقيقية.

أداء يوصل بالإنترنت… لكنه لا يخدم جيدا

أما أداء الشبكة، فبقي عند 23 نقطة، نتيجة سرعات تنزيل ورفع متواضعة، وتذبذب في الاستقرار وزمن الاستجابة. والتفسير الأبسط لهذا المؤشر هو أن الإنترنت في كثير من الأحيان “يعمل”، لكنه لا يؤدي الغرض. هذه المعطيات تجعل الإنترنت غير ملائم لتطبيقات أساسية مثل التعليم عن بُعد، والعمل الحر، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الإعلامية المرئية، وهي قطاعات باتت محركًا رئيسيًا للنمو في دول الجوار.

أمان نسبي… ومستقبل غير مطمئن

في محور الأمن، سجل اليمن 45 نقطة، وهي نتيجة أفضل نسبيًا مقارنة ببقية المحاور، مدعومة بمستوى جيد من الحماية ضد هجمات حجب الخدمة (DDoS). لكن في المقابل، يظهر ضعف واضح في تبنّي تقنيات أساسية مثل IPv6 واستخدام HTTPS على نطاق واسع، ما يحد من استدامة هذا التحسن الأمني، و يطرح تساؤلات حول قدرة الشبكة على مواكبة التوسع المستقبلي وبناء ثقة المستخدمين بالخدمات الرقمية.

مقارنة إقليمية تكشف الفجوة

عند وضع اليمن إلى جانب دول غرب آسيا، تتضح الفجوة بشكل أكبر، فبينما تسجل دول الإقليم درجات تتجاوز 60 نقطة في الأداء والأمن، يبقى اليمن في الثلث الأدنى، ليس فقط بسبب ظروف الحرب، بل أيضًا نتيجة غياب استثمارات واضحة في البنية الرقمية وسياسات تنظيمية محفزة.

 “الإنترنت في اليمن متاح، لكنه غير مرن وغير موثوق، الشبكة لا تحتمل الضغط ولا تخدم احتياجات الناس في لحظات الاعتماد القصوى عليها”

مالذي تقوله هذه المؤشرات؟

هذه الأرقام توضح هشاشة شبكة الإنترنت في اليمن. للمواطن، يعني هذا إنترنت أغلى مقابل جودة أقل، فرص أضعف للتعلّم والعمل عن بُعد، خدمات رقمية أقل موثوقية في الصحة والتعليم والمعاملات، الحد من الإبتكار و عوائق أمام اصحاب المشاريع. وللاقتصاد، تعني اتساع الفجوة مع دول الجوار التي تستثمر في البنية الرقمية باعتبارها ركيزة للتنمية والتعافي.

الحرب خارج المؤشر… لكنها حاضرة في الواقع

رغم أن مؤشر مرونة الإنترنت لا يتناول السياق السياسي أو العسكري في اليمن، ولا يُدرج الحرب كعامل ضمن منهجيته، فإن واقع الإنترنت في اليمن لا يمكن فصله عن أكثر من عقد من الصراع الذي ألقى بظلاله الثقيلة على الخدمات و البنية التحتية للإنترنت و صعوبة صيانتها وتطويرها. كذلك الحال مع القيود الأمنية والسياسية التي تعيق الاستثمار أو تحديث الشبكات، بالإضافة إلى الانقسامات المؤسسية والإدارية التي تؤثر على إدارة قطاع الاتصالات في اليمن. ناهيك عن الأبعاد الاجتماعية والنفسية لاستخدام الإنترنت في بيئة نزاع. كلها عوامل تراكمت في بيئة غير مستقرة ولم تتناولها مؤشرات المرونة، لكنها حدّت من قدرة القطاع الرقمي على التطور، حتى في الفترات التي لم تشهد دمارًا مباشرًا.

بعبارة أخرى، الأرقام التي تفصح عنها المؤشرات تصف النتيجة، لا الأسباب. فهي تُظهر مستوى الهشاشة الرقمية في اليمن كما هو اليوم، لكنها لا تدخل في تحليل العوامل السياسية والأمنية التي ساهمت في تشكيل هذا الواقع، وعلى رأسها الحرب وتداعياتها الاقتصادية والمؤسسية.

السؤال الإنساني قبل التقني

التقرير، الصادر عن Internet Society ضمن منصة Pulse، لا يقدم حلولًا جاهزة، لكنه يضع الأرقام على الطاولة. الإنترنت في اليمن متاح، لكنه غير مرن وغير موثوق، شبكة لا تحتمل الضغط ولا تخدم احتياجات الناس في لحظات الاعتماد القصوى عليها. وهي معادلة يصعب معها الحديث عن تنمية أو تعافٍ اقتصادي حقيقي.
وهنا يبرز السؤال الأوسع: كيف يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي أو تعليمي، بينما الوصول العادل والمستقر إلى الإنترنت ما يزال هشًا إلى هذا الحد؟

شاهد أيضاً

جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) : تقنية جديدة في الخلايا الشمسية

بقيادة جامعة كاوست، باحثون يحققون كفاءة قياسية واستقرارًا طويل الأمد في الخلايا الشمسية

خاص – يمن ساينس في خطوة علمية قد تُقرّب الطاقة الشمسية من منافسة الوقود الأحفوري …