في خطوة قد تعيد رسم ملامح مستقبل التدفئة المنزلية، نجح فريق بحثي من جامعات أمريكية في تطوير نظام جزيئي قادر على تخزين حرارة الشمس بكثافة قياسية، ثم إطلاقها عند الطلب بكفاءة تكفي لغلي الماء خلال ثانية واحدة فقط.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science العلمية المرموقة، قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وجامعة برانديز، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، بقيادة الباحثة غريس جي. دي. هان والبروفيسور كينيث إن. هوك.
يمثل التدفئة ما يقرب من نصف استهلاك الطاقة عالميًا، ولا يزال نحو ثلثي هذا الطلب يعتمد على الوقود الأحفوري. وبينما شهد توليد الكهرباء من مصادر متجددة تقدمًا كبيرًا، ظل تخزين الحرارة النظيفة بكفاءة عالية تحديًا علميًا وتقنيًا معقدًا.
النظام الجديد ينتمي إلى ما يُعرف بـ«التخزين الشمسي الحراري الجزيئي» (Molecular Solar Thermal – MOST)، وهو مفهوم يعتمد على جزيئات تمتص ضوء الشمس، وتحوّله إلى طاقة كيميائية مخزّنة داخل روابطها، ثم تطلق هذه الطاقة لاحقًا على شكل حرارة عند تنشيطها.
المشكلة تاريخيًا كانت أن معظم هذه الجزيئات لم تحقق كثافة طاقة كافية لتكون عملية على نطاق واسع.
كثافة طاقة غير مسبوقة
طور الفريق نظامًا قائمًا على مركّب يُسمى «البيريميدون» (Pyrimidone)، مستوحى من تفاعلات ضوئية تحدث طبيعيًا في الحمض النووي DNA عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية.
عند تعريض الجزيء لضوء بطول موجي 300 نانومتر، يتحول إلى شكل آخر يُعرف باسم «متماكب ديوار» (Dewar isomer)، حيث تُخزّن الطاقة في بنية جزيئية شديدة الإجهاد. وعند تنشيطه حراريًا أو بتحفيز حمضي، يعود إلى حالته الأصلية مطلقًا الحرارة المخزّنة.
النتيجة كانت لافتة:
بلغت كثافة تخزين الطاقة 1.65 ميغاجول لكل كيلوغرام، وهي قيمة تفوق بنسبة لا تقل عن 160% أفضل الأنظمة الجزيئية السابقة في هذا المجال.
وللمقارنة، فإن بعض الأنظمة السابقة لم تتجاوز 0.97 ميغاجول/كغ.
من المختبر إلى غلي الماء
في تجربة إثبات المفهوم، أذاب الباحثون 107 ملليغرام من المادة المشحونة في أقل من نصف ملليلتر من الماء، ثم أضافوا محفزًا حمضيًا.
خلال أقل من ثانية واحدة، ارتفعت درجة حرارة الماء إلى 100 درجة مئوية وبدأ بالغليان.
هذا يعني أن كمية صغيرة من المادة استطاعت توفير طاقة حرارية كافية لغلي الماء، ما يفتح الباب أمام استخدامات عملية مثل: تسخين المياه المنزلية، الطهي في المناطق النائية، إزالة الجليد عن الأسطح ، حلول تدفئة لا مركزية خارج الشبكات الكهربائية.
ما الذي يميز هذا النظام؟
يعتمد التصميم على مبدأين أساسيين:
1. تعظيم الإجهاد الجزيئي داخل البنية الكيميائية لزيادة كمية الطاقة المخزنة.
2. إدخال ذرة نيتروجين في موضع استراتيجي يسمح بالتحكم الدقيق في توقيت إطلاق الحرارة.
كما أظهر النظام قدرة على العمل دون مذيبات، مع توافق جيد مع البيئات المائية، وهي ميزة مهمة للتطبيقات المستدامة.
كذلك أثبت المركب استقرارًا ملحوظًا، إذ احتفظ بالطاقة المخزنة لفترات تراوحت بين أشهر وثلاث سنوات، بحسب التركيب الكيميائي، مع إمكانية إعادة شحنه ضوئيًا لأكثر من 20 دورة دون تدهور ملحوظ.
كيف يعمل النظام تقنيًا؟
عند امتصاص الضوء، ينتقل الجزيء إلى حالة طاقة أعلى، ثم يعيد ترتيب روابطه في تفاعل يُسمى «التماكب التكافؤي» (Valence Isomerization).
يمكن تشبيه العملية بنابض ميكانيكي يتم ضغطه بواسطة الضوء، فيخزن الطاقة داخله، ثم يُطلقها عند تحريره.
في هذا النظام، تُخزن الطاقة في روابط كيميائية «مشدودة»، وعند العودة إلى الشكل الأصلي تنكسر هذه الروابط مطلقة الحرارة.
المحددات والتحديات
رغم النتائج الواعدة، لا تزال هناك تحديات يجب تجاوزها قبل الانتقال إلى التطبيقات التجارية:
• امتصاص الجزيئات يتركز حاليًا في نطاق الأشعة فوق البنفسجية، التي تمثل نسبة صغيرة من الطيف الشمسي، ما قد يتطلب تعديلات مستقبلية لزيادة الامتصاص في الضوء المرئي.
• عملية إطلاق الحرارة اعتمدت في التجارب على محفز حمضي متجانس، ما يستدعي خطوة معادلة كيميائية لاحقًا؛ والحل الأمثل سيكون تطوير محفزات صلبة (غير متجانسة) للاستخدام العملي.
• لم يُختبر النظام بعد في أجهزة متكاملة على نطاق واسع أو في بيئات تشغيل طويلة الأمد خارج المختبر.
نحو تدفئة شمسية لامركزية
يشير الباحثون إلى أن مادة تخزن بين 1.5 و2 ميغاجول/كغ لكل دورة، وتعمل لعشرات الدورات، يمكنها نظريًا أن توفر إجمالي طاقة حرارية يضاهي الوقود التقليدي بكتلة مماثلة، ولكن دون انبعاثات كربونية مباشرة أثناء الاستخدام.
هذا التقدم يمثل خطوة مهمة في نقل تقنيات التخزين الشمسي الحراري الجزيئي من المفهوم النظري إلى حلول قابلة للتطبيق، وقد يمهد الطريق لأنظمة تدفئة شمسية لا مركزية، خصوصًا في المناطق النائية أو محدودة البنية التحتية.
في عالم يسعى إلى خفض الانبعاثات الكربونية وتسريع التحول الطاقي، قد تكون «الجزيئات المشحونة بالشمس» جزءًا من معادلة المستقبل.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
