- لماذا يرى “أبو الإنترنت” أن مستقبل الشبكة سيكون أكثر اعتماداً على الاتصالات اللاسلكية.
- ماذا قصد بتشبيه استخدام الإنترنت بـ”رخصة القيادة”، ولماذا أسيء فهم تصريحاته.
- كيف يفسر أسباب هلوسة أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT.
- لماذا يؤكد أن التفكير النقدي أصبح ضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي.
- رؤيته لتعليم البرمجة وأخلاقيات التكنولوجيا.
- لماذا يعتقد أن تقييم مخاطر التطبيقات أهم من الخوف من التكنولوجيا نفسها.
- كيف ينظر أحد مؤسسي الإنترنت إلى مستقبل الشبكة بعد أكثر من خمسين عاماً من مشاركته في بنائها.
بقلم: عبدالرحمن أبوطالب
هايدلبرغ – ألمانيا | أكتوبر 2023
ما إن وصلت إلى مدينة هايدلبرغ الألمانية للمشاركة في منتدى هايدلبرغ للحائزين على الجوائز في الرياضيات وعلوم الحاسوب، حتى امتزج داخلي شعوران متلازمان: الحماس والرهبة. لم أكن أشارك بصفتي صحفياً علمياً فحسب، بل أيضاً بوصفي مهندس حاسوب وناشطاً في قضايا حوكمة الإنترنت والذكاء الاصطناعي.
كنت أدرك أن ساعات قليلة فقط تفصلني عن لقاء نخبة من العلماء الذين أسهموا في تشكيل العالم الرقمي الذي نعرفه اليوم. أسماء طالما قرأت عنها في الكتب والأبحاث، وعاصرت إنجازاتها خلال سنوات الدراسة والعمل، قبل أن أجد نفسي وجهاً لوجه مع أصحابها في قاعات المنتدى.
على مدى خمسة أيام، بين 24 و29 سبتمبر، جمع المنتدى عدداً من أبرز الحائزين على أرفع الجوائز في الرياضيات وعلوم الحاسوب مع مئات الباحثين الشباب من مختلف أنحاء العالم. وقد أتيحت لي فرصة حضور جلساتهم، ومتابعة نقاشاتهم، وإجراء لقاءات صحفية معهم.
في هذه السلسلة، أحاول نقل أبرز الأفكار التي خرجت بها من المنتدى، ليس في قالب المقابلات التقليدية، وإنما عبر قراءة صحفية تجمع بين الحوارات التي أجريتها مع العلماء، وما طرحوه خلال جلسات النقاش، وما يمكن أن تعنيه أفكارهم لمستقبل التكنولوجيا والمجتمع.
البداية مع “أبو الإنترنت”
كان أول لقاء صحفي لي مع الدكتور ڤينتون سيرف، أحد أبرز رواد الإنترنت في العالم، والذي يُعرف على نطاق واسع بلقب “أبو الإنترنت”.
ورغم المكانة العلمية الاستثنائية التي يحظى بها، بدا سيرف بعيداً عن الصورة النمطية للعالم المنعزل. كان دائم الابتسام، سريع الدعابة، شديد التواضع، ويمنح الباحثين الشباب وقتاً كافياً للإجابة عن أسئلتهم والاستماع إلى أفكارهم. وخلال أيام المنتدى، لم يقتصر حضوره على المحاضرات الرسمية، بل كان حاضراً أيضاً في النقاشات الجانبية، يتبادل الحديث مع الطلبة والباحثين وكأنه واحد منهم.
حرصت في هذه المادة على تقديم خلاصة الأفكار التي ناقشتها معه، إلى جانب أبرز مداخلاته خلال المنتدى والمؤتمر الصحفي الذي عقده على هامش المنتدى، في محاولة لرسم صورة متكاملة عن رؤيته لمستقبل الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، وأخلاقيات التكنولوجيا.
من هو ڤينتون سيرف؟
يصنف ڤينتون سيرف ضمن الشخصيات التي أسهمت بصورة مباشرة في بناء الإنترنت الحديث. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، شارك مع زميله الأمريكي بوب كاهن في تصميم بروتوكول TCP/IP، الذي أصبح لاحقاً الأساس الذي تعتمد عليه شبكة الإنترنت في نقل البيانات والتواصل بين مليارات الأجهزة حول العالم.
وقد جرى تطوير هذا البروتوكول أثناء عملهما في وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA)، قبل أن يتحول إلى العمود الفقري للشبكة العالمية كما نعرفها اليوم.
ورغم أن معظم مهندسي الحاسوب والشبكات يعرفون تفاصيل بروتوكول TCP/IP جيدا، فإن كثيرين لا يعرفون أن سيرف كان أحد واضعي أسسه الأولى.
يحمل سيرف خلفية أكاديمية في الرياضيات وعلوم الحاسوب، ونال عدداً كبيراً من الجوائز الدولية المرموقة، تقديراً لإسهاماته في تطوير الإنترنت والاتصالات. ويشغل حالياً منصب نائب رئيس شركة جوجل، إضافة إلى منصب كبير مبشري الإنترنت (Chief Internet Evangelist)، وهو منصب يعنى بدعم انتشار الإنترنت عالمياً، وتعزيز الحوار حول سياسات الشبكة ومستقبلها. كما سبق أن ترأس مجلس إدارة جمعية الإنترنت ومجلس إدارة منظمة ICANN، المعنية بتنسيق نظام أسماء النطاقات وعناوين الإنترنت على المستوى العالمي، وشغل مناصب أكاديمية وصناعية في كل من جامعة ستانفورد وشركة IBM.
وعلى الرغم من مكانته العالمية، فقد لاحظت خلال الحوار أنه يتعامل مع شهرته بكثير من الهدوء وخفة الظل. وحين أشرت، على سبيل المزاح، إلى بعض الانتقادات التي تتحدث عن دوره في التنسيق بين جوجل والإدارة الأمريكية، اكتفى بالضحك، ثم انتقل إلى السؤال التالي من دون تعليق.
“رخصة قيادة للإنترنت”
قبل أشهر من المنتدى، أثار سيرف نقاشاً واسعاً بعد تصريحات شبّه فيها استخدام الإنترنت بقيادة السيارات، معتبراً أن الناس بحاجة إلى ما يشبه “رخصة قيادة للإنترنت”، ليس بالمعنى القانوني، وإنما من حيث اكتساب المهارات والمعرفة اللازمة لاستخدام الشبكة بصورة آمنة ومسؤولة.
وقد أثارت تلك التصريحات جدلاً، إذ رأى بعض المراقبين أنها تتعارض مع طبيعة الإنترنت المفتوحة، بل ومع طبيعة عمله في جوجل، التي تسعى إلى توسيع الوصول إلى الإنترنت عالمياً.
لذلك عند سؤاله عن هذه الفكرة مجدداً، أوضح سيرف أنه لم يكن يدعو إلى فرض تراخيص أو قيود على استخدام الإنترنت، وإنما إلى الاستثمار في التثقيف الرقمي، خاصة للأطفال واليافعين.
وقال:
“لا أعتقد أننا يجب أن نصدر تراخيص بالمعنى الحرفي، ولن يمنع أحد الناس من استخدام الإنترنت. ما قصدته هو أننا بحاجة إلى تعليم الأطفال، منذ وقت مبكر، كيف يستخدمون الإنترنت بطريقة آمنة ومسؤولة، خصوصاً في عصر الذكاء الاصطناعي.”
ثم أضاف جملة لخصت جانباً من فلسفته تجاه التكنولوجيا:
“عندما تخترع شيئاً جديداً، لا يمكنك في البداية أن تتخيل كل الطرق التي قد يُساء استخدامه بها بعد سنوات.”
بدت هذه العبارة، بالنسبة لي، أكثر من مجرد تعليق عابر؛ فهي تلخص شعور أحد الأشخاص الذين ساهموا في بناء الإنترنت، وهو يشاهد اليوم كيف أصبحت الشبكة التي ساعد في إنشائها أداة للمعرفة والتواصل، وفي الوقت نفسه منصة للتضليل والجرائم الإلكترونية وخطاب الكراهية.
كيف يرى “أبو الإنترنت” مستقبل الشبكة؟

The writer with Cerf
إذا كان هناك شخص شهد ولادة الإنترنت منذ أيامه الأولى، فهو ڤينتون سيرف. فقد رافق، مع عدد قليل من الرواد، رحلة تحول شبكة تجريبية صغيرة إلى بنية تحتية يعتمد عليها اليوم أكثر من خمسة مليارات إنسان. ومع ذلك، يؤكد سيرف أن أكثر ما تعلمه من هذه الرحلة هو أن التنبؤ بالمستقبل مهمة شبه مستحيلة.
اتضح هذا جليا حين سألته كيف يتخيل الإنترنت بعد ثلاثين أو أربعين عاماً، في ظل التسارع الكبير في الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والحوسبة السحابية، وغيرها من التقنيات الناشئة.
ابتسم وضحك قبل أن يجيب:
“أنا لست جيداً في التنبؤ. والدليل أنه عندما صممنا بروتوكول الإنترنت IPv4، اعتقدت أن 32 بت ستكون كافية لعدد عناوين الإنترنت… لكن كما ترى، لم تكن كافية، واضطررنا لاحقاً إلى الانتقال نحو IPv6.”
كانت إجابته تحمل قدراً من الدعابة، لكنها تعكس أيضاً حقيقة مهمة؛ فحتى الأشخاص الذين صمموا الإنترنت لم يستطيعوا أن يتوقعوا حجم التوسع الذي ستشهده الشبكة خلال العقود التالية.
ورغم تحفظه على إطلاق توقعات بعيدة المدى، يرى سيرف أن أحد أبرز ملامح مستقبل الإنترنت سيكون الاعتماد المتزايد على الاتصالات اللاسلكية فائقة السرعة.
ويشير إلى أن تطبيقات الواقع المعزز، والحوسبة السحابية، والمركبات ذاتية القيادة، والمصانع الذكية، وإنترنت الأشياء، كلها تعتمد على شبكات تتميز بسرعة نقل عالية وزمن استجابة منخفض للغاية.
ويضرب مثالاً بأنظمة الملاحة الذكية أو المصانع المؤتمتة، حيث لا يكفي مجرد وجود اتصال بالإنترنت، بل يجب أن يكون الاتصال سريعاً وموثوقاً وقادراً على الاستجابة في أجزاء من الثانية. ويرى أن شبكات الجيل الخامس، ثم الجيل السادس مستقبلاً، ستلعب دوراً محورياً في تحقيق ذلك.
لكن، كما يؤكد سيرف، فإن تطور البنية التقنية وحده لا يكفي؛ فكلما ازدادت قدرات الإنترنت، ازدادت أيضاً مسؤولية البشر في استخدامه.
البرمجة ليست للمبرمجين فقط
لم يقتصر حديث سيرف على التكنولوجيا، بل امتد إلى التعليم، وهو موضوع يتحدث عنه بشغف واضح. يرى أن كثيراً من الجامعات ما تزال تنظر إلى المعرفة من خلال أقسام أكاديمية منفصلة، بينما أصبحت معظم التحديات العلمية اليوم عابرة للتخصصات.
ويصف التخصصات الجامعية التقليدية بأنها “بنية تنظيمية موروثة”، ويعتقد أن المشكلات المعقدة تحتاج إلى فرق عمل تجمع بين علماء الحاسوب، والرياضيات، والأحياء، والهندسة، والعلوم الاجتماعية، وغيرها من المجالات.
ويقول:
“أحب أن أرى أكبر عدد ممكن من وجهات النظر المختلفة. أحياناً تكون النتائج مدهشة عندما يعمل أشخاص من تخصصات ودول مختلفة معاً على المشكلة نفسها.”
أما البرمجة، فلا يراها مجرد مهارة مهنية مخصصة لمطوري البرمجيات. فمن وجهة نظره، تعلم البرمجة يساعد الإنسان على التفكير بطريقة منظمة؛ إذ يتعلم كيف يقسم المشكلة الكبيرة إلى أجزاء صغيرة، ثم يعالج كل جزء على حدة، قبل أن يعيد تركيب الحل الكامل.
ولهذا يتمنى أن تصبح البرمجة جزءاً طبيعياً من التعليم المدرسي، ليس بهدف تخريج مبرمجين، وإنما لتنمية التفكير المنطقي ومهارات حل المشكلات لدى الطلبة.
هل يمكن تدريس الأخلاق؟
عندما انتقل الحديث إلى أخلاقيات التكنولوجيا، جاءت إجابة سيرف مختلفة عما كنت أتوقع. فهو لا يعتقد أن الأخلاق تُكتسب من خلال دورة تدريبية قصيرة أو اختبار إلكتروني، كما تفعل بعض الشركات.
وقال:
“لست متأكداً من أن الأخلاق شيء يمكن تدريسه. إنها تُكتسب من خلال العيش في بيئة ترى فيها السلوك الأخلاقي وتلمسه في الممارسة اليومية.”
ويعتقد أن الأمثلة العملية، والثقافة المؤسسية، والقدوات، تؤثر في السلوك أكثر بكثير من المحاضرات النظرية. وفي الوقت نفسه، يحذر من اختزال النقاش الأخلاقي في الذكاء الاصطناعي وحده. فمن وجهة نظره، كل مهندس برمجيات يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه ما يطوره، سواء كان برنامجاً بسيطاً أو نظاماً قائماً على الذكاء الاصطناعي.
ويقول:
“إذا كتبت برنامجاً يعتمد عليه الناس، فأنت مسؤول عن التأكد من أنه يعمل كما ينبغي، وإذا اكتشفت فيه خطأً، فأنت مسؤول أيضاً عن إصلاحه.”
أما البرمجيات مفتوحة المصدر، فينظر إليها بإيجابية كبيرة، لأنها تتيح للناس الاستفادة من جهود الآخرين وتسرّع الابتكار. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن كثيراً من هذه المشاريع تعتمد على متطوعين، ولا تحظى دائماً بالدعم والصيانة الكافيين، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم الثغرات الأمنية أو الأخطاء البرمجية، خاصة عندما تعتمد عليها مؤسسات أو ملايين المستخدمين.
التكنولوجيا ليست خيراً ولا شراً
خلال الحوار، عاد سيرف أكثر من مرة إلى فكرة واحدة بدت وكأنها محور فلسفته تجاه التكنولوجيا. فهو لا يرى أن المشكلة تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طبيعة استخدامها. ويقول إنه من المستحيل تقريباً أن يتنبأ المطورون بكل الطرق التي قد تُستخدم بها ابتكاراتهم مستقبلاً. ولهذا يقترح أن يكون تقييم المخاطر جزءاً أساسياً من تطوير أي تقنية جديدة. فإذا كان التطبيق موجهاً للترفيه، فقد تكون مساحة المخاطرة محدودة.
أما إذا كان سيستخدم في التشخيص الطبي، أو اتخاذ القرارات المالية، أو تقديم الاستشارات القانونية، أو إدارة البنى التحتية الحساسة، فإن مستوى الاختبارات والتدقيق يجب أن يكون أعلى بكثير. ويختصر فكرته بالقول إن درجة الثقة المطلوبة في أي نظام يجب أن تتناسب مع حجم الضرر الذي قد يسببه إذا أخطأ.
ماذا يقلق “أبو الإنترنت” بشأن الذكاء الاصطناعي؟
رغم أن الإنترنت كان محور الحديث، فإن الذكاء الاصطناعي حضر في معظم جلسات المنتدى، ولم يكن ذلك مفاجئاً. ففي عام 2023 كانت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعلى رأسها ChatGPT، قد بدأت تغير طريقة البحث والكتابة وإنتاج المحتوى، وأثارت في الوقت نفسه نقاشاً عالمياً حول مستقبل المعرفة والعمل والتعليم.
وخلال المؤتمر الصحفي، أشار أحد الصحفيين إلى دراسة أوروبية توقعت أن ما يصل إلى 90% من محتوى الإنترنت خلال العقد المقبل قد يصبح مولداً بواسطة الذكاء الاصطناعي، بحيث يغدو العثور على المحتوى الذي أنتجه البشر أكثر صعوبة. ولم يناقش سيرف دقة هذه النسبة بقدر ما علّق على الفرضية نفسها قائلاً:
“إذا حدث ذلك بالفعل، فسيكون أمراً مخيفاً. هناك مقولة تقول إن التاريخ يكتبه المنتصرون… وفي هذه الحالة ربما تكون الروبوتات هي المنتصرة.”
ثم أضاف، بطريقته الساخرة المعتادة، أن البشر قد يكونون “محظوظين” إذا كانت الآلات أقل تحيزاً منهم في كتابة التاريخ، قبل أن يستدرك بأن المشكلة الحقيقية تكمن في أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم من بيانات أنتجها البشر أصلاً، وبالتالي فإنها قد ترث التحيزات الموجودة فيها ما لم تُصمم وتُدرَّب بعناية.
ومن هنا، يرى سيرف أن أحد أكبر التحديات المستقبلية يتمثل في تطوير أنظمة قادرة على اكتشاف التحيزات وتقليلها، بدلاً من إعادة إنتاجها على نطاق أوسع.
لماذا “يهلوس” الذكاء الاصطناعي؟
سؤل سيرف أيضاً عن ظاهرة أصبحت معروفة اليوم باسم “هلوسة الذكاء الاصطناعي”، أي تقديم معلومات تبدو صحيحة، لكنها في الواقع غير دقيقة أو مختلقة. شرح سيرف الفكرة بطريقة مبسطة، موضحاً أن نماذج اللغة لا تفكر كما يفكر البشر، ولا تبحث عن الحقائق داخل قاعدة بيانات مرتبة، بل تبني استجاباتها اعتماداً على أنماط إحصائية معقدة تربط الكلمات والجمل ببعضها البعض. ولهذا قد يحدث أحياناً أن تدمج النموذج معلومات من مصادر مختلفة، أو تخلط بين شخصيتين أو حدثين متشابهين، دون أن تدرك أن السياق قد تغير.
وقال:
“ما زال أمامنا الكثير من العمل حتى تصبح هذه الأنظمة أكثر دقة.”
ولإيضاح الفكرة، روى لنا تجربة شخصية طريفة. إذ قرر، بدافع الفضول، أن يطلب من أحد روبوتات الدردشة كتابة نعي عنه.
ويقول ضاحكاً:
“اعتقدت أن الأمر سيكون سهلاً، فهناك معلومات كثيرة عني على الإنترنت، لكن البرنامج كتب ملخصاً لمسيرتي المهنية وأضاف إليه أشياء لم أفعلها إطلاقاً، بل وذكر أفراداً من العائلة لا أعرفهم!”
بالنسبة إليه، لم تكن المشكلة أن النموذج أخطأ، بل أن صياغته كانت واثقة إلى درجة قد تجعل بعض المستخدمين يصدقون ما كتبه دون تمحيص.
التفكير النقدي أهم من أي وقت مضى
من بين جميع الرسائل التي سمعتها من سيرف، ربما كانت هذه هي الأكثر إلحاحاً. فهو لا يخشى الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بقدر ما يخشى الطريقة التي قد يتعامل بها الناس مع مخرجاته.
وقال:
“أريد أن يشعر الناس بالحافز للتحقق من المعلومات التي يحصلون عليها.”
ويضيف أن أكثر ما يقلقه هو أن يكتفي المستخدمون بالإجابة الأولى التي يقدمها روبوت الدردشة أو محرك البحث، دون أن يسألوا: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكدها؟
ويرى أن هذا يصبح أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بمجالات مثل الطب أو القانون أو الاستشارات المالية، حيث قد يؤدي الاعتماد غير المدروس على إجابات الذكاء الاصطناعي إلى قرارات خاطئة ذات عواقب حقيقية.
ولهذا يدعو إلى ترسيخ التفكير النقدي باعتباره مهارة أساسية في العصر الرقمي. فالمستخدم، في رأيه، لا ينبغي أن يسأل فقط: “ما الإجابة؟”، بل أيضاً: “كيف وصلت إليها؟ وهل يمكن التحقق منها؟”
عندما ينجح الذكاء الاصطناعي
ورغم تحذيراته، لا ينظر سيرف إلى الذكاء الاصطناعي نظرة تشاؤمية. بل على العكس، يرى أنه يمتلك قدرة هائلة على حل مشكلات معقدة عندما يُستخدم في السياق المناسب. وضرب مثالاً من شركة جوجل، حيث تُستهلك كميات ضخمة من الطاقة لتشغيل مراكز البيانات وأنظمة التبريد الخاصة بها.
وأوضح أن المهندسين طوروا نموذجاً للتعلم الآلي بهدف تحسين كفاءة أنظمة التبريد وتقليل استهلاك الكهرباء. ويقول إن النتيجة كانت لافتة؛ إذ نجح النظام في خفض استهلاك الطاقة بنحو 40%، الأمر الذي دفع الشركة إلى تعميم التجربة على مراكز بياناتها. ويستخلص من ذلك أن الذكاء الاصطناعي، شأنه شأن أي تقنية أخرى، ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً. فقيمته الحقيقية لا تكمن في التقنية نفسها، وإنما في الطريقة التي يختار البشر استخدامها بها.
وبينما يواصل العالم سباقه المحموم نحو بناء نماذج أكثر قوة، يذكّرنا أحد الآباء المؤسسين للإنترنت بأن السؤال الأهم ليس: “ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟” بل: “كيف نضمن أن يستخدم فيما يفيد الإنسان؟”
لماذا يعد منتدى هايدلبرغ محطة فريدة؟

قبل أن ينتهي لقاؤنا، سألت ڤينتون سيرف عن السبب الذي يجعله يحرص على حضور منتدى هايدلبرغ عاماً بعد آخر، رغم كثرة المؤتمرات والفعاليات العلمية التي يشارك فيها حول العالم. أجاب بأن أهمية المنتدى لا تكمن في كونه مجرد مؤتمر علمي، وإنما في الفكرة التي تأسس عليها.
وأشار إلى أن نسخة عام 2023 كانت تمثل الدورة العاشرة للمنتدى، وهو إنجاز لم يكن سهلاً، خاصة بعد أن اضطر المنظمون إلى عقد دورتين افتراضيتين خلال جائحة كوفيد-19. وقال إن استمرار المنتدى يعود إلى الدعم الذي قدمته مؤسسة كلاوس تشيرا، التي أنشأت المنتدى عام 2013 بهدف سد فجوة ظلت قائمة لعقود.
وأوضح أن الجميع يعرف اجتماعات لينداو للحائزين على جائزة نوبل، التي تجمع سنوياً الفائزين بجوائز نوبل مع الباحثين الشباب منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن الرياضيات وعلوم الحاسوب لا تمتلكان جائزة نوبل، وهو ما دفع رجل الأعمال الألماني والمحسن العلمي كلاوس تشيرا إلى إطلاق منتدى موازٍ يحتفي بالحاصلين على أرفع الجوائز العالمية في هذين المجالين.
لكن ما يميز المنتدى، في نظر سيرف، ليس الجوائز ولا الأسماء الكبيرة، وإنما طبيعة الحوار الذي يخلقه بين أجيال مختلفة من العلماء.
وأضاف مبتسماً أن شركة جوجل نفسها استفادت من المنتدى، إذ انضم إليها خلال السنوات الماضية عدد من الباحثين الشباب الذين شاركوا في فعالياته، وأصبح كثير منهم لاحقاً من أبرز المهندسين والعلماء داخل الشركة.
كما يرى أن القيمة الحقيقية للمنتدى تكمن في جمع الرياضيات وعلوم الحاسوب في مساحة واحدة، بما يسمح بتفاعل الأفكار بين تخصصات متعددة، من الفيزياء والأحياء إلى اللغويات الحاسوبية والعلوم الاجتماعية، وهي البيئة التي يعتقد أن الابتكار الحقيقي يولد فيها.
أكثر من مجرد لقاء
عندما انتهى المنتدى، لم أشعر أنني أنهيت مقابلة أحد مشاهير التكنولوجيا، بقدر ما شعرت أنني خرجت من نقاش مع شخص ما يزال ينظر إلى الإنترنت بالطريقة نفسها التي ينظر بها المهندس إلى مشروع لم يكتمل بعد. فعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على مشاركته في تصميم البروتوكولات التي قامت عليها الشبكة العالمية، لا يزال يتحدث عنها بوصفها مشروعاً مستمراً، لا اختراعاً انتهى.
وربما كان أكثر ما لفت انتباهي أن معظم إجاباته لم تكن تدور حول سرعة الشبكات أو قوة الخوارزميات أو سباق الشركات التقنية، بل حول الإنسان. كان يتحدث عن الأطفال الذين ينبغي تعليمهم الاستخدام الآمن للإنترنت، وعن الطلاب الذين يحتاجون إلى تعلم التفكير المنطقي، وعن المهندسين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية أخلاقية تجاه البرمجيات التي يطورونها، وعن المستخدمين الذين ينبغي ألا يتخلوا عن التفكير النقدي مهما أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر إقناعاً.
خرجت من اللقاء وأنا أكثر اقتناعاً بأن مستقبل الإنترنت لن تحدده البروتوكولات وحدها، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا حتى الشركات الكبرى. ما سيحدد هذا المستقبل، في نهاية المطاف، هو الطريقة التي يختار بها البشر استخدام هذه الأدوات. وربما لهذا السبب، وبعد كل هذه السنوات، لا يزال “أبو الإنترنت” يرى أن أصعب التحديات ليست تقنية، بل إنسانية.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
