الرئيسية / العلوم و التكنواوجيا / روبرت ميتكالف.. المخترع الذي أكل مقاله ثم أعاد التفكير في مستقبل الإنترنت
Metcalfe @ the Press Conference
Metcalfe @ the Press Conference

روبرت ميتكالف.. المخترع الذي أكل مقاله ثم أعاد التفكير في مستقبل الإنترنت

  •  لماذا يعتقد مخترع الإيثرنت أن الإنترنت لن ينهار، رغم أنه تنبأ بذلك يوماً ما.
  •  القصة الكاملة لليوم الذي أكل فيه مقاله بعد أن أخطأ في توقعاته.
  •  لماذا يرى أن المنافسة التكنولوجية الحالية بين الولايات المتحدة والصين ليست منافسة صحية.
  •  لماذا يرفض إنشاء هيئة دولية تشرف على الذكاء الاصطناعي.
  •  لماذا لا يعتبر الوصول إلى الإنترنت حقاً من حقوق الإنسان.
  •  كيف ينظر إلى مستقبل الإيثرنت والشبكات اللاسلكية.
  •  لماذا يؤمن بأن التعلم المستمر أهم من البقاء في مهنة واحدة طوال الحياة.

بقلم: عبدالرحمن أبوطالب

هايدلبرغ – ألمانيا | أكتوبر 2023

بعد لقائي ڤينتون سيرف في منتدى هايدلبرغ العاشر للحائزين على الجوائز في الرياضيات وعلوم الحاسوب، وجدت نفسي أمام موعد جديد مع أحد الأسماء التي صنعت تاريخ الإنترنت. هذه المرة كان اللقاء مع روبرت (بوب) ميتكالف، أحد رواد شبكات الحاسوب، والمشارك في تطوير تقنية Ethernet التي أصبحت العمود الفقري للشبكات المحلية حول العالم، وصاحب “قانون ميتكالف” الشهير الذي يفسر كيف تزداد قيمة الشبكات كلما ازداد عدد مستخدميها.

لم يكن ميتكالف يشبه كثيراً الصورة التقليدية للعالم الهادئ المتحفظ. كان سريع الإجابة، حاضر النكتة، ولا يتردد في إطلاق آراء قد يصفها البعض بأنها مثيرة للجدل. ففي أقل من ساعة، انتقد فكرة اعتبار الإنترنت حقاً من حقوق الإنسان، ورفض إنشاء هيئة دولية تشرف على الذكاء الاصطناعي، ووصف المنافسة التكنولوجية الحالية بين الولايات المتحدة والصين بأنها منافسة “غير صحية”، قبل أن يعود ليحكي، وهو يضحك، قصة اليوم الذي اضطر فيه إلى أكل مقال كتبه بنفسه بعدما ثبت أن توقعاته كانت خاطئة.

خلال أيام المنتدى، كان ميتكالف من أكثر العلماء إحاطة بالباحثين الشباب. لم يكن يكتفي بإلقاء المحاضرات، بل كان يدخل في نقاشات طويلة معهم، ويجيب عن أسئلتهم بصراحة لا تخلو من الفكاهة.

وفي هذه المادة، أحاول أن أنقل أبرز الأفكار التي طرحتها عليه، إضافة إلى بعض ما عرضه في جلسات المنتدى، بعيداً عن قالب المقابلة التقليدية، ومن خلال السرد الذي يعكس شخصية الرجل كما ظهرت أمامي.

الرجل الذي وصل الحواسيب ببعضها

يصعب الحديث عن الشبكات الحديثة دون المرور باسم روبرت ميتكالف. ففي سبعينيات القرن الماضي، شارك في تطوير تقنية Ethernet داخل مركز أبحاث شركة Xerox PARC، وهي التقنية التي أتاحت للحواسيب الموجودة في المكان نفسه أن تتبادل البيانات بسرعة وكفاءة، وأصبحت لاحقاً المعيار الأكثر انتشاراً في الشبكات المحلية حول العالم.

وقد لا يدرك كثير من مستخدمي الإنترنت اليوم أن ملايين الشبكات، في المنازل، والجامعات، والشركات، ومراكز البيانات، لا تزال تعتمد على المبادئ الأساسية التي قامت عليها تقنية الإيثرنت، حتى وإن تطورت سرعاتها ووسائطها بصورة هائلة.

ولم تقتصر مساهمات ميتكالف على الجانب التقني. فهو أسس شركة 3Com، التي أصبحت إحدى أبرز شركات الشبكات في العالم، ثم انتقل لاحقاً بين ريادة الأعمال والعمل الأكاديمي والاستثمار والبحث العلمي، في مسيرة مهنية امتدت لعقود، حصل خلالها على عدد كبير من الجوائز الدولية، كان أبرزها جائزة تورينغ، التي تُعد أعلى تكريم في علوم الحاسوب.

خطاب أعاد الجميع إلى البدايات

مسودة خطاب ميتكالف
مسودة خطاب ميتكالف

في افتتاح المنتدى، ألقى ميتكالف كلمة مختلفة عن كثير من الكلمات الاحتفالية المعتادة. ووفي وقت لاحق، سلمني نسخة من مسودة خطابه الذي أعده على عجل ليلة الإفتتاح حد قوله. لم يكن الخطاب استعراضاً للإنجازات بقدر ما كان رحلة إلى الأيام الأولى لشبكات الحاسوب، عندما كانت فكرة ربط جهازين ببعضهما تبدو تحدياً هندسياً كبيراً.

ومن بين القصص التي رواها، استعاد ذكرياته مع والدته في زمن كانت فيه المكالمات الهاتفية الدولية مرتفعة التكلفة. قال إنه كان، كلما سافر، يتصل بمنزل أسرته ويترك الهاتف يرن ثلاث مرات ثم يغلق الخط. كانت تلك الإشارة المتفق عليها تعني ببساطة: “وصلت بسلام.” لم تكن هناك حاجة إلى إجراء المكالمة كاملة، ولا إلى دفع تكلفتها.

ثم انتقل للحديث عن التحدي الأكبر الذي واجهه جيله من المهندسين بعد ظهور الحاسوب الشخصي. فالمشكلة، كما يرويها، لم تكن في بناء الحاسوب، بل في جعل الحواسيب المختلفة “تتحدث” مع بعضها البعض بطريقة موثوقة وسريعة. ومن هنا، وُلدت تقنية الإيثرنت، التي وفرت قواعد ومعايير لنقل البيانات بين الأجهزة داخل الشبكات المحلية، ومهدت الطريق أمام معظم تقنيات الشبكات الحديثة.

وبالنسبة إلى ميتكالف، لم يكن اختراع الإيثرنت مجرد حل لمشكلة تقنية، بل خطوة أساسية في بناء العالم الرقمي الذي نعيش فيه اليوم.

الرجل الذي أكل مقاله

يصعب أن تتحدث مع روبرت ميتكالف عن مستقبل الإنترنت دون أن تستحضر أشهر توقع أخطأ فيه طوال مسيرته. لذلك سألته سؤالاً يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى: هل صُممت البنية الحالية للإنترنت لتواكب الطفرة الهائلة في الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والواقع المعزز، وغيرها من التطبيقات التي تستهلك كميات غير مسبوقة من البيانات؟

أجاب بثقة:

“بالتأكيد. الإنترنت أثبت مرونته، ورأينا ذلك بوضوح خلال جائحة كوفيد-19. في بدايات الشبكة كان مجرد إرسال صورة يعد إنجازاً، أما اليوم فيبدو وكأن الإنترنت بُني خصيصاً ليستوعب ما حدث أثناء الجائحة. ولذلك أعتقد أنه قادر على استيعاب ما هو أكثر.”

ثم توقف للحظة، وابتسم ابتسامة يعرفها من تابعوا مسيرته.

وأضاف:

“لكنني أقول ذلك… مع أن لدي تاريخاً غير مشرف في التنبؤ.”

كانت تلك إشارة إلى واحدة من أشهر القصص في تاريخ الإنترنت. ففي عام 1995، نشر ميتكالف مقالاً توقع فيه أن الإنترنت سيشهد انهياراً كارثياً خلال عام واحد بسبب محدودية بنيته التحتية وعدم قدرتها على تحمل النمو المتسارع في أعداد المستخدمين، خاصة مع ضياع حزم البيانات اثناء انتقالها في الشبكة.

ولإظهار ثقته في توقعه، كتب أنه إذا لم يحدث ذلك، فسوف “يأكل كلامه”. لكن ما حدث كان العكس تماماً. فالإنترنت لم ينهر، بل واصل نموه بوتيرة أسرع. وبدلاً من تجاهل الأمر، قرر ميتكالف أن يفي بوعده. وخلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها في المؤتمر الدولي السادس للشبكة العالمية (WWW Conference) عام 1997، أحضر نسخة مطبوعة من مقاله، مزقها إلى قطع صغيرة، ووضعها في خلاط مع سائل، ثم شربها أمام الحضور.

ضحك وهو يستعيد تلك الواقعة، ثم قال لي:

“أصبحت مشهوراً بسبب أكلي لمقالي أكثر من شهرتي باختراع الإيثرنت.”

ثم أضاف:

“أعتقد أن الناس يحبون أن يروا شخصاً يعترف بأنه كان مخطئاً.”

هل كان مخطئاً تماماً؟

عندما سألته إن كان ما زال يرى أن توقعه كان مجرد خطأ، جاءت إجابته أكثر توازناً. فهو لا ينكر أنه أخطأ في النتيجة، لكنه يرى أن المخاوف التقنية التي استند إليها كانت حقيقية. وأوضح أن أدوات القياس المتوافرة آنذاك كانت تشير إلى وجود اختناقات في أداء بروتوكولات TCP/IP مع ازدياد أحجام المرور على الشبكة، وأن فقدان الحزم كان يمثل مشكلة حقيقية في ذلك الوقت. وقال إن ما لم يتوقعه هو السرعة التي تحرك بها مجتمع الإنترنت لمعالجة تلك المشكلات.

وأضاف:

“ربما كانت توقعاتي مفيدة، لأنها أزعجت الأشخاص المسؤولين عن الإنترنت، فعملوا بجد أكبر لحل المشكلات.”

ورغم أن العبارة قيلت بروح مرحة، فإنها تعكس حقيقة يعرفها كثير من العاملين في هندسة الإنترنت. فالتحذيرات المبكرة، حتى عندما تكون مبالغاً فيها، قد تدفع المجتمع التقني إلى تطوير حلول أسرع وأكثر كفاءة. وربما لهذا السبب لا يشعر ميتكالف بالحرج من تلك الواقعة، بل يرويها باعتبارها درساً في التواضع العلمي.

هل انتهى عصر الإيثرنت؟

The writer wit Metcalf الكاتب مع ميتكالف
The writer wit Metcalf
أبوطالب مع ميتكالف

من أكثر الأسئلة التي كنت متشوقاً لطرحها سؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه يحمل بعداً رمزياً. فالعالم الذي شارك في تطوير أشهر تقنية للشبكات السلكية يعيش اليوم في عصر تتوسع فيه الاتصالات اللاسلكية عاماً بعد آخر.

سألته: هل نشهد بداية أفول عصر الإيثرنت؟

لم يتردد في الإجابة. قال إن الناس لا يلجؤون إلى الاتصال اللاسلكي إلا لسببين: إما لأن تمديد الأسلاك غير ممكن، أو لأنهم يحتاجون إلى حرية الحركة. أما في غير ذلك، فإن الاتصال السلكي سيظل الخيار الأكثر كفاءة واعتمادية في كثير من التطبيقات.

ثم أعادني إلى البدايات، قائلاً إن أولى أفكار مشروع الإيثرنت كانت تعتمد في الأصل على الاتصالات الراديوية اللاسلكية. لكن التكنولوجيا المتاحة في ذلك الوقت لم تكن تسمح بتنفيذ الفكرة عملياً، إذ كانت أجهزة الإرسال والاستقبال كبيرة الحجم وباهظة التكلفة، الأمر الذي جعل استخدام الكابلات الخيار الأكثر واقعية.

ويضيف أن الصورة اليوم أصبحت أكثر تعقيداً. فالإنترنت الحديثة ليست شبكة سلكية أو لاسلكية، وإنما مزيج متكامل من التقنيتين. ولهذا يرفض، من حيث المبدأ، الفصل الحاد بين الإيثرنت والواي فاي. بل ذهب إلى حد القول، وهو يدرك أن رأيه قد يثير الجدل:

“Wi-Fi ليس سوى الاسم التسويقي للإيثرنت اللاسلكي.”

ثم ابتسم، مضيفاً أن هذا الرأي لا يعجب كثيراً من المهندسين الذين شاركوا لاحقاً في تطوير تقنية الواي فاي. لكن، بالنسبة إليه، يبقى الجوهر واحداً: الهدف في الحالتين هو نقل البيانات بكفاءة بين الأجهزة، سواء عبر النحاس والألياف الضوئية، أم عبر الموجات الراديوية.

هل الإنترنت حق من حقوق الإنسان؟

رغم أن أكثر من خمسة مليارات شخص يستخدمون الإنترنت اليوم، لا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كان الوصول إليه ينبغي أن يُعد حقاً أساسياً من حقوق الإنسان. خلال السنوات الأخيرة، تبنت منظمات دولية ومدنية هذا الطرح، انطلاقاً من أن الإنترنت أصبح بوابة للتعليم والعمل والخدمات العامة والمشاركة في الحياة العامة. لكن روبرت ميتكالف لا يشاركهم هذا الرأي. وعندما طرح عليه السؤال، لم يتردد في التعبير عن موقفه.

وقال:

“أنا لا أحب تعبير حقوق الإنسان، لأنه يحول النقاش إلى نقاش أيديولوجي. دعونا لا نفعل ذلك.”

وبدلاً من ذلك، يفضل النظر إلى الإنترنت بوصفه بنية تحتية، لا تختلف كثيراً عن الطرق أو شبكات الكهرباء أو المياه. ويعتقد أن الأولوية يجب أن تكون لتوسيع الشبكات، وخفض تكلفة الاتصال، وتحسين جودة الخدمة، بدلاً من الانشغال بالتصنيفات القانونية أو الفلسفية.

وأضاف:

“انتشر الإنترنت بسرعة مذهلة. خلال عقدين فقط وصل إلى أكثر من خمسة مليارات مستخدم، وما زال ينتشر عاماً بعد عام. علينا أن نجعله أسرع وأرخص وأكثر توافراً.”

ورغم أن كثيرين قد يختلفون مع هذا الطرح، فإنه يعكس رؤية ميتكالف التي تميل إلى التركيز على الحلول التقنية والعملية أكثر من النقاشات الحقوقية.

المنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين… ليست صحية

لم يكن من الممكن الحديث عن مستقبل الإنترنت من دون التطرق إلى التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وشبكات الجيل الخامس، والحوسبة المتقدمة. يرى بعض الباحثين أن هذه المنافسة قد تسرّع الابتكار، بينما يحذر آخرون من أنها قد تقود إلى انقسام الإنترنت إلى فضاءات تقنية وسياسية متنافسة.

سألت ميتكالف عن رأيه. فأجاب مباشرة:

“المنافسة في حد ذاتها جيدة، لكن المنافسة الحالية بين الولايات المتحدة والصين ليست من النوع الصحي.”

وانتقد ما وصفه بممارسات الصين في مجال نقل التكنولوجيا، مستشهداً بكتاب ألّفته زوجته قبل سنوات حول سرقة التكنولوجيا الأمريكية من قبل الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة. وقال إن استبدال اسم “الاتحاد السوفييتي” بكلمة “الصين” في كثير من فصول ذلك الكتاب يجعل محتواه، من وجهة نظره، مناسباً للواقع الحالي.

كما استعاد الجدل الذي صاحب محاولة شركة Huawei الاستثمار في شركة 3Com، التي أسسها، وهي الصفقة التي رفضتها الحكومة الأمريكية لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وأوضح أن ما سمعه لاحقاً عن دوافع ذلك القرار أثار لديه قلقاً كبيراً.

لكن عندما لاحظت أن الحديث بدأ يبتعد عن التكنولوجيا ويتجه نحو السياسة، حاولت إعادة النقاش إلى مساره الأساسي.

فسألته:

هل تثق في التكنولوجيا الصينية نفسها؟

توقف قليلاً قبل أن يجيب:

“على المدى الطويل، نعم. لكن في الوقت الحالي توجد مشكلة حقيقية تتعلق بالتجسس. ما نحتاج إليه هو التوصل إلى تفاهمات تسمح بعودة المنافسة الصحية.”

كانت هذه الإجابة أكثر توازناً من تصريحاته السابقة، إذ فرّق فيها بين التكنولوجيا ذاتها وبين البيئة السياسية والأمنية المحيطة بها. وبالنسبة إليّ، لم يكن هدفي من السؤال تأييد أي طرف، وإنما فهم كيف ينظر أحد رواد الإنترنت إلى واحد من أكثر الملفات تأثيراً في مستقبل الشبكة العالمية. فالخلافات الجيوسياسية لم تعد تقتصر على التجارة أو الأمن، بل أصبحت تمتد إلى البنية الرقمية نفسها، وهو ما قد تكون له آثار بعيدة المدى على وحدة الإنترنت وانفتاحه.

هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى “حكومة عالمية”؟

في إحدى جلسات المنتدى، طُرحت فكرة إنشاء هيئة دولية، ربما تحت مظلة الأمم المتحدة، تتولى وضع القواعد العامة لتطوير الذكاء الاصطناعي والإشراف عليه. لكن ميتكالف لم يبد أي حماس لهذا المقترح. بل رفضه بصورة قاطعة.

وقال:

“لا أحب هذه الفكرة. إنها مخيفة.”

وأضاف:

“لست من أنصار أن تتولى وكالات الأمم المتحدة وضع قواعد علوم الحاسوب. هذه المؤسسات لا تطور التكنولوجيا، كما أن طبيعتها البيروقراطية قد تعيق الابتكار.”

لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يعارض مناقشة هذه القضايا داخل الأمم المتحدة، وإنما يعترض على أن تتحول المنظمة إلى جهة تنظيمية عالمية تتحكم في مسار تطوير الذكاء الاصطناعي. وتنسجم هذه الرؤية مع فلسفة ميتكالف التي تميل إلى ترك مساحة واسعة للمهندسين والباحثين والسوق، مع الحد من التدخلات التنظيمية المسبقة.

بين التنظيم والابتكار

امتد الحديث إلى الدعاوى القضائية المتزايدة ضد شركات التكنولوجيا الكبرى. ورغم أنه أكد أنه ليس متخصصاً في قوانين المنافسة، فإنه أبدى انطباعاً بأن موجة التشدد الحالية قد تكون مؤقتة.

وقال:

“أعتقد أن هذا التركيز الكبير على مقاضاة شركات التكنولوجيا سيتراجع، وسنعود إلى الاهتمام بالابتكار بدلاً من الانشغال المستمر بمراقبة الإنترنت.”

واستشهد بأمثلة تاريخية. ففي بدايات الإنترنت، كان هناك جدل واسع حول السماح بالإعلانات التجارية على الشبكة، قبل أن تصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من اقتصاد الإنترنت. كما أشار إلى الجدل الذي رافق قانون آداب الاتصالات الأمريكي لعام 1996، والذي أثار حينها مخاوف كبيرة بشأن مستقبل الإنترنت، قبل أن تُبطل المحاكم أجزاءً واسعة منه.

وبالنسبة إلى ميتكالف، فإن تاريخ الإنترنت مليء بالمخاوف التي بدت، في لحظتها، وكأنها ستغير كل شيء، لكنها مع مرور الوقت أصبحت مجرد محطات في مسار تطور الشبكة.

هل تُدرَّس الأخلاق؟

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد المخاوف من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، برزت دعوات إلى إدراج مقررات مستقلة حول أخلاقيات التكنولوجيا ضمن برامج علوم الحاسوب والهندسة. غير أن روبرت ميتكالف لا يرى أن هذا هو الطريق الأمثل. وعند سؤاله عن الفكرة، أجاب بحسم:

“لا أعتقد أن ذلك سيحدث. طوال مسيرتي كنت أحضر مؤتمرات تضم جلسات كاملة عن الأخلاقيات، ولم أجد أن هذه القضايا تُحل بهذه الطريقة.”

ويرى أن الأخلاق لا تُبنى من خلال مقرر دراسي منفصل، بل من خلال الممارسة اليومية، ومن خلال دمجها في جميع التخصصات والمواد. واستخدم تشبيهاً لافتاً حين قال إن الأخلاق يجب أن تُعامل مثل السكر المذاب في الماء؛ لا تراها منفصلة، لكنها موجودة في كل جزء منه. وأضاف أن الجامعات يمكنها أن تغرس هذه المبادئ بصورة أفضل عندما تصبح جزءاً من طريقة تدريس البرمجة، وهندسة البرمجيات، وإدارة المشاريع، بدلاً من الاكتفاء بمادة مستقلة تحمل عنوان “أخلاقيات التكنولوجيا”.

كما يعتقد أن الإنترنت، على مدى العقود الماضية، واجه بالفعل أزمات أخلاقية كبيرة، مثل الرسائل المزعجة (Spam)، والمحتوى الإباحي، والأخبار الكاذبة، والاستقطاب، وأن المجتمع التقني تعلم تدريجياً كيف يتعامل مع هذه المشكلات ويطوّر أدوات للتخفيف من آثارها.

هل تتغير الجامعة؟

في موضوع آخر، وجدت أن ميتكالف يتقاطع بصورة لافتة مع ما قاله ڤينتون سيرف في مقابلتي معه قبل يوم واحد. فكلاهما يرى أن التعليم العالي مقبل على تحولات جوهرية. لكن ميتكالف ذهب أبعد من ذلك. فهو يعتقد أن الجامعات، بصورتها التقليدية، لن تبقى كما هي.

وقال:

“التعليم العالي يتغير… سواء أرادت الجامعات ذلك أم لا.”

ويرى أن المكانة التي كانت تتمتع بها المؤسسات التعليمية بدأت تنتقل تدريجياً إلى الأفراد، بحيث أصبح الطالب يبحث عن الأستاذ المتميز أكثر مما يبحث عن اسم الجامعة. ثم أطلق توقعاً بدا جريئاً:

“لا أعتقد أن قاعات المحاضرات، ولا حتى الدرجات الجامعية بالشكل الذي نعرفه اليوم، ستستمر طويلا.”

ورغم جرأة هذا الرأي، فإنه لم يكن يقصد اختفاء التعليم، بل تغير شكله. وأشار إلى أن التعليم عن بُعد ليس ابتكاراً جديداً كما يعتقد كثيرون. بل استعاد تجربته الشخصية عندما كان يدرّس عبر شبكات الفيديو في سبعينيات القرن الماضي، سواء في جامعة ستانفورد أو جامعة تكساس. ويقول إن التكنولوجيا كانت موجودة منذ عقود، لكن كثيراً من أعضاء هيئة التدريس آنذاك لم يتحمسوا لها، لأنهم كانوا يفضلون التفاعل المباشر مع طلابهم داخل قاعات الدراسة.

سر التنقل بين المهن

في نهاية اللقاء، تطرق ميتكالف لفلسفته الشخصية في التعلم والتخصص. فقد تنقل ميتكالف خلال حياته بين أدوار متعددة: باحث، ومهندس، ورائد أعمال، ومستثمر، وأستاذ جامعي. وعندما سؤل في أي هذه المراحل وجد نفسه أكثر، ابتسم، ثم أجاب بطريقة بدت وكأنها تلخص فلسفته في الحياة.

وقال:

“أنا أحب أن أغيّر مهنتي كل عشر سنوات.”

وأوضح أنه قضى سنوات في تأسيس وإدارة شركة 3Com، ثم انتقل إلى العمل الأكاديمي، ثم إلى الاستثمار، ثم إلى مجالات أخرى، لأن التنقل، في رأيه، هو أفضل وسيلة للاستمرار في التعلم.

وأضاف:

“التنوع هو نكهة الحياة.”

ثم تحدث عن أحدث مغامراته العلمية. فقد قرر، بعد كل تلك المسيرة، أن يدخل مجالاً جديداً يتعلق بالطاقة الحرارية الجوفية، وأن يطور نموذجاً حسابياً لتحسين أداء الآبار. لكن المشروع قاده إلى اكتشاف أنه يحتاج أولاً إلى تعلم الديناميكا الحرارية، ثم المعادلات التفاضلية، ثم موضوعات أخرى لم يدرسها من قبل. وروى ذلك وهو يضحك، وكأنه طالب جامعي عاد إلى مقاعد الدراسة من جديد.

أكثر ما بقي في الذاكرة

عندما انتهى اللقاء، قال ميتكالف ضاحكاً: “يا لها من أسئلة صعبة تلك التي تطرحها!”

كانت العبارة عابرة، لكنها بقيت عالقة في ذهني. ربما لأنها لخصت طبيعة الحوار الذي حاولت أن أخوضه معه. لم تكن أسئلتي عن الماضي فقط، ولا عن تقنية الإيثرنت وحدها، بل عن القضايا التي تشغل مستقبل الإنترنت: الذكاء الاصطناعي، والجغرافيا السياسية، وحرية الشبكة، والتعليم، وحدود التنظيم.

وخلال الحوار والنقاشات، لم يتردد ميتكالف في الدفاع عن آرائه، حتى عندما كان يعرف أنها ستثير الجدل. قد يختلف معه كثيرون في موقفه من الإنترنت بوصفه حقاً من حقوق الإنسان، أو في رفضه لفكرة الإشراف الدولي على الذكاء الاصطناعي، أو في نظرته إلى المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

لكن ما يصعب الاختلاف عليه هو أمر آخر. فالرجل الذي شارك قبل نصف قرن في تطوير واحدة من أهم تقنيات الشبكات في العالم، لا يزال ينظر إلى المعرفة بالطريقة نفسها التي ينظر بها الباحث الشاب. كلما تعلّم شيئاً جديداً، اكتشف أن أمامه علماً آخر ينبغي أن يتعلمه. وربما كانت هذه، قبل أي اختراع أو جائزة، هي الرسالة الأهم التي خرجت بها من لقائي مع روبرت ميتكالف.ركة هواوي الصينية الاندماج مع شركته السابقة “ثري كوم” لكن الحكومة الأمريكية لم تسمح بهذه الصفقة، وقال “عندما سمعت السبب وراء هذا المنع شعرت بالانزعاج والرعب مما يحدث في الصين”.

شاهد أيضاً

مصلحة الضرائب في صنعاء - نظام النافذة الواحدة

الذكاء الاصطناعي يدخل معركة التهرب الضريبي في اليمن

نجح فريق بحثي من كلية الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات بجامعة صنعاء في تطوير نموذج مقارن لتحليل …