الرئيسية / الأرض و الفضاء / من كوكب الأرض إلى الكوكب الأحمر، ألو… هل تسمعني؟
"Earth and Mars to scale." by Bluedharma is licensed under CC BY-ND 2.0
"Earth and Mars to scale." by Bluedharma is licensed under CC BY-ND 2.0

من كوكب الأرض إلى الكوكب الأحمر، ألو… هل تسمعني؟

بقلم عبدالرحمن أبوطالب

 

هينريتش هيرتز
هينريتش هيرتز

“لا أعتقد أنه سيكون للموجات اللاسلكية التي اكتشفتها أي تطبيق عملي” بهذه الكلمات اليائسة علق العالم الفيزيائي الألماني هينريتش هيرتز على  تجربته العملية التي أجراها في خريف عام ١٨٨٦ واستطاع من خلالها توليد ورصد و اكتشاف الموجات الكهرومغناطيسية. 

لم يكن هيرتز متحمسا لنتائج البحث العلمي الذي أجراه ولا مهتما بما اكتشفه، لدرجة أنه حين سؤل من قبل طلابه عن الفائدة المرجوة من هذه التجربة أجاب ” لا فائدة منها. هي مجرد تجربة تثبت أن السيد ماكسويل كان على حق. لدينا فقط هذه الموجات الكهرومغناطيسية الغامضة التي لا يمكننا رؤيتها بالعين المجردة، لكنها موجودة.” لم يدرك هيرتز يومها أن تجربته المنزلية البسيطة هذه ستغير العالم. فبعد أن تمكن هيرتز من توليد وإنتاج الموجات الكهرومغناطيسية استطاع العلماء تطويرها وتسخيرها للكثير من الاستخدامات التكنولوجية المبهرة مثل الراديو والتلفزيون والرادار والهاتف المحمول وغيرها من الاستخدامات الصناعية و الطبية والعسكرية، بالإضافة إلى تسخيرها في استكشاف الفضاء وتكنولوجيا الاتصال والتراسل بين الأرض والأقمار الصناعية ورواد الفضاء، والمركبات الفضائية المتحركة التي يرسلها الإنسان إلى الكواكب الأخرى، فكل هذه الاتصالات تتم بواسطة الموجات الكهرومغناطيسية.

الفيزيائي ماكسويل
الفيزيائي ماكسويل

وتعود بداية هذه القصة الغريبة والمدهشة إلى الفيزيائي الأسكتلندي جيمس كليرك ماكسويل، الذي طوَّر، في سلسلة من الدراسات العلمية أواخر القرن السابع عشر، نظريةً مُوَّحدةً تربط بين الطاقة الكهربائية والطاقة المغناطيسية – حيث كان السائد وقتها أنهما طاقتان منفصلتان – عرفت بالنظرية الكهرومغناطيسية، تنبَّأ فيها بوجود الموجات في مجال كهرومغناطيسي واسع.

 

لذلك، عندما تشاهد الصور عالية الجودة أو مقاطع الفيديو أو التسجيلات الصوتية التي التقطتها مركبة ناسا ‘برسيفيرنس’ |Perseverance| والتي حطت على سطح كوكب المريخ في الثامن عشر من شهر فبراير هذا العام، تذكر حينها دور هيرتز وماكسويل وراء هذا الإنجاز العلمي الكبير، وتأمل كيف يمكن أن تدهشنا النتائج بعد اليأس منها، وتأتي المفاجأة مخالفةً للتوقع بعد أكثر من قرنين من الزمن!

 

ولكن، لابد أنك الآن تتساءل ماهي الموجات الكهرومغناطيسية؟ وكيف يتم استخدامها لنرى صورا حية من كوكب يبعد عنا مئات الملايين من الأميال؟! 

حسنا، قبل الإجابة والخوض في الموجات الكهرومغناطيسية دعنا نتحدث باقتضاب عن الموجات الكلاسيكية أو ما تسمى بالموجات الديناميكية، وهي موجات تحتاج إلى وسط ما لتنتقل من خلاله، كالصوت الذي ينتقل في موجات عبر الهواء ليصل إلى أذنيك أو الأمواج التي  تمخر عباب المحيطات أو تلك الموجات التي تنتقل مبتعدة في شكل حلقات دائرية حول حجر ألقيته في بركة ماء ساكنة.

كذلك هي الموجات المغناطيسية، أو الإشعاع الكهرومغناطيسي، بيد أن هذه الأخيرة لا تحتاج لوسط حامل ويمكنها الانتقال في الفراغ. وبحسب دراسة ماكسويل، تعد الموجات الكهرومغناطيسية أحد أشكال الطاقة التي تصدره وتمتصه الجسيمات المشحونة، والتي تظهر سلوكا مشابها للموجات الديناميكية في سفرها خلال الفضاء.  للإشعاع الكهرومغناطيسي حقل كهربائي وآخر مغناطيسي، متساويان في الشدة، و يتذبذب كل منها في طور متعامد على الآخر وكلاهما معامد لاتجاه انتشار موجة الطاقة، ولكل موجة كهرومغناطيسية تردد موجي معين يمثل عدد الموجات التي تمر بنقطة ما فى الثانية الواحدة ويقاس بوحدة الهيرتز تكريما لمكتشفها، وطول موجي هو المسافة بين قمتين متتاليتين للموجة و يقاس بالقياس المتري المعروف، كما وتنتشر الموجة الكهرومغناطيسية في الفراغ بسرعة تقارب سرعة الضوء.  

 طيف من الطاقة يموج في الفضاء.

الطيف الكهرومغناطيسي “Electromagnetic spectrum” by Allen Gathman is licensed under CC BY-NC-SA 2.0

 

تندرج جميع الترددات الممكنة للموجات الكهرومغناطيسية ضمن مايسمى إصطلاحا بالطيف الكهرومغناطيسي |Spectrum| الذي ينقسم إلى سبعة أصناف حسب جامعة فينا هي; الضوء المرئي، وهو الضوء الذي تستطيع العين البشرية إدراكه ورؤيته ولا يمثل إلا جزءا ضئيلا جدا من الطيف الكهرومغناطيسي. الموجات الصغرية (أو الميكروويف)، والتي تستخدم في الرادارات وفي فرن الميكروويف وفي الهاتف المحمول والبث التلفزيوني. الأشعة تحت الحمراء، وتستخدم في أجهزة قياس الحرارة عن بعد – كتلك التي شاهدناها جميعا أثناء جائحة كورونا – وفي تقنيات الكاميرات والنواظير الليلية. الأشعة السينية، التي يمكن بها تصوير العظام في جسم الإنسان وتستخدم بشكل كبير ومتعدد في قطاع تكنولوجيا الطب والرعاية الصحية. الأشعة فوق البنفسجية، وتستخدم بشكل واسع في تعقيم المياه والأدوات الطبية، وكذا في تقنيات الفحص الجنائي والأمني. أشعة غاما، وتستخدم في قتل الخلايا السرطانية وفحص أمتعة الركاب في المطارات وغيرها من الاستخدامات الطبية والصناعية.

وسابع هذه الموجات – وبطل قصتنا – هي موجات الراديو |Radio Waves| (أو الموجات الراديوية) التي تنقسم بحسب ناسا إلى ثمان حزم ابتداء من الترددات فائقة الانخفاض VLF كتلك التي ينتجها البرق، بحسب جامعة ستانفورد، وانتهاء بحزمة الترددات فائقة العلو EHF التي تستخدمها الرادارات وهوائيات أطباق الأقمار الصناعية. تجوب موجات الراديو الفضاء وتنتشر الانبعاثات الراديوية في نظامنا الشمسي حيث يمكن للأجسام الفلكية التي لها مجال مغناطيسي متغير أن تنتج موجات راديو مختلفة، وقد رصد القمر الصناعي |Wind Spacecraft| التابع لوكالة أبحاث الفضاء الأمريكية ناسا الذي يدور حول الأرض تدفقات الموجات الراديوية المنبعثة من هالة الشمس والكواكب في نظامنا الشمسي بما في ذلك الانفجارات الراديوية من الشمس والأرض وحتى من الغلاف الأيوني لكوكب المشتري. 

يحجب غلافنا الجوي الكثير من الموجات الكهرومغناطيسية ذات التردد العالي والطول الموجي القصير التي تجوب الفضاء أو تنبعث من الشمس والتي قد تضر بالإنسان كأشعة غاما والأشعة السينية وفوق البنفسجية ولكنه يسمح بنفاذ جزء كبير من موجات الراديو ذات الطول الموجي الكبير وهو ما مكن الإنسان من النظر للفضاء، وسماعه، والتحدث معه بلغة الموجات الكهرومغناطيسية. ولهذا الغرض، بنى العلماء تلسكوبات راديوية لرصد الموجات الراديوية القادمة من الفضاء. تنظر هذه التلسكوبات نحو السماء لترى الكواكب والمذنبات وسحب الغاز والغبار العملاقة والنجوم والمجرات. ومن خلال رصد ودراسة الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من هذه المصادر، يمكن لعلماء الفلك اكتشاف عوالم جديدة والتعرف على تكوينها وبنيتها وحركتها. وتتمتع الموجات الراديوية بميزة أن ضوء الشمس والغيوم والأمطار لا تؤثر على رصدها والتقاطها.

شبكة اتصالات عابرة للأجرام.

انضمت المركبة الفضائية برسيفيرنس إلى أختيها المركبتين ‘كيوريوسيتي‘ و ‘إنسايت المتواجدتين حاليا على سطح المريخ وتقوم هذه العربات الفضائية المتحركة بإرسال المعلومات إلى الأرض عبر شبكة اتصالات فضائية متطورة تشمل أقمارا صناعية تدور حول كوكب المريخ وأطباق استقبال عملاقة على كوكب الأرض.

الأقمار الصناعية الخمسة التي تدور حول المريخ - المصدر: ناسا
الأقمار الصناعية الخمس التي تدور حول المريخ – المصدر: ناسا

 

وتتكون شبكة الاتصالات المدارية حول المريخ |Mars Relay Network| من خمسة أقمار صناعية، تابعة لوكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبي،  تدور حول كوكب المريخ في نظام متناسق يسمح بتغطية كامل الكوكب وتقوم هذه الأقمار الصناعية المدارية الخمس بأداء مجموعة متنوعة من أنشطة الاختبار والتدريب لضمان أن إرسال البيانات من المركبة الفضائية على سطح المريخ يسير بسلاسة. وأثناء دوران الأقمار الصناعية حول المريخ، يمكنها “التحدث” إلى المركبة الجوالة عندما تحلق فوقها وتنقل الرسائل والبيانات إلى الأرض.

وفي الأرض، يستقبل فريق المهندسين والباحثين هذه البيانات عبر شبكة الفضاء العميق |Deep Space Network|  وهي شبكة مكونة من ثلاثة مجمعات تحوي هوائيات أطباق عملاقة موزعة على مسافات تبعد عن بعضها بمقدار ١٢٠ درجة تقريبًا حول كوكب الأرض في كل من جولدستون بكاليفورنيا ؛ بالقرب من مدريد إسبانيا ؛ وبالقرب من كانبرا بأستراليا. يسمح هذا التموضع الاستراتيجي بتوفير تغطية اتصال ثابت لأي مركبة فضائية بعيدة حتى عندما تدور الأرض حول محورها.

كيف تتواصل المركبة ‘برسيفيرنس’ مع الأرض من المريخ؟

المركبة الفضائية "برسيفيرنس" - المصدر: ناسا
المركبة الفضائية “برسيفيرنس” – المصدر: ناسا

 

تحتوي مركبة ‘برسيفيرنس’ على ثلاثة هوائيات اتصال مثبتة على ظهرها تعمل بمثابة “صوتها” و “آذانها”. وهذه الهوائيات الموجودة على ظهر المركبة هي: هوائي فائق التردد |Ultra-High Frequency Antenna| بتردد ٤٠٠ ميغاهيرتز وسرعة نقل بيانات بمعدل ٢ ميغابت في الثانية (2Mbps)، ويستخدم للتواصل مباشرة مع الأقمار الصناعية التي تدور حول المريخ نظرا لقربها من المركبة مقارنة بالاتصالات بعيدة المدى مع الأرض، ثم يتم إرسال هذه البيانات من هذه المدارات حول المريخ لتلتقطها هوائيات شبكة الفضاء العميق |DSN| على الأرض في زمن قد يستغرق من ٥ إلى ٢٠ دقيقة بحسب قرب موقع الكوكبان من بعضهما أثناء دورانهما معا حول الشمس.

الهوائي الثاني |The X-Band High-Gain Antenna| قابل للتوجيه حتى يتمكن من توجيه حزمة الراديو الخاصة به في اتجاه معين حتى لا تضطر المركبة بأكملها إلى تغيير موضعها للتحدث إلى الأرض التي تتحرك دائمًا في سماء المريخ – تماما مثل لي رقبتك للتحدث إلى شخص بجانبك بدلاً من قلب جسدك بالكامل – ويستخدم هذا الهوائي للتواصل مباشرة مع الأرض بتردد ٨ غيغاهرتز ومعدل نقل بيانات لايتجاوز ٣ كيلوبت في الثانية (3Kbps). أما ثالث هذه الهوائيات |The X-Band Low-Gain Antenna| فيستخدم بشكل أساسي لاستقبال الإشارات من شبكة الفضاء العميق |DSN| على الأرض بسرعة ١٠ بيت في الثانية.

"Earth or Mars?" by Astro_Alex is licensed under CC BY-NC-SA 2.0
“by Astro_Alex is licensed under CC BY-NC-SA 2.0

ليست المركبة الفضائية ‘برسيفيرنس’ إلا حلقة في سلسلة من المهام الطموحة بدأت منذ مطلع ستينيات القرن المنصرم في سبيل سبر أغوار وفك أسرار “الكوكب الأحمر” – كما تحب ناسا أن تسميه – لمعرفة ما إذا كان بالإمكان للإنسان أن يعيش فيه مستقبلاً، ولهذا تتنافس وتتشارك جهود الكثير من الدول والوكالات في سبيل الإجابة على هذا السؤال من خلال إرسال هذه البعثات الاستكشافية والبحثية إلى كوكب المريخ تمهيدا لتحقيق هذا الحلم.

ألبيرت آينشتاين
ألبيرت آينشتاين

دعنا نفترض أن الإنسان استطاع في النهاية الانتقال واستيطان هذا الكوكب الجار، فهل سيكون بمقدورك حينها إجراء مكالمة هاتفية، أو عبر الفيديو، مع صديق لك يسكن هناك وأنت تجلس على أريكة منزلك، هنا، على سطح هذا الكوكب الأزرق؟ يجيب العالم الفيزيائي ألبرت آينشتاين في دراسته النظرية حول النسبية الخاصة – التي قوض فيها بعض ثوابت إسحق نيوتن في الفيزياء – بأن ذلك غير ممكن على الإطلاق لأنه لا يوجد شيء في الكون يمكنه تجاوز سرعة الضوء. وبالنظر إلى أن الموجات الكهرومغناطيسية التي تسافر بسرعة الضوء قد تأخذ ٢٠ دقيقة لإيصال صوتك إلى صديقك على الطرف الأخر من السماعة في المريخ، فلن تكون هناك بطبيعة الحال محادثات آنية مع ساكني هذا الكوكب.

ولكن من يدري؟! لا يعدم العلم حيلة في مفاجأتنا دوما بكسر بعض الثوابت التي سادت كحقائق لا تقبل الجدل مدة من الزمن. فكما غادر آينشتاين عالمنا وهو يؤمن “قاطعا” بأن سرعة الضوء ثابتة في الكون كله، غادر قبله نيوتن وهو أيضاً يجزم “خاطئا” بأن الزمن ثابت في الكون كله. وبين أينشتاين ونيوتن، مات هيرتز في ريعان شبابه وهو يعتقد ألا أهمية أو فائدة من اكتشافه وأبحاثه العلمية حول الموجات الكهرومغناطيسية.
 

* ھذا التقریر نشر كجزء من مشاركة الكاتب فى ورشة الصحافة العلمیة ومن خلال مشروع “الصحافة والعلوم في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا”، و َّ ھو أحد مشروعات معھد جوتة الممولة من قبل وزارة الخارجیة الألمانیة.

 

شاهد أيضاً

Earth, Coronavirus, Covid-19, World, Hygiene, Pandemic

فيروس كورونا (كوفيد-19) علامة لمشكلة أكبر هي إعتلال صحة كوكبنا.

بقلم : إنجر أنديرسن و جون روكستروم يمن ساينس | ترجمة خاصة: فوزي المنتصر   …