الرئيسية / العلوم و التكنواوجيا / في عصر الذكاء الاصطناعي: المهارة وحدها لا تكفي
AIskills

في عصر الذكاء الاصطناعي: المهارة وحدها لا تكفي

بقلم: نبيل بنعمرو *
بقلم: نبيل بنعمرو *

لعل من أكثر المواضيع والتساؤلات والهواجس التي يطرحها الذكاء الاصطناعي اليوم على جميع المتتبعين هو سؤال مستقبل العمل والوظيفة، في ظل اكتساح الذكاء الاصطناعي لكل المجالات، ومزاحمته للعامل البشري في أغلب الميادين والوظائف.

من منا لم يطرح على نفسه السؤال المقلق والمحير: هل لعملي أو وظيفتي من معنى في ظل الذكاء الاصطناعي؟ ما هي القيمة المضافة لعملي إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقوم بالعمل نفسه وربما بجودة أكبر؟ ألا أخشى أن يُستغنى عني ويتم تعويضي ببرنامج ذكي؟ لم يعد يخفى على أي أحد أن الكثير من الوظائف اختفت، أو هي في طريقها للاختفاء بشكلها القديم، الذي يعتمد أساسا على الإنسان، وتعويضها بشكل جديد يعتمد بشكل شبه كلي على الذكاء الاصطناعي. فأي عمل يمكن «أتمتته» (Automation) ستعوض فيه الآلة العامل البشري إلى أقصى حد ممكن.

أسوق مثالا بسيطا لتقريب الصورة. لتصميم موقع ويب كنا دائما نحتاج إلى فريق عمل بتخصصات وخبرات مختلفة، لكن متكاملة في مجال الويب والبرمجة. وقد تستغرق مرحلة التصميم أسابيع من العمل والتنسيق، الآن نحتاج فقط لشخص واحد بخبرة محترمة في مجال الذكاء الاصطناعي للقيام بالمهمة نفسها، أي تصميم موقع أو مواقع ويب في فترة وجيزة وبتكلفة أقل وغالبا بجودة أكبر. في السياق نفسه ومع الانتشار الواسع للتطبيقات والمنصات الذكية التي تُمَكن المستعمل من تصميم مواقع ويب تلبي حاجياته، وتفي بالغرض، ومن دون معرفة مسبقة بتقنيات برمجة وتطوير وتصميم مواقع الويب، أصبح العديد من العملاء الذين كانوا يحتاجون في السابق إلى مُصمّم لمواقع بسيطة في غنى عن هذه الخدمة!

لكن ما هي الإمكانيات التي يتيحها حاليا الذكاء الاصطناعي في مجال سوق الشغل؟ هل الصورة فعلا قاتمة إلى هذا الحد؟ أم أننا نبالغ في وصف المشهد؟ أليست هناك دائما إيجابيات ونَقَلات تُصاحب كل تطور تقني، أو ثورة صناعية، مثل التي نعيشها الآن؟ ألا يعيد الآن الذكاء الاصطناعي تعريف وتصميم العديد من الوظائف، بدل إلغائها؟

خلال ملتقى دافوس الأخير، استضافت إحدى الورشات أندرو إنجي أحد أكبر الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي، للحديث عن مستقبل العمل في ظل اجتياح الذكاء الاصطناعي لكل المجالات. أندرو إنجي هو مصمم المنصة الرقمية «كورسيرا» التي تتيح دورات تكوينية رائدة في العديد من التخصصات، وله العديد من الدروس والدورات في مجالات الذكاء الاصطناعي التي صممها بنفسه، ويقوم بشرحها من خلال المنصة ذاتها. يقول أندرو إنجي، إنه إذا قمنا بتجزيء جل الوظائف الحالية على شكل مهمات ومهارات صغيرة ومركزة، سنلاحظ أن الذكاء الاصطناعي باستطاعته أن يقوم بـ30% إلى 40% من هذه المهمات ما يدفعنا إلى أن نبقى متفائلين، بأنه ما زال العامل البشري بإمكانه القيام بـ60% إلى 70% من العمل. ويضيف، أن الشخص الذي يوظف الذكاء الاصطناعي حاليا في عمله سيكون أكثر إنتاجية من ذلك الذي لا يريد أن يقربه، وأن يستفيد منه في عمله. لكنه لا يخفي مخاوفه من أن بعض الوظائف هي فعلا مهددة باستبدال العامل البشري بالآلة الذكية. وظائف مثل الترجمة الآنية، والتمثيل والتعليق الصوتي ومستخدمي مراكز الاتصال الى غيرها من الوظائف المشابهة.

في مجال التكنولوجيا، ما يلاحظه أندرو إنجي، وغيره من الخبراء هو، أن الذكاء الاصطناعي يعيد تقسيم الوظائف المطلوبة في يومنا هذا إلى مستويين بارزين، إلى مهندسين ذوي خبرات عالية في علوم الحاسوب وغيره، وفي الجانب الآخر هناك خبراء متخصصون في الذكاء الاصطناعي، الذين يتقاضون رواتب مجزية وتكثر عليهم عروض الشغل. في حين يواجه المبتدئون وذوو الخبرات المتوسطة منافسة أشرس. الذكاء الاصطناعي يعيد إذن تعريف المهارات المطلوبة الآن وفي وقتنا هذا. لكن ألم يكن هذا حال العالم إبان كل ثورة صناعية؟ ألم تختف وظائف وظهرت أخرى؟

يقول لورنس موروني، خبير آخر في مجال الذكاء الاصطناعي، إنه خلال التجربة التي راكمها لأزيد من 30 عاما قضاها في كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، إنه كلما ظهرت تقنيات جديدة إلا وتتصدر عناوين الأخبار تحذيرات من قبيل «نهاية العمل»، «موت الوظيفة».. ثم تهدأ الأمور وندرك أن الوظائف لم تختف بل تغيرت! ويضيف موروني، أن أولئك الذين تكيفوا مع الوضع الجديد ازدهروا، أما أولئك الذين انتظروا عودة العالم القديم فلم يفلحوا! يركز موروني في إحدى محاضراته في جامعة «ستانفورد» العريقة والرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم، على مفهوم الذكاء الاصطناعي المسؤول (Responsible AI) وكيف أن هذا الاختصاص من أهم الخبرات المطلوبة الآن في الوظائف التي تستثمر الذكاء الاصطناعي.

يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي المسؤول على أنه تصميم وتطوير ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية وقانونية شفافة ومتوافقة مع القيم الإنسانية مما يضمن العدالة والمساءلة والسلامة. فمثلا إذا طلبت من إحدى منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي ان تُوَلِّد لي صورة لرجل مغربي أو لامرأة مغربية فالنتيجة غالبا ستكون لرجل بجلباب مغربي، أو لامرأة بلباس تقليدي، جلباب أو ما شابه! يعني تكريس لصورة نمطية مفادها أن الإنسان المغربي يُعَرَّف من خلال هندامهِ الذي هو الجلباب! مثال آخر، إذا طلبت من المنصة توليد صورة لشخص مسلم ستكون النتيجة صورة لرجل بلحية بارزة! هذه النتائج المحصلة تكرس مفهوم «التحيز» في الذكاء الاصطناعي. وهو عندما يُعامل نظام الذكاء الإصطناعي بعض الأشخاص أو الجماعات بشكل غير عادل، بسبب بيانات أو افتراضات أو تصميم مَعيب! في حالات كهذه عندما تقوم المنصة الذكية بتوليد صور نمطية خاطئة أو عنصرية، لن يمكن إنقاذ الموقف وتصحيح الخطأ قبل فوات الأوان إلا بتدخل العامل البشري – مستخدما أو موظفا – لحماية سمعة الشركة التي تستعمل هذا الذكاء وسلامتها المادية. فسوق الشغل يحتاج حاليا لخبراء ومستشارين موثوقين قادرين على توقع «الكوارث الموثقة»، ومنعها قبل أن يتم استعمالها من طرف العملاء. تظهر هنا مرة أخرى أهمية العنصر البشري، الذي لا تعوضه الآلة أو الخوارزميات حيث هو الذي بإمكانه توجيه وتصحيح هذه البرمجيات والمنصات، ويصبح أكثر قيمة لأصحاب العمل الذين يحتاجون إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي من دون الإضرار بسمعتهم، وبالتالي بأرباحهم ووجودهم في سوق المنافسة.

إن أرباب العمل في الشركات والمؤسسات التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي يبحثون حاليا – أو يجب عليهم ذلك – عن كفاءات تتمتع بقدر عال من النضج ومن المسؤولية، ولا يقتصر تميزها فقط على مهارات البرمجة التقنية. الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بقدر ما يعيد تصميمها وتحديد أولوياتها، مبرزا الحاجة الماسة إلى مهارات إنسانية أعمق إلى جانب الكفاءة التقنية. فالمستقبل لن يكون للأكثر معرفة بالتقنية فقط، بل للأكثر وعيًا بكيفية استخدامها.

 

 *  كاتب مغربي – أستاذ علوم الحاسوب بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس وجامعة الأخوين بإفران

شاهد أيضاً

pixnio-800

نهج جديد لحماية الأطفال على الإنترنت بديلا عن الحظر الذي قد يأتي بنتائج عكسية

توصلت دراسة علمية حديثة إلى أن السياسات التي تعتمد على تقييد وصول الأطفال إلى التكنولوجيا …