كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وجامعة فيرجينيا وجامعة هارفارد أن العمل عن بُعد قد يحمل آثارًا نفسية واجتماعية أعمق مما كان يُعتقد سابقًا، إذ يرتبط بزيادة العزلة الاجتماعية وتفاقم مؤشرات الضيق النفسي، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم. واعتمدت الدراسة على بيانات شملت أكثر من نصف مليون عامل في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و 2024.
العمل عن بُعد.. ثورة مهنية لها ثمن خفي
منذ جائحة كوفيد-19 شهد العالم تحولًا جذريًا في أنماط العمل، إذ ارتفعت نسبة العاملين عن بُعد في الولايات المتحدة من نحو 7% قبل الجائحة إلى ما يقارب 28% بعد سنوات قليلة. وبينما ركزت دراسات عديدة على تأثير هذا التحول في الإنتاجية والمرونة الوظيفية، سعت الدراسة الجديدة إلى الإجابة عن سؤال مختلف: ماذا يفعل العمل عن بُعد بصحة الإنسان النفسية وعلاقاته الاجتماعية؟
واعتمد الباحثون على مقارنة العاملين في وظائف يمكن إنجازها عن بُعد، مثل البرمجة والتسويق، مع عاملين في وظائف تتطلب الحضور الميداني، مثل التمريض والهندسة الميكانيكية، بهدف قياس التأثيرات طويلة المدى للعمل من المنزل بعيدًا عن التفضيلات الشخصية للأفراد.
ساعة إضافية من العزلة يوميًا
أظهرت النتائج أن العاملين في الوظائف القابلة للعمل عن بُعد أصبحوا يقضون وقتًا أطول بمفردهم مقارنة بالعاملين في الوظائف غير القابلة للعمل عن بُعد. وبعد الجائحة، ارتفع الوقت الذي يقضيه هؤلاء بمفردهم بنحو ساعة إضافية يوميًا في المتوسط، كما ازدادت احتمالات قضاء اليوم بأكمله دون تفاعل اجتماعي أو دون أي احتكاك بشري مباشر.
ولم يقتصر الأمر على ساعات العمل، إذ لم يُظهر المشاركون زيادة تعويضية في الأنشطة الاجتماعية خارج أوقات الدوام، بل سجلت الدراسة تراجعًا في اللقاءات الاجتماعية مع الأصدقاء بعد انتهاء العمل، ما يعني أن العزلة المهنية امتدت إلى الحياة اليومية بشكل أوسع.
من يعيشون وحدهم هم الأكثر تضررًا
برزت الفوارق بشكل أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم. فقد ارتفعت احتمالية قضاء يوم كامل دون أي تواصل اجتماعي لديهم بنسبة كبيرة مقارنة بمن يعيشون مع أسرهم أو شركائهم. وتشير البيانات إلى أن ما يقرب من نصف أيام العمل من المنزل لدى هذه الفئة كانت تُقضى بالكامل في عزلة تامة.
ويرى الباحثون أن وجود أفراد الأسرة داخل المنزل يخفف جزئيًا من آثار العزلة المرتبطة بالعمل عن بُعد، بينما يواجه من يعيشون بمفردهم خطرًا أكبر لفقدان التفاعلات الاجتماعية اليومية التي كانت توفرها بيئة العمل التقليدية.
تدهور ملحوظ في الصحة النفسية
بالتوازي مع ازدياد العزلة، سجلت الدراسة ارتفاعًا في مستويات الضيق النفسي باستخدام مقياس “كيسلر” للصحة النفسية (Kessler K-6)، وهو أداة معتمدة لقياس أعراض التوتر والقلق والاكتئاب. وأظهرت النتائج أن العاملين في الوظائف القابلة للعمل عن بُعد شهدوا زيادة أكبر في مؤشرات الضيق النفسي مقارنة بالعاملين في الوظائف الأخرى.
كما رصد الباحثون زيادة في معدلات الشعور بالحزن والاكتئاب، وارتفاعًا في استخدام خدمات الرعاية النفسية والأدوية الموصوفة لعلاج القلق والاكتئاب. والأهم أن هذه الزيادة لم تترافق مع ارتفاع مماثل في الزيارات الطبية غير المرتبطة بالصحة النفسية، ما يعزز فرضية أن المشكلة مرتبطة بالفعل بتدهور الصحة النفسية وليس فقط بسهولة الوصول إلى الخدمات الطبية أثناء العمل من المنزل.
نحو ثلث الزيادة الوطنية في الضيق النفسي
تشير تقديرات الباحثين إلى أن انتشار العمل عن بُعد قد يفسر نحو ثلث الزيادة العامة التي شهدتها الولايات المتحدة في مستويات الضيق النفسي خلال السنوات الأخيرة. وبحسب الدراسة، فإن التحول نحو العمل من المنزل لم يكن العامل الوحيد وراء هذا التدهور، لكنه يمثل مساهمة كبيرة ومؤثرة ضمن مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية الأخرى.
لماذا تهم هذه النتائج؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها تسلط الضوء على جانب غالبًا ما يغيب عن النقاشات المتعلقة بالعمل عن بُعد. فبينما يقدّر كثير من الموظفين المرونة التي يوفرها العمل من المنزل، تشير النتائج إلى أن الأفراد قد لا يدركون بالكامل التكاليف النفسية التي يمكن أن تتراكم ببطء مع مرور الوقت نتيجة انخفاض التواصل الاجتماعي اليومي.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآثار أصبح ضروريًا لكل من الموظفين وأصحاب العمل وصناع السياسات عند تصميم نماذج العمل المستقبلية، خصوصًا مع استمرار انتشار أنظمة العمل الهجين والعمل عن بُعد في العديد من القطاعات.
محددات الدراسة
رغم قوة الدراسة واعتمادها على عينات وطنية واسعة، فإن الباحثين يشيرون إلى أن نتائجهم تعتمد على مقارنة مجموعات مهنية مختلفة تأثرت بدرجات متفاوتة بالتحول إلى العمل عن بُعد، وليس على تتبع انتقال جميع الأفراد بشكل مباشر من العمل المكتبي الكامل إلى العمل المنزلي الكامل. كما أن الدراسة تركز على الولايات المتحدة، ما يعني أن حجم التأثير قد يختلف في دول وثقافات أخرى تختلف فيها أنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية.
وتضيف النتائج بعدًا جديدًا إلى النقاش العالمي حول مستقبل العمل، إذ توحي بأن المكاتب ليست مجرد أماكن للإنتاج، بل قد تؤدي أيضًا دورًا اجتماعيًا مهمًا في حماية الصحة النفسية وتعزيز شعور الأفراد بالانتماء والتواصل مع الآخرين.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
