في خطوة علمية قد تغيّر مستقبل علاج اضطراب طيف التوحد، كشفت دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة تورونتو ومستشفى الأطفال المرضى في كندا عن إمكانية تقليل السلوكيات المؤذية للذات عبر تحفيز كهربائي دقيق داخل الدماغ. الدراسة، التي اعتمدت على تجارب مخبرية وسريرية متكاملة، تقدم دليلًا متزايدًا على أن تعديل نشاط دوائر عصبية محددة يمكن أن يخفف من أكثر أعراض التوحد خطورة وتعقيدًا.
تتمحور هذه الأبحاث حول منطقة تُعرف بـ”النواة المتكئة”، وهي جزء أساسي من نظام المكافأة والتحفيز في الدماغ. عبر تقنية تُسمى التحفيز الدماغي العميق، قام العلماء بإرسال نبضات كهربائية منتظمة إلى هذه المنطقة بهدف إعادة تنظيم نشاطها. وقد أظهرت النتائج أن هذا التدخل لم يكن مجرد تأثير مؤقت، بل ارتبط بتغيرات واضحة في سلوك الأفراد وبنية الدماغ على حد سواء.
في النماذج الحيوانية، تحديدًا الفئران التي تحاكي بعض خصائص التوحد، أدى التحفيز إلى انخفاض ملحوظ في سلوكيات متكررة ومؤذية مثل الحكّ المفرط الذي يؤدي إلى إصابات جسدية. كما أظهرت صور الدماغ تغيّرات هيكلية في مناطق مرتبطة بالحركة والعاطفة، ما يشير إلى حدوث إعادة تشكيل عصبي نتيجة هذا التدخل.
أما على المستوى البشري، فقد شملت الدراسة تجربة سريرية أولية على ستة أطفال يعانون من حالات شديدة من إيذاء الذات لا تستجيب للعلاج التقليدي. وبعد عام واحد من التحفيز الدماغي، سجل خمسة من المشاركين تحسنًا ملحوظًا، حيث انخفضت السلوكيات المؤذية بنسبة تقارب 44%، بالتوازي مع تحسن كبير في جودة حياتهم اليومية.
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تسلط الضوء على دور شبكة عصبية معقدة تُعرف بالدائرة الجبهية-الحوفية-المخططية، وهي المسؤولة عن التحكم في السلوك والانفعالات. وتشير الدراسة إلى أن الخلل في هذه الشبكة قد يكون السبب الرئيسي وراء السلوكيات المتكررة والمؤذية في التوحد، وأن استهدافها مباشرة يمكن أن يحقق تأثيرًا علاجيًا ملموسًا.
ويُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة، خاصة أن نسبة من المرضى، تُقدّر بما بين 20 إلى 25%، لا تستجيب للعلاجات السلوكية أو البيئية، ما يجعل البحث عن حلول بيولوجية ضرورة ملحة.
ورغم هذه النتائج الواعدة، يحذر الباحثون من التسرع في تعميم العلاج، إذ لا تزال الدراسة في مراحلها المبكرة، خاصة أن التجربة السريرية شملت عددًا محدودًا من المشاركين. كما أن هذا النوع من العلاج يتطلب تدخلاً جراحيًا دقيقًا، ما يجعله خيارًا مخصصًا للحالات الأكثر شدة في الوقت الحالي.
مع ذلك، يرى الفريق العلمي أن هذه النتائج تمثل أساسًا قويًا لتطوير علاجات مستقبلية تعتمد على فهم أعمق لدوائر الدماغ، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع الأعراض. ويجري حاليًا العمل على تجارب أوسع لتأكيد الفعالية وتحديد أفضل الطرق لتطبيق هذا النهج العلاجي.
في المحصلة، لا يقدّم هذا البحث مجرد أمل جديد، بل يضع إطارًا علميًا لفهم كيف يمكن للدماغ نفسه أن يكون مفتاح علاج أحد أكثر الاضطرابات تعقيدًا في عصرنا.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
