أظهرت دراسة علمية جديدة أجراها باحثان من قسم علوم الأرض بكلية البترول والموارد الطبيعية في جامعة صنعاء أن الصخور البازلتية المكسرة المستخرجة من موقع الدار البيضاء جنوب العاصمة صنعاء تمتلك خصائص هندسية متميزة تجعلها مصدرًا عالي الجودة لإنتاج الخرسانة الإنشائية المتينة، في خطوة قد تسهم في تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية وتطوير قطاع البناء في اليمن.
وقاد الدراسة الباحثان أحمد محمد الآنوه وإبراهيم عبد الله الأكحلي، حيث عملا على إجراء أول تقييم هندسي منهجي لهذا الموقع ذي الأهمية الاقتصادية جنوب صنعاء، بهدف تحديد مدى ملاءمة الصخور البازلتية المنتجة فيه لاستخدامها كركام خشن في صناعة الخرسانة. واعتمدت الدراسة على سلسلة واسعة من الاختبارات الكيميائية والفيزيائية والميكانيكية، إضافة إلى تقييم أداء الخرسانة المنتجة باستخدام هذا النوع من الركام.
نتائج تؤكد جودة استثنائية
كشفت النتائج أن الركام البازلتي يتمتع بمستويات عالية من القوة والمتانة وانخفاض المسامية، وهي صفات أساسية في مواد البناء عالية الجودة. وأظهرت الاختبارات انخفاض قيم التآكل والصدمات وامتصاص الماء، ما يشير إلى قدرة الصخور على مقاومة العوامل البيئية والأحمال الميكانيكية لفترات طويلة دون تدهور ملحوظ. كما أظهرت جميع القياسات توافقًا مع المعايير الدولية المعتمدة في تقييم مواد البناء.
ويرى الباحثون أن هذه الخصائص ترتبط مباشرة بالطبيعة الجيولوجية للبازلت في المنطقة، إذ يتميز بنسيج بلوري متماسك وحبيبات دقيقة وبنية منخفضة المسامية، إضافة إلى غياب مؤشرات التجوية أو التحلل الكيميائي، وهي عوامل تعزز من قوته ومقاومته للتشقق والتفتت.
خرسانة تتجاوز متطلبات الاستخدام الإنشائي
ولم تقتصر الدراسة على تقييم الصخور نفسها، بل اختبرت أداء الخرسانة المصنوعة منها. وأظهرت النتائج أن مقاومة الضغط بلغت 38.4 ميغاباسكال بعد 28 يومًا من المعالجة، ثم ارتفعت إلى 45.9 ميغاباسكال بعد 180 يومًا، وهو ما يعكس استمرار تطور القوة الميكانيكية للخرسانة مع الزمن نتيجة عمليات الإماهة داخل الأسمنت.
كما تراوح معامل المرونة – وهو مؤشر مهم على صلابة الخرسانة وقدرتها على مقاومة التشوه – بين نحو 31.95 و32.94 غيغاباسكال، وهي قيم تدعم إمكانية استخدام هذه الخرسانة في التطبيقات الإنشائية التي تتطلب مستويات مرتفعة من الثبات والمتانة.
أهمية اقتصادية وتنموية
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل التوسع العمراني المتسارع في صنعاء والمناطق المجاورة، وما يرافقه من طلب متزايد على مواد بناء موثوقة. وتشير الدراسة إلى أن الاحتياطيات البازلتية في جنوب صنعاء كبيرة، وأن العديد من الكسارات العاملة في المنطقة تعتمد بالفعل على هذه الصخور في تزويد مشاريع البناء بالركام الخشن. إلا أن تقييمًا علميًا شاملًا لهذه الموارد لم يكن متاحًا من قبل.
وتوضح الدراسة أن الاعتماد على مصادر محلية ذات جودة مثبتة يمكن أن يسهم في خفض تكاليف النقل والاستيراد، ويدعم استدامة قطاع التشييد، خصوصًا في ظل الحاجة المتزايدة إلى بنية تحتية قوية وقادرة على الصمود لفترات طويلة.
لماذا يهم هذا الاكتشاف؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها توفر قاعدة بيانات هندسية وعلمية متكاملة حول أحد أهم مصادر الركام البازلتي في اليمن، وتربط بين الخصائص الجيولوجية للصخور والأداء الفعلي للخرسانة المنتجة منها. ويمنح ذلك المهندسين وصناع القرار معلومات أكثر دقة عند اختيار المواد المستخدمة في مشاريع البناء المستقبلية، بما يرفع مستوى الجودة والسلامة الإنشائية.
محددات الدراسة
ورغم النتائج الإيجابية، أشار الباحثان ضمنيًا إلى أن الدراسة ركزت على موقع إنتاج محدد جنوب صنعاء وعلى خلطة خرسانية واحدة بظروف اختبار مخبرية محددة. لذلك قد تكون هناك حاجة إلى دراسات إضافية تشمل مواقع بازلتية أخرى في اليمن، وأنواعًا مختلفة من الخلطات الخرسانية، واختبارات طويلة الأمد في ظروف بيئية متنوعة للتحقق من الأداء على نطاق أوسع.
وتخلص الدراسة إلى أن البازلت المستخرج من موقع الدار البيضاء جنوب صنعاء يمثل مصدرًا موثوقًا وعالي الجودة للركام الخشن المستخدم في صناعة الخرسانة، وأن خصائصه الفيزيائية والميكانيكية والكيميائية تؤهله للعب دور مهم في دعم مشاريع البناء والتنمية العمرانية في اليمن خلال السنوات المقبلة.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
