في منطقة تُصنّف بين الأكثر جفافًا في العالم، لم يعد البحث عن المياه ترفًا علميًا، بل ضرورة وجودية. ومع تصاعد أزمة شح الموارد المائية وتزايد تأثيرات التغير المناخي، تكشف دراسة علمية حديثة عن مسار واعد قد يغيّر قواعد اللعبة: تحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية.
الدراسة التي أعدها فريق بحثي دولي بقيادة الباحث محمد العدوس من الجامعة الألمانية الأردنية، وبمشاركة مؤسسات علمية من ألمانيا وتونس، ونشرت في ٢٠٢٤، تقدم تحليلًا شاملاً للتقنيات الحديثة التي تربط بين تحلية المياه والطاقة المتجددة، مع تركيز خاص على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .
أزمة تتسارع في قلب المناطق الجافة
تشير الدراسة إلى أن الطلب العالمي على المياه في ارتفاع مستمر، مدفوعًا بالنمو السكاني والتوسع العمراني، في وقت تعاني فيه المنطقة من معدلات أمطار منخفضة وغير مستقرة، لا تتجاوز في معظمها 250 ملم سنويًا. هذا الواقع يضع دول المنطقة أمام تحدٍ مركب، حيث تعتمد بشكل كبير على مصادر مائية محدودة مثل المياه الجوفية، التي تتعرض بدورها للاستنزاف والتملح .
في هذا السياق، أصبحت تحلية المياه خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، إذ تمتلك المنطقة نحو نصف القدرة العالمية لتحلية المياه، ما يعكس حجم الاعتماد على هذه التقنية لتأمين الاحتياجات الأساسية.
تحلية مكلفة… والطاقة هي التحدي الأكبر
رغم أهميتها، تظل تحلية المياه عملية مكلفة بيئيًا واقتصاديًا. فهي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، تصل إلى نحو 75 تيراواط/ساعة سنويًا على مستوى العالم، ما يساهم في انبعاث ملايين الأطنان من غازات الاحتباس الحراري .
وتوضح الدراسة أن تقنية “التناضح العكسي”، وهي الأكثر انتشارًا، ورغم كفاءتها مقارنة بالطرق التقليدية، لا تزال تعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة الأحفورية، ما يحد من استدامتها على المدى الطويل.
الطاقة الشمسية… فرصة تنتظر الاستغلال
وسط هذه التحديات، تبرز الطاقة الشمسية كخيار استراتيجي واعد. فالمنطقة تتمتع بإشعاع شمسي من الأعلى عالميًا، ما يجعلها بيئة مثالية لتطوير أنظمة تحلية تعتمد على الطاقة النظيفة.
توضح الدراسة أن دمج الطاقة الشمسية—سواء عبر الخلايا الكهروضوئية أو الطاقة الحرارية—مع تقنيات التحلية يمكن أن يقلل بشكل كبير من استهلاك الوقود الأحفوري والانبعاثات، ويخفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل، رغم ارتفاع كلفة الاستثمار الأولي .
كما تشير إلى أن مشاريع كبرى في دول الخليج بدأت بالفعل في تبني هذا النهج، في مؤشر على تحول تدريجي نحو نماذج أكثر استدامة.
ابتكارات تتقدم… وتحديات لا تزال قائمة
لا تقتصر التطورات على مصادر الطاقة فقط، بل تشمل أيضًا تحسين كفاءة أنظمة التحلية نفسها. من استخدام مواد متقدمة في الأغشية، إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات، وصولًا إلى تقنيات تهدف إلى تقليل النفايات الناتجة عن التحلية.
ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات تعيق التوسع السريع، أبرزها ارتفاع التكاليف الأولية، وتعقيد الأنظمة التقنية، إضافة إلى التحديات البيئية المرتبطة بالتخلص من المياه المالحة المركزة.
نحو نموذج متكامل للأمن المائي
تخلص الدراسة إلى أن مواجهة أزمة المياه في المنطقة لا يمكن أن تعتمد على حل واحد، بل تتطلب نهجًا متكاملًا يجمع بين التكنولوجيا والطاقة والإدارة المستدامة للموارد. وفي هذا الإطار، تمثل تحلية المياه بالطاقة الشمسية أحد أبرز المسارات التي يمكن أن تحقق توازنًا بين تلبية الطلب المتزايد والحفاظ على البيئة.
ومع تسارع الأبحاث والاستثمارات في هذا المجال، يبدو أن مستقبل المياه في الشرق الأوسط قد يُكتب بأشعة الشمس، في تحول علمي يحمل في طياته أملًا حقيقيًا لملايين البشر.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
