الرئيسية / أبحاث و دراسات / تقنية سعودية لاحتجاز غاز الكربون تنجح في تحويله إلى معادن مستقرة تحت الأرض
رسم تخطيطي يوضح التكوينات السطحية وتحت السطحية للمشروع التجريبي الذي يتضمن نظام إعادة تدوير المياه.
رسم تخطيطي يوضح التكوينات السطحية وتحت السطحية للمشروع التجريبي الذي يتضمن نظام إعادة تدوير المياه.

تقنية سعودية لاحتجاز غاز الكربون تنجح في تحويله إلى معادن مستقرة تحت الأرض

في أعماق الصخور البركانية جنوب غرب السعودية، نجح فريق بحثي دولي في تحويل كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون إلى معادن مستقرة تحت الأرض، في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً في مستقبل تقنيات احتجاز الكربون عالمياً، خصوصاً في المناطق الجافة التي تعاني شح المياه.

الدراسة التي نُشرت في دورية Nature قادها باحثون من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست» بالتعاون مع أرامكو السعودية وجامعة آيسلندا وعدد من المؤسسات البحثية الدولية، واستهدفت تطوير وسيلة عملية لتخزين الكربون في منطقة جازان، حيث تنتشر المنشآت الصناعية ومصافي النفط ومحطات التحلية التي تنتج كميات كبيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وتأتي هذه المحاولة ضمن السباق العالمي لإيجاد حلول فعالة للحد من تغير المناخ، إذ يُعد احتجاز الكربون وتخزينه أحد أبرز الخيارات المطروحة لتقليل تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. لكن معظم التقنيات الحالية تعتمد على ضخ ثاني أكسيد الكربون في خزانات جيولوجية عميقة تتطلب ظروفاً جيولوجية معقدة، مثل وجود طبقات صخرية مانعة للتسرب، وهي شروط لا تتوافر في كثير من مناطق العالم.

تحويل الغاز إلى معادن

بدلاً من تخزين الغاز في صورته المضغوطة، اعتمد الباحثون على إذابة ثاني أكسيد الكربون في المياه وضخه داخل الصخور البازلتية المتشققة تحت سطح الأرض. وهناك تبدأ سلسلة من التفاعلات الكيميائية الطبيعية بين المياه الحمضية والصخور البركانية، تؤدي في النهاية إلى تكوّن معادن كربونية صلبة قادرة على حبس الكربون بصورة دائمة.

ويشرح الباحثون أن الصخور البازلتية تحتوي بطبيعتها على عناصر مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والحديد، وهي عناصر تتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون المذاب لتشكّل معادن مستقرة شبيهة بالحجر الجيري، ما يقلل خطر تسرب الكربون مجدداً إلى الغلاف الجوي.

لكن المشكلة الكبرى التي واجهت هذه التقنية في السابق كانت حاجتها إلى كميات ضخمة من المياه، إذ قد يتطلب تخزين طن واحد من ثاني أكسيد الكربون عشرات الأطنان من المياه. ولهذا السبب طوّر الفريق نظاماً دائرياً يعتمد على إعادة تدوير المياه الجوفية نفسها بين بئرين متقاربين، ما ألغى الحاجة تقريباً إلى استخدام مصادر مياه خارجية.

تجربة ميدانية في جازان

بدأت التجربة في مارس 2023 باستخدام بئرين محفورين داخل تكوينات جازان البازلتية، وهي صخور بركانية يتراوح عمرها بين 21 و30 مليون سنة. وكان النظام يعمل عبر سحب المياه الجوفية من بئر إنتاج ثم إعادة ضخها إلى بئر أخرى بعد إذابة ثاني أكسيد الكربون فيها.

وخلال فترة التجربة، ضخ الباحثون نحو 131 طناً من ثاني أكسيد الكربون المذاب في المياه إلى أعماق تصل إلى مئات الأمتار داخل الصخور المتشققة. وبعد متابعة استمرت قرابة عشرة أشهر، أظهرت التحاليل الكيميائية أن نحو 70% من الكربون المحقون تحوّل بالفعل إلى معادن مستقرة داخل باطن الأرض.

كما لاحظ الفريق انخفاض تركيز الكربون المذاب تدريجياً مع مرور الوقت، بالتزامن مع تشكل رواسب معدنية جديدة داخل النظام، وهو ما اعتُبر دليلاً مباشراً على نجاح عملية التمعدن.

أدلة من داخل الصخور

ولم تقتصر الأدلة على القياسات الكيميائية فقط، بل وجد الباحثون أيضاً ترسبات معدنية كربونية داخل معدات الضخ المستخرجة من البئر، تضمنت معادن مثل الكالسيت والسيدريت والأنكرايت، وهي معادن معروفة بقدرتها على تخزين الكربون على المدى الطويل.

كما كشفت التحاليل النظيرية أن هذه المعادن تشكلت بالفعل من ثاني أكسيد الكربون المحقون خلال التجربة، وليس من ترسبات جيولوجية قديمة، ما عزز الثقة في نجاح التقنية.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تكون ذات أهمية خاصة لدول الشرق الأوسط والمناطق القاحلة، حيث تمثل ندرة المياه عقبة رئيسية أمام تطبيق تقنيات احتجاز الكربون التقليدية. ويعتقد الفريق أن استخدام المياه الجوفية المعاد تدويرها قد يسمح بتوسيع نطاق هذه المشاريع مستقبلاً دون الضغط على الموارد المائية.

إمكانات ضخمة وتحديات قائمة

تشير التقديرات الأولية إلى أن صخور البازلت في منطقة جازان قد تمتلك القدرة على تخزين مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما قد يمنح المملكة خياراً إضافياً لدعم خطط خفض الانبعاثات الكربونية وتطوير صناعات منخفضة الانبعاثات مثل الهيدروجين النظيف والأمونيا الخضراء.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن التقنية لا تزال في مراحلها التجريبية، وأن تطبيقها على نطاق صناعي واسع يتطلب مزيداً من الدراسات لفهم تأثير التفاعلات المعدنية طويلة الأمد على مسارات تدفق المياه داخل الصخور، إضافة إلى دراسة احتمالات انسداد الشقوق الصخرية مع مرور الزمن نتيجة تراكم المعادن الجديدة.

ورغم هذه التحديات، يرى الفريق أن النتائج الحالية تقدم دليلاً قوياً على إمكانية تحويل الصخور البركانية إلى مخازن طبيعية دائمة للكربون، في خطوة قد تساعد العالم على تقليل الانبعاثات الكربونية باستخدام عمليات جيولوجية تحاكي ما تفعله الطبيعة عبر ملايين السنين، لكن بوتيرة أسرع بكثير.

شاهد أيضاً

قابلة في اليمن تقدم خدمات الرعاية الصحية للأم والوليد. مصدر الصورة: صندوق الأمم المتحدة للسكان.

كيف كان مستوى الوعي وسلوك الحوامل في اليمن تجاه فيروس كورونا؟

مع اجتياح جائحة كورونا للعالم، لم يكن الخوف من العدوى وحده ما يثقل حياة النساء …