خاص – يمن ساينس
عبدالرحمن أبوطالب

في قريةٍ ما، يبدأ الأمر عادةً بصمتٍ صغير، طائرٌ لم يعد يمرّ في موسمِه، شجرةٌ تجفّ أسرع من المعتاد، أو حشرةٌ كانت تملأ المساء ضجيجًا ثم تختفي. لكن خالد سليمان – كاتب وصحفي من كردستان العراق متخصص في قضايا المناخ والبيئة – يقلب هذه “الملاحظات المحلية” إلى سؤالٍ كونيّ: هل نعيش حقًا على أعتاب «الانقراض السادس» أكبر موجة فقدٍ للأنواع منذ عصور سحيقة؟ في كتابه «الانقراض السادس بدأ من قريتي: التنوع الأحيائي على حافة الكارثة»، يقدّم الكاتب سردًا صحافيًا يزاوج بين الحكاية والمعرفة، محاولًا جعل أزمة التنوع الأحيائي مفهومة ومُلحّة للقارئ العادي قبل المتخصص.
من القرية إلى العالم: “المحلي” بوصفه مرآةً للكوكب
لا يعامل سليمان عنوانه كاستعارةٍ أدبية فقط؛ بل كفكرةٍ مركزية نابعة من تجربته الشخصية وذاكرته البيئية التي تشكلت في قريته على مدار أربعين عام: ما يحدث في مكان صغير كقريته ليس هامشًا، بل قد يكون “العينة المصغّرة” لما يجري عالميًا حين تتدهور الموائل، ويتسارع التغير المناخي، ويتقدّم الاستغلال البشري على حساب الأنظمة البيئية. وفي فصول تمهيدية عن ماهية الانقراض الجماعي، يطرح أسئلة مباشرة من نوع: هل الانقراض السادس حقيقة أم مبالغة؟ وكيف يمكن تمييز “تراجع طبيعي” عن انهيارٍ واسع تقوده أنشطة الإنسان؟
لماذا يهمّ هذا الكتاب الآن؟
تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يقدّم الأزمة بوصفها خبرًا بيئيًا بعيدًا، بل كملفٍ يمسّ الغذاء والصحة والاقتصاد وحتى الاستقرار الاجتماعي. فاختفاء الملقّحات مثلًا – وأبرزها النحل وأنواع أخرى من الحشرات – لا يعني خسارة “كائنات صغيرة”، بل تهديدًا لسلاسل إنتاجٍ كاملة تعتمد على التلقيح، وما يتبعه من أثرٍ على المحاصيل وأسعار الغذاء. بهذا المعنى، يحاول الكاتب أن ينقل القارئ من التعاطف مع الطبيعة إلى إدراك أن حماية التنوع الأحيائي هي أيضًا حمايةٌ لشروط الحياة البشرية نفسها.
لا يكتفي الكتاب بعرض الأزمة كقضية “حماية طبيعة”، بل يربطها بعالم الإنسان مباشرة. ويؤكد سليمان لـ«يمن ساينس» أنه أراد أيضًا إيضاح الترابط الوثيق بين تدهور النظم البيئية والصحة العامة، محذرًا من أن العالم قد يكون أكثر عرضة لأوبئة فتاكة في ظل الانهيار البيئي، مستعيدًا ما تركته جائحة كورونا من درسٍ عالمي.
أين يخطئ الناس في فهم الانقراض والتنوع الأحيائي؟
يرى سليمان أن المشكلة الأوسع هي “غياب كبير” في الثقافة العامة حول الانقراض الشامل للأنواع، رغم وجود مؤشرات ودراسات علمية كثيرة تتحدث عن الانقراض السادس. ويقول في إفادته الحصرية لـ«يمن ساينس» إن هذا الملف لا يظهر في الصحافة العربية والأوساط الأكاديمية إلا على هامش مناسبات ولقاءات، ما يترك الناس بلا معرفة حقيقية بحجم الخطر. ويحمّل الخلل لغياب دور المؤسسات العلمية والأكاديمية، وكذلك ضعف الصحافة العلمية المتخصصة.
الانقراض السادس بالأرقام… وبالجدل العلمي
يتكئ سليمان على مراجع وتقارير دولية ليضع القارئ أمام حجم المشكلة. ويستحضر نقاشًا علميًا حديثًا حول “الانقراض الجماعي السادس” كما في مراجعات منشورة، في إشارة إلى أن القضية ليست شعارًا إعلاميًا، بل موضوعًا يُفحَص بمعايير علمية ونقاشات نقدية حول التعريف والمعدلات وما إذا كانت المؤشرات وصلت فعلًا إلى مستوى “الانقراض الجماعي”.
كما يستشهد بإشارات من تقارير دولية (مثل IPBES) تتحدث عن تراجعٍ واسع للتنوع الحيوي وأن عددًا ضخمًا من الأنواع بات مهددًا، بما في ذلك تقديرات تصل إلى نحو مليون نوع في دائرة الخطر إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وفي المقابل، لا يتعامل الكتاب مع الأرقام كغايةٍ بحد ذاتها، بل كوسيلة لتفسير “ما الذي يقود التدهور”: ضياع الموائل، التلوث، الإفراط في الاستغلال، الأنواع الغازية، وتغيّر المناخ.
حين تختفي الحشرات: أثر الدومينو الذي لا نراه
في فصلٍ من الكتاب، يسأل الكاتب على نحوٍ صادم: “ماذا لو انقرضت الحشرات؟” ليضع القارئ أمام فكرة “أثر الدومينو”: كلُّ كائنٍ يبدو صغيرًا هو حلقةٌ في شبكةٍ أكبر. وعندما تنقطع حلقةٌ، لا تسقط وحدها، بل قد تُسقط معها غذاء طيورٍ وزواحفَ وثدييات، وتُضعف تلقيح النباتات البرية والزراعية، وتُربك توازن التربة والمياه. إنها طريقة لتبسيط مفهوم “الشبكات الغذائية” دون إغراقٍ في المصطلحات، عبر أمثلة تتعقب ما يمكن أن يحدث عندما يتآكل جزءٌ من المنظومة.
قصص من خط النار: سلاحف، ضفادع… ونمور
يُكثر الكتاب من القصص بوصفها بواباتٍ لفهم العلم. من بين ذلك فصلٌ يتناول محنة سلاحف الأمازون، حيث تُروى أزمةٌ ترتبط بالصيد والاتجار والضغط على الموائل، لتتحول السلاحف من رمزٍ للحياة البرية إلى مؤشرٍ على هشاشة نظامٍ بيئي كامل.
وفي مثالٍ آخر، يتوقف عند جانبٍ يبدو “غير متوقع” في صناعة الانقراض: الطلب الغذائي في أماكن بعيدة قد يدفع أنواعًا أخرى نحو التلاشي، مثلما يناقش أثر الاستهلاك على البرمائيات ضمن سياقاتٍ مرتبطة بتجارة أجزاء الضفادع، باعتبارها ضغطًا إضافيًا على أنواعٍ تواجه أصلًا فقدان موائلها وتغيّر المناخ.
ولا يغفل الكتاب أيقوناتٍ قريبة من وجدان المنطقة، إذ يخصص مساحة لمحاولات حماية النمر الفارسي، مقدمًا القضية بوصفها امتحانًا لقدرة المجتمعات والمؤسسات على حماية ما تبقى من الأنواع المهددة محليًا، لا الاكتفاء برثائها بعد فوات الأوان.
ما الذي يدعو إليه سليمان؟
بين السطور، يدفع الكتاب باتجاه “تحويل المعرفة إلى فعل”: تحسين الوعي العام، دعم حماية الموائل، وتطوير سياسات تقلل الاستنزاف والتلوث. كما يلمّح إلى أن حماية التنوع الأحيائي لا تنجح بخطابٍ واحد؛ فهي تحتاج إلى إعلامٍ علمي مبسط، وتعليمٍ يُعيد وصل الإنسان بالطبيعة، وقراراتٍ اقتصادية ترى في الطبيعة قيمة تتجاوز المنفعة السريعة.
في حديثه لـ«يمن ساينس»، يقول سليمان إن هدفه كان إيصال “المعارف العلمية الجديدة” حول آثار تغيّر المناخ على تدهورٍ بيئي واسع لم يشهد له العالم مثيلًا منذ العصر الحجري الحديث قبل نحو 10 آلاف عام، خصوصًا من زاوية فقدان الأنواع من نباتاتٍ وحيوانات. ويضيف أن النظم البيئية “الخلاّقة” بما فيها التنوع الأحيائي هي الداعم الأساسي لبقاء البشر، لذلك لا بد أن تدرك المجتمعات حجم ما يحدث نتيجة النشاط البشري والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية والحياة البرية.
هل يمكن أن نرى مؤشرات مشابهة في اليمن؟
عند سؤال «يمن ساينس» للمؤلف عمّا إذا كانت مؤشرات “الانقراض السادس” قابلة للظهور في اليمن، يوضح سليمان أن تجربته الشخصية وذاكرته البيئية تشكلت في إقليم كردستان العراق، حيث لاحظ خلال الأربعين عامًا الماضية تراجعًا كبيرًا في الطيور والثدييات وحتى الحشرات، فضلًا عن تدهورٍ في أنواع النبات، مع احتمال اختفاءٍ كامل لبعض الأنواع. لكنه يشدد على أن غياب المؤسسات العلمية التي توثق الحياة البرية ومجتمعات الأرض يعيق بناء معرفة دقيقة قائمة على بحوث ميدانية تطبيقية.
وبخصوص اليمن تحديدًا، يقول إنه سمع وقرأ عن تدهورٍ بيئي مرتبط بالجفاف وندرة المياه من جهة، وحدوث فيضانات عارمة من جهة أخرى، لكنه لم يوثّق قصصًا عن فقدان الأنواع في البلاد.
القوانين أولًا… ثم الإعلام والتعليم
في جزء عملي من حديثه، يضع سليمان نقطة بداية واضحة ألا وهي تحديث القوانين البيئية. ويقول لـ«يمن ساينس» إن تحديث التشريعات البيئية هو الخطوة الأولى لأي سياسة قادرة على الاستجابة للتحديات المتسارعة، مشيرًا إلى أن القوانين في كثير من البلدان العربية قديمة ولا تواكب المستجدات، وأن غياب تشريعات مناخية فاعلة قد يدفع الأمور نحو “فوات الأوان”. كما يرى أن الحديث عن دور الإعلام والتعليم يظل ناقصًا ما لم يستند إلى إطار قانوني محدث يحمي البيئة ويجعل الاستجابة ممكنة.
أين يقف، وأين يبدأ دور العلم والمؤسسات؟
مع أن الكتاب غنيٌّ بالأمثلة والمراجع، فإنه يبقى عملًا توعويًا صحافيًا أكثر منه دراسةً علمية أصلية؛ أي إنه يجمع ويشرح ويقرّب النقاشات العلمية للقارئ بدل أن يقدّم بيانات ميدانية جديدة. كما أن اعتماده على “قصص منتقاة” يمنح القارئ صورة قوية، لكنه قد يترك تفاصيل محلية أدق بحاجة إلى بحوثٍ ميدانية ومسوحات تنوع أحيائي منتظمة، خصوصًا في البيئات التي تعاني شحّ البيانات أو صعوبة الوصول. ومع ذلك، يظلّ هدفه واضحًا: أن يجعل القارئ يرى ما كان يمرّ أمامه كخبرٍ بعيد… بوصفه واقعًا يطرق باب بيته.
الكتاب متاح للعامة، يمكن قراءته أو تحميله من هذا الرابط المباشر.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
