الرئيسية / ترجمات / العلاقة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات في زمن تراجع الديمقراطية
the book

العلاقة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات في زمن تراجع الديمقراطية

خاص – يمن ساينس

عبدالرحمن أبوطالب

صدر مؤخرًا عن جامعة غوتنبرغ في السويد كتاب جديد بعنوان “النظم المعلوماتية والديمقراطية المضطربة: حالة المعرفة حول الإعلام والذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات” (Information Ecosystems and Troubled Democracy: The State of Knowledge on News Media, AI, and Data Governance)،
وهو عمل بحثي موسّع أعدّه فريق دولي بقيادة البروفيسورة روبين مانسل من كلية لندن للاقتصاد بدعم من مرصد المعلومات والديمقراطية.

محاور الكتاب

يتناول الكتاب في سبعة فصول قضايا مركزية تتعلق بعلاقة الإعلام والذكاء الاصطناعي بحوكمة البيانات، من أبرزها:
• تراجع الثقة في وسائل الإعلام الإخبارية وتزايد اعتمادها على المنصات الرقمية التابعة لشركات التقنية الكبرى.
• الذكاء الاصطناعي كمحرك مزدوج: أداة لتعزيز المحتوى من جهة، ووسيلة لنشر التضليل والتلاعب بالمعلومات من جهة أخرى.
• هيمنة الشركات التقنية الكبرى (Big Tech) على البنية التحتية للاتصال وتدفق البيانات، وما يترتب على ذلك من “استعمار رقمي” يقلص البدائل المحلية والمجتمعية في الحوكمة.
• دعوة إلى عدالة البيانات (Data Justice) التي تضمن المساواة في الوصول إلى المعرفة والمشاركة في صنع القرار.

نحو بيئة معلومات عادلة

غيان براكاش تريباثي
غيان براكاش تريباتي

الكتاب يضع تحت المجهر العلاقة المتشابكة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات، وكيف تسببت هذه المنظومات في إعادة تشكيل المجال العام والتأثير على استقرار الأنظمة الديمقراطية. فوفقاً لتقارير دولية أوردها الكتاب، يعيش أكثر من 70٪ من سكان العالم اليوم في أنظمة سلطوية، بينما تراجعت حرية الإنترنت للعام الرابع عشر على التوالي، وتتصدر المعلومات المضللة قائمة المخاطر العالمية في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025. ويخلص الكتاب إلى أن إصلاح بيئة المعلومات لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حوكمة ديمقراطية للبيانات والتقنيات، تعزز الشفافية والمساءلة وتدعم الإعلام المستقل والمجتمعات المحلية. كما يدعو إلى بناء قدرات جديدة في التربية الإعلامية والذكاء الاصطناعي (AI Literacy) لمواجهة التضليل وتمكين الأفراد من التعامل الواعي مع التكنولوجيا.

وفي تصريح خاص ليمن ساينس يوضح الباحث غيان تريباتي، أحد المشاركين في تأليف الكتاب، بالقول:

“هذا الكتاب يمثل تقييماً نقدياً لأسباب اضطراب النظم المعلوماتية المعاصرة، ويستعرض التغيرات العميقة في مجالات الإعلام الإخباري والذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات.”

من “حق المعرفة” إلى “حق البقاء”

يستهل الكتاب تحليله بمقولة الناشطة الهندية أرونا روي: “الحق في المعرفة هو الحق في الحياة”، ليؤكد أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في بيئة معلوماتية ملوثة بالتضليل والخوارزميات غير الشفافة.
ويحذر المؤلفون من أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT أصبحت أداة مزدوجة؛ فهي قادرة على دعم الصحافة والتحليل، لكنها في الوقت نفسه تُستخدم لتوليد صور وأخبار مفبركة تُقوّض الثقة العامة وتُضعف المؤسسات.

عندما تصبح البيانات سلطة

يتوقف الكتاب مطولًا عند قوة الشركات التقنية الكبرى (Big Tech) مثل ميتا وغوغل وأمازون ومايكروسوفت، مبينًا أنها لا تهيمن فقط على البيانات، بل تتحكم أيضًا في آليات المعرفة والإدراك الجمعي من خلال خوارزمياتها التي تحدد ما نراه ونفكر فيه.
ويصف المؤلفون هذا الوضع بـ“الاستعمار الرقمي”، حيث تتحول البيانات إلى سلعة تخدم مصالح اقتصادية محدودة، فيما يتم تهميش المجتمعات المحلية والصحافة المستقلة، خاصة في دول الجنوب العالمي.

الذكاء الاصطناعي والديمقراطية: بين الأمل والمخاطر

يتناول الكتاب الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، من كتابة النصوص إلى التحقق من الحقائق، مشيرًا إلى أن الصحفيين يواجهون الآن معضلة مهنية وأخلاقية: كيف يمكن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد الصحافة جوهرها الإنساني؟
كما يشير إلى أن الخوارزميات المنحازة في تدريب النماذج تؤدي إلى إعادة إنتاج الصور النمطية والتمييز الاجتماعي، مما يجعل العدالة المعرفية محورًا أساسيًا لأي حوكمة مستقبلية.

نحو عدالة معلوماتية

يدعو الكتاب إلى تبني مفهوم عدالة البيانات (Data Justice) باعتباره البديل الأخلاقي لنموذج “الربحية عبر البيانات”، بحيث يتمكن الأفراد والمجتمعات من التحكم في معلوماتهم والمشاركة في صياغة سياسات التكنولوجيا.
كما يوصي بتعزيز مهارات التربية الإعلامية والذكاء الاصطناعي (AI Literacy) لتمكين الجمهور من مواجهة التضليل وحماية الحق في المعرفة.

سياق يهم المنطقة العربية

على الرغم من أن معظم الدراسات التي استند إليها الكتاب تركز على أوروبا وأميركا الشمالية، إلا أن الرسائل التي يوجهها وثيقة الصلة بالعالم العربي، حيث تواجه وسائل الإعلام المحلية تحديات مشابهة: ضعف الثقة، وانتشار المعلومات المضللة، والاعتماد المتزايد على المنصات العالمية في توزيع المحتوى.
ويطرح الكتاب تساؤلاً ملحاً: كيف يمكن للدول النامية أن تطوّر نماذج حوكمة رقمية تراعي خصوصيتها الثقافية والسياسية؟

نحو بيئة معلومات شفافة ومسؤولة

في خاتمته، يؤكد الكتاب أن حماية الديمقراطية تبدأ من إصلاح بيئة المعلومات عبر مساءلة الشركات العملاقة، ودعم الصحافة المستقلة، وتمكين الأفراد من السيطرة على بياناتهم. ففي زمن أصبحت فيه الحقيقة عملة نادرة، تذكّرنا الدراسة بأن المعرفة ليست ترفًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء الإنساني.

 

* الكتاب متاح للتحميل المجاني عبر موقع نوردكوم بجامعة غوتنبرغ على الرابط التالي:

🔗 https://doi.org/10.48335/9789189864238

شاهد أيضاً

ICANNCABLES

Beyond ICANN, New Fronts in the Battle for Internet Control

By: Abdulrahman Abotaleb When undersea cables off the coast of Jeddah were severed recently, slowing Microsoft …