مفاجأة في تاريخ القطط: ليست «هدايا» المزارعين الأوائل
لم تكن القطط المنزلية—كما اعتقد كثيرون—رفيقة المزارعين الذين نشروا الزراعة في أوروبا قبل آلاف السنين. فوفق تحليل جينومي واسع لرفات قطط قديمة وحديثة، تشير دراسة حديثة بأن أوروبا تعرّفت إلى السلالة التي كوّنت القطط المنزلية المعروفة اليوم متأخرة جداً: قبل نحو ألفي عام فقط، قادمة على الأرجح من شمال أفريقيا، عبر طرق الملاحة والتجارة في البحر المتوسط.
الفقرة الجوهرية: لماذا يهمّ هذا الاكتشاف؟
هذا التغيير في «موعد الوصول» يعيد رسم علاقة البشر بحيواناتهم الأليفة، ويبدّل فهمنا لكيفية انتقال الأنواع مع شبكات التجارة والإمبراطوريات، لا مع موجات الزراعة المبكرة وحدها. كما يكشف أن الأدلة الوراثية القديمة قد تكون خادعة إذا اعتمدنا على نوع واحد من الحمض النووي دون بقية الجينوم، وأن اختلاط القطط البرية عبر الزمن لعب دوراً أكبر مما كان يُتصوَّر.
كيف تتبّع العلماء رحلة القطط عبر 11 ألف سنة؟
حلّل الباحثون بيانات جينية لقطط تمتد عبر نحو 11 ألف عام، شملت عشرات الجينومات القديمة من مواقع أثرية في أوروبا والأناضول، إلى جانب عينات حديثة من قطط برية من إيطاليا (ومنها سردينيا) والبلقان وشمال أفريقيا. ولرفع دقة التسلسل الزمني، أُجري تأريخ بالكربون المشع لعدد من العينات الأثرية، ما سمح بوضع «خط زمني» واضح لتحولات الأنساب وانتشارها.
ليس كل ما يبدو «أفريقياً» هو قط منزلي
واحدة من أهم النتائج أن بعض القطط القديمة التي اعتُقد سابقاً—استناداً إلى الحمض النووي المتقدري وحده—أنها تحمل سلالات مرتبطة بالقط البري الأفريقي، تبيّن عند فحص الجينوم النووي الكامل أنها في الحقيقة قطط برية أوروبية (القط البري الأوروبي) اختلطت أسلافها قديماً مع قطط برية أفريقية. بمعنى آخر: «بصمة الأم» الوراثية قد تُوهم الباحثين بأن قططاً منزلية وصلت مبكراً، بينما القصة الفعلية هي اختلاط قديم بين مجموعات برية متجاورة.
سردينيا: الوصول الأول… لكن ليس للقطط المنزلية التي نعرفها
تُظهر البيانات أن أقدم عينة أوروبية تقع ضمن المجموعة الوراثية المرتبطة بالقط البري الأفريقي/القط المنزلي جاءت من موقع في جزيرة سردينيا وتعود إلى نحو 2200 عام. اللافت أنها أقرب وراثياً إلى قطط سردينيا البرية الحالية، وترتبط كذلك بقط بري من شمال غرب أفريقيا. ويقترح ذلك «موجة أولى» مبكرة نقلت قططاً برية من شمال غرب أفريقيا إلى الجزيرة، وأسست جماعة برية ما زالت بصمتها واضحة اليوم.
الموجة الحاسمة: قبل 2000 عام… قطط شمال أفريقيا تعيد تشكيل أوروبا
أما القطط التي تحمل «الخزان الجيني» الأقرب للقطط المنزلية الحديثة، فتظهر في السجل الأوروبي بدءاً من نحو 2000 عام مضت، ثم تنتشر سريعاً عبر مناطق البحر المتوسط وأوروبا. وترجّح التحليلات أن هذه الموجة جاءت من مجموعة شمال أفريقية مختلفة عن تلك المرتبطة بسردينيا، وأنها هي التي أسست القاعدة الوراثية لمعظم القطط المنزلية في أوروبا لاحقاً. وتشير النتائج أيضاً إلى دور تاريخي محتمل للقوى البحرية والتجارية، بل وحتى التحركات العسكرية خلال العصر الروماني، في تسريع انتشار القطط عبر الموانئ والمستوطنات.
لماذا انتشرت القطط بسرعة؟ من المعابد إلى السفن
تتناول الدراسة سيناريوهات متعددة تفسر «قابلية النقل» العالية للقطط في تلك الحقبة: قيمتها كصيّادة قوارض في المدن والمخازن والسفن، واتساع شبكات التجارة البحرية في المتوسط، واحتمال تأثير الرمزية الدينية والثقافية للقطط في شمال أفريقيا وشرق المتوسط على مكانتها وانتقالها بين المجتمعات.
اختلاط مستمر بين البري والمنزلي… وقصة لا تزال تُكتب
تكشف التحليلات كذلك عن تداخلات جينية متزايدة عبر الزمن بين القطط المنزلية الوافدة والقطط البرية الأوروبية، مع اختلافات إقليمية. فبعد وصول القطط المنزلية إلى أوروبا، بدأت بعض الجماعات المنزلية تكتسب نسباً متفاوتة من أصول برية محلية، ما يعكس تغيّراً في المشهد البيئي وعلاقة الطرفين مع توسع الزراعة وتغير الموائل وتزايد الاحتكاك.
محددات الدراسة: أين تنقصنا القطع الأخيرة من الأحجية؟
رغم قوة التحليل الزمني واتساع العينات الأوروبية، تظل هناك فجوات مهمة: أبرزها محدودية العينات الجينية المتاحة من القطط البرية في شمال أفريقيا وشرق المتوسط، وغياب بيانات جينومية كافية من مصر القديمة والحديثة لاختبار بعض الفرضيات الحاسمة حول مصدر الموجة الثانية بدقة أكبر. كما أن جزءاً من الجينومات القديمة منخفض التغطية بطبيعته، وهو ما يفرض حدوداً على بعض الاستنتاجات التفصيلية.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
