رقمٌ صادم خلف الأبواب المغلقة
بينما ينشغل العالم بتحديات صحية أكثر ضجيجًا، تكشف بيانات دولية واسعة النطاق أن العقم لم يعد قضية فردية تخص بعض الأزواج، بل عبء صحي يتزايد على مستوى الكوكب. ففي عام 2021 وحده، قُدّرت حالات العقم لدى النساء بنحو 143 مليون حالة، ولدى الرجال بنحو 55 مليون حالة—أرقام تُترجم إلى معاناة ممتدة وتأثيرات تتجاوز غرفة العيادة إلى المجتمع والاقتصاد.
ما الذي تغيّر خلال ثلاثة عقود؟
تشير نتائج دراسة صينية نشرت حديثا إلى أن عدد حالات عقم النساء ارتفع منذ 1990 بنسبة تقارب 82%، بينما ارتفع عقم الرجال بنحو 74%. ولا يقتصر الأمر على زيادة عدد السكان؛ إذ تُظهر “المعدلات المعيارية للعمر” (أي المعدلات التي تسمح بالمقارنة العادلة بين البلدان رغم اختلاف أعمار السكان) اتجاهًا تصاعديًا سنويًا: نحو 0.59% لدى النساء و0.50% لدى الرجال خلال الفترة 1990–2021. ويبدو أن التسارع كان أوضح بعد عام 2010، حيث اتخذت المنحنيات مسارًا صاعدًا أكثر حدة.
الفئة العمرية الأكثر تأثرًا: منتصف الثلاثينيات
تبيّن أن العبء الأعلى يتركز في الفئة العمرية 35–39 عامًا لدى الجنسين. وفي 2021، بلغ معدل انتشار العقم في هذه الفئة نحو 13,684 لكل 100 ألف امرأة، مقابل 4,722 لكل 100 ألف رجل. هذا يعني عمليًا أن سنوات الانتظار والقلق ومحاولات العلاج تتراكم غالبًا في مرحلة يُفترض أنها الأكثر “ضغطًا” اجتماعيًا ومهنيًا لدى كثيرين.
ليس “مرضًا قاتلًا”… لكنه يسرق سنوات من العافية
لأن العقم لا يُسجل عادة كسبب مباشر للوفاة، لجأ الباحثون إلى قياس العبء عبر مؤشر “سنوات العيش مع الإعاقة” (YLDs)، وهو مقياس يُقدّر السنوات التي يعيشها الإنسان بصحة أقل جودة بسبب حالة مرضية. وفي 2021 قُدّرت سنوات العيش مع الإعاقة المرتبطة بعقم النساء بنحو 802 ألف سنة، وبعقم الرجال بنحو 326 ألف سنة. وفي الفئة 35–39 عامًا بلغ معدل هذا العبء 74 لكل 100 ألف امرأة مقابل 26 لكل 100 ألف رجل.
خريطة العالم غير متساوية: من يدفع الثمن الأكبر؟
تختلف الصورة بحسب المنطقة. فشرق آسيا سجّل أعلى عبء لعقم النساء وفق المعدلات المعيارية، بينما سجلت أوروبا الشرقية أعلى عبء لعقم الرجال. أما من حيث “العدد” المطلق للحالات، فقد تصدرت جنوب آسيا المشهد: نحو 43.8 مليون حالة بين النساء و15.35 مليون حالة بين الرجال في 2021. كما كانت جنوب آسيا الأعلى في سنوات العيش مع الإعاقة المرتبطة بالعقم.
التنمية ليست درعًا دائمًا: علاقة “منحنية” مع العقم
واحدة من أكثر النتائج لفتًا للنظر هي العلاقة غير الخطية بين عبء العقم ومستوى التنمية المقاس بمؤشر اجتماعي-ديموغرافي (SDI) يتراوح من 0 إلى 1. فحين يكون المؤشر منخفضًا جدًا، يميل العبء المتوقع إلى الانخفاض مع تحسن التنمية تدريجيًا، ثم يرتفع في نطاق متوسط (تقريبًا بين 0.5 و0.7)، قبل أن يبدأ بالانخفاض مجددًا عندما يتجاوز المؤشر 0.7—ويبدو الانخفاض أوضح في الدول ذات SDI أعلى من 0.8. وتطرح هذه النتيجة تفسيرًا مزدوجًا: في مراحل التنمية المتوسطة قد تزيد عوامل مثل التلوث والتحولات الصناعية، وتتوسع قدرة الأنظمة الصحية على “كشف” العقم وتشخيصه؛ لكن مع مزيد من التطور تتحسن الرعاية، والوقاية، وإتاحة العلاج.
لماذا عبء العقم أعلى لدى النساء؟
تؤكد النتائج أن عبء عقم النساء أعلى باستمرار وأسرع نموًا من الرجال. ويرتبط ذلك بتعدد الأسباب الطبية المحتملة لدى النساء، إلى جانب عوامل اجتماعية وثقافية لا تقل وزنًا: فوصمة العقم في بعض المجتمعات تُلقي باللوم على المرأة، ما يرفع احتمالات فحصها وتشخيصها مقارنة بالرجل، وقد يؤدي إلى نقص الإبلاغ عن عقم الرجال أو تأخر اكتشافه.
الدلالة الأوسع: قضية صحة عامة لا ملف “رفاهية”
لا تنحصر تبعات العقم في تأخر الإنجاب. فهو يرتبط بتراجع جودة الحياة، وضغوط نفسية قد تتفاقم داخل الأسرة، كما يتقاطع مع تحولات ديموغرافية كشيخوخة المجتمعات وتراجع معدلات المواليد. وفي كثير من البلدان، تظل تقنيات الإخصاب المساعد مكلفة أو محدودة الوصول، ما يخلق فجوة بين الحاجة الفعلية وإمكانية العلاج.
محددات الدراسة: ما الذي يجب الحذر منه عند قراءة الأرقام؟
رغم قوة التحليل واتساع نطاقه، تبقى هناك محددات مهمة: التقديرات مبنية على نماذج إحصائية وقد تحمل قدرًا من عدم اليقين، وقد تؤدي ندرة البيانات في البلدان الأقل موارد إلى تقليل تقدير العبء الحقيقي. كما لم تُفصّل النتائج بحسب أنواع العقم (الأولي والثانوي)، ما قد يخفي اختلافات مهمة في الأسباب والمسارات الوقائية.
إلى أين من هنا؟
تدق النتائج ناقوس خطر واضح: التعامل مع العقم كقضية “ثانوية” لم يعد مبررًا. الحاجة تتجه نحو سياسات صحة إنجابية أوسع، وتوعية حساسة ثقافيًا لتقليل الوصمة، وتحسين جودة البيانات، وربط الوقاية بالعوامل البيئية ونمط الحياة، إلى جانب توسيع فرص التشخيص والعلاج بعدالة بين النساء والرجال، وبين الدول الغنية والأقل دخلًا.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
