بينما يكافح العالم للالتزام بأهداف اتفاق باريس للمناخ، لم تعد أزمة الاحترار العالمي شأناً علمياً أو سياسياً فحسب، بل أصبحت معركة قانونية مفتوحة داخل قاعات المحاكم. غير أن دراسة علمية حديثة تحذر من أن القضاء، رغم استناده المتزايد إلى علوم المناخ، لا يزال يواجه صعوبة حقيقية عندما يُطلب منه ترجمة هذه العلوم إلى التزامات قانونية واضحة على الشركات الكبرى، بخلاف ما يفعله مع الحكومات.
العلم يصطدم بحدود القانون
الدراسة، المنشورة في مجلة Science، تتناول واحدة من أكثر القضايا المناخية إثارة للجدل في العالم، وهي قضية «ميليوديفينسي ضد شل»، لتكشف أن المشكلة لا تكمن في نقص الأدلة العلمية، بل في كيفية استخدامها قانونياً عند محاسبة الفاعلين الاقتصاديين الأقوياء .
من دعوى بيئية إلى سابقة عالمية
بدأت قضية «ميليوديفينسي ضد شل» عام 2019، عندما رفعت منظمة Milieudefensie البيئية الهولندية، مدعومة بآلاف المواطنين، دعوى قضائية غير مسبوقة ضد شركة Royal Dutch Shell. جوهر الدعوى كان اتهام الشركة بالمساهمة بشكل كبير في تفاقم أزمة المناخ عبر نموذج أعمالها القائم على الوقود الأحفوري، وبالتالي الإخلال بواجبها القانوني في حماية حقوق الإنسان والبيئة.
في مايو 2021، أصدرت محكمة لاهاي حكماً تاريخياً اعتُبر نقطة تحول عالمية، إذ ألزمت شل بخفض انبعاثاتها بنسبة 45% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2019، بما يشمل الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن استخدام منتجاتها. كان ذلك أول حكم من نوعه يفرض التزاماً كمّياً واضحاً على شركة خاصة، ما أشعل موجة من التفاؤل بين نشطاء المناخ.
لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً. ففي نوفمبر 2024، ألغت محكمة الاستئناف فرض نسبة خفض محددة، معتبرة أن الأدلة العلمية المتاحة لا تتيح تحديد التزام رقمي «دقيق» يمكن فرضه على شركة واحدة، لا سيما فيما يتعلق بالانبعاثات غير المباشرة. ومع ذلك، أكدت المحكمة مبدأ مهماً: أن على شل، بوصفها شركة نفط وغاز كبرى، واجباً قانونياً بالمساهمة في مكافحة تغير المناخ.
أين تكمن المشكلة العلمية؟
تعتمد القضايا المناخية الحديثة على ما يُعرف بـ«نماذج التقييم المتكاملة»، وهي نماذج حاسوبية تجمع بين علوم المناخ والاقتصاد وأنظمة الطاقة لتحديد المسارات اللازمة لخفض الانبعاثات والالتزام بأهداف مثل حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية. هذه النماذج استُخدمت بنجاح في قضايا ضد دول، وأقنعت المحاكم بفرض التزامات قانونية على الحكومات.
غير أن الدراسة توضح أن المحاكم تتردد عندما يُطلب منها استخدام النماذج نفسها لتحديد مسؤولية شركة بعينها. فبينما يمكن توزيع أعباء خفض الانبعاثات بين الدول وفق أطر دولية معترف بها، يظل تطبيق هذه المسارات على الشركات مثقلاً بالافتراضات، وعدم اليقين، والأسئلة المتعلقة بالعدالة والمسؤولية التاريخية.
من الدولة إلى الشركة: فجوة غير محسومة
تشير الورقة إلى مفارقة لافتة: فالأدوات العلمية التي تُعد كافية لإلزام الحكومات، تُعد فجأة «غير حاسمة» عندما يتعلق الأمر بالشركات، رغم أن كثيراً من هذه الشركات تمتلك انبعاثات تفوق انبعاثات دول بأكملها. ويرى الباحثون أن هذا التناقض يهدد اليقين القانوني، ويقوض الجهود الرامية إلى جعل الشركات جزءاً فعلياً من الحل المناخي.
كما تلفت الدراسة إلى أن النماذج المناخية تركز أساساً على خفض الانبعاثات بأقل كلفة اقتصادية، ولا تعالج بشكل مباشر قضايا الإنصاف أو المسؤولية التاريخية، وهو ما يجعل القضاة أكثر حذراً في تبنيها كأساس لأحكام ملزمة ضد الشركات.
الدراسة ومن يقف خلفها
نُشرت هذه الدراسة في مجلة Science ضمن قسم «منتدى السياسات»، وأعدّها فريق متعدد التخصصات من خبراء المناخ والاقتصاد والقانون في معهد غرانثام لأبحاث تغير المناخ بكلية لندن للاقتصاد. يقود الفريق الباحث سيمون ديتز، إلى جانب مجموعة من المتخصصين في التقاضي المناخي والسياسات العامة.
وتهدف الورقة إلى ما هو أبعد من تحليل حكم قضائي واحد، إذ تسعى إلى تقديم خريطة طريق للمحاكم وصنّاع القرار، توضح كيف يمكن استخدام علم المناخ بطريقة أكثر اتساقاً وعدالة عند محاسبة الشركات، دون الوقوع في فخ الأرقام الجامدة أو تجاهل حدود العلم.
ثلاث طرق للخروج من المأزق
يقترح الباحثون ثلاث مقاربات عملية: أولها اعتماد نطاقات لخفض الانبعاثات بدلاً من أرقام قطعية، وثانيها تقييم مدى التزام الشركات عبر مقارنة استثماراتها بتكلفة خفض الانبعاثات عالمياً، وثالثها إلزام الشركات بوضع خطط انتقال مناخي واضحة ومبنية على أسس علمية، حتى إن لم تُفرض عليها مسارات تقنية محددة.
محددات ونقاش مفتوح
تعترف الدراسة بأن نماذج المناخ نفسها ليست خالية من عدم اليقين، وأن البيانات المتاحة على مستوى الشركات لا تزال أقل نضجاً من تلك الخاصة بالدول. لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن هذا الغموض لا ينبغي أن يكون ذريعة للشلل القضائي، بل حافزاً لتطوير معايير قانونية أكثر مرونة تستوعب طبيعة العلم المتغير.
ما الذي يعنيه هذا للمستقبل؟
تخلص الدراسة إلى أن قضية «شل» ليست نهاية المعركة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً في التقاضي المناخي. فمع تصاعد الدعاوى ضد الشركات الكبرى حول العالم، سيصبح سد الفجوة بين العلم والقانون شرطاً أساسياً لضمان انتقال عادل وفعّال نحو اقتصاد منخفض الكربون، تكون فيه الشركات جزءاً من الحل، لا مجرد طرف بعيد عن المساءلة.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
