الرئيسية / البيئة والمناخ / اليمن يواجه كوارث التغير المناخي بلا مؤسسات
أشخاص يسيرون على التربة المتشققة بسبب الجفاف على مشارف صنعاء، اليمن، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2022. رويترز/خالد عبد الله
أشخاص يسيرون على التربة المتشققة بسبب الجفاف على مشارف صنعاء، اليمن، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2022. رويترز/خالد عبد الله

اليمن يواجه كوارث التغير المناخي بلا مؤسسات

خاص – يمن ساينس

تحقيق – عبدالرحمن أبوطالب

 

في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع هبوب إعصار «تيج» على محافظات المهرة وحضرموت وسقطرى، غمرت السيول الطرق الترابية، وغرقت المخيمات الهشة التي تؤوي آلاف النازحين، وانقطعت الكهرباء والمياه عن مناطق بأكملها. كان المشهد صادماً حتى في بلد اعتاد الكوارث: آلاف الأسر في العراء، منشآت صحية معطلة، وشبكات طرق مدمرة. قال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) في تقريره: «إعصار تيج ألحق أضراراً بعشرات آلاف الأسر، ودمر بنية تحتية حيوية بينها مدارس ومراكز صحية، وفاقم هشاشة المجتمعات التي تعاني أصلاً من النزاع» (OCHA، 2023).

ياسر الأسد، مدير عام مديرية حصوين بمحافظة المهرة ورئيس لجنة الطوارئ بالمديرية، يصف “الإعصار الذي ضرب محافظة المهرة مؤخراً كان مدمراً وقوياً” وأضاف أن «إعصار تيج … فاق كل التوقعات»، وأن السلطات المحلية طالبت الجهات المعنية بإرسال طائرة مروحية لإنقاذ المواطنين ونقل المرضى، لكن الطائرة وصلت إلى الغيضة بعد فوات الأوان.

لم يكن «تيج» حدثاً معزولاً؛ بل جزءاً من سلسلة أعاصير غير مسبوقة تضرب اليمن منذ 2015: تشابالا وميج، ثم ساجَر ومكونو ولبان، والآن «تيج». هذا التكرار يُعد انعكاساً مباشراً لارتفاع حرارة المسطحات البحرية وتغير أنماط الطقس في بحر العرب، وهي مظاهر مرتبطة بتغير المناخ العالمي، لكنها في اليمن وجدت أرضاً هشّة تفتقر إلى البنية والحوكمة والموارد.

اليمن في مهب الأعاصير والسيول

على مدى عقود، لم تعرف اليمن أعاصير استوائية بهذا التواتر. لكن منذ 2015، تحولت بعض مناطقها، خصوصاً المهرة وسقطرى، إلى مسرح لعواصف مدمرة. إعصار «تشابالا» وحده دمّر في 2015 أكثر من 11 ألف منزل، فيما ضرب «مكونو» جزيرة سقطرى بشدة عام 2018، تاركاً آلاف الأسر في العراء. وفي «تيج»، سجّل مطار الغيضة أكثر من 406 ملم من الأمطار خلال ساعات، أي ما يعادل عدة أضعاف المعدل السنوي.

قالت منظمة الصحة العالمية (WHO): «الأضرار التي لحقت بالبنية الصحية في المهرة وحضرموت نتيجة الإعصار أعاقت وصول مئات الأسر إلى الخدمات الطبية، وزادت من مخاطر تفشي الأمراض» (WHO، 2023).

لكن الكارثة لا تتوقف عند حجم الدمار؛ بل عند غياب أنظمة إنذار مبكر فعّالة وخطط للتخفيف من مخاطر الكوارث. عادة ما تكون الاستجابة محلية وطارئة: إغلاق مدارس، تحذير الصيادين، تشكيل لجان إغاثة، كل إعصار يمر يترك اليمنيين أضعف مما كانوا.

أزمة المياه: بلد يغرق بالفيضانات ويعطش في اليوم التالي

رغم السيول المتكررة، يواجه اليمن أزمة مياه هي الأخطر في المنطقة. قبل الحرب، قدّر البنك الدولي أن البلاد تستهلك نحو 3.5 مليار م³ من المياه سنوياً مقابل تجدد لا يتجاوز 2.1 مليار م³، ما يعني استنزافاً متواصلاً للأحواض الجوفية. الحرب والانقسام دمّرا مؤسسات إدارة المياه، فيما ازداد الاعتماد على المضخات الشمسية التي انتشرت منذ 2015.

يقول تقرير للبنك الدولي: «اليمن على حافة الإفلاس المائي. الحفر العشوائي، وغياب الضوابط على الضخ بالطاقة الشمسية، يدفعان البلاد نحو نقطة اللاعودة» (World Bank، 2020).

مزارع من عمران تحدث لمنظمة الإغاثة الدولية (ReliefWeb): «نضطر إلى حفر آبار أعمق كل عام. ما كنا نصل إليه على عمق 100 متر، صار يتطلب 200 متر وأكثر».

وفي المدن، تتفاقم الأزمة مع انهيار شبكات المياه العامة. النتيجة: ملايين الأسر تعتمد على صهاريج خاصة باهظة الثمن، ما يستهلك الجزء الأكبر من دخلها. وفي المخيمات، يؤدي نقص المياه النظيفة إلى تفشي الأمراض. عام 2017، شهد اليمن أكبر تفشٍ للكوليرا في التاريخ الحديث، حيث سجلت منظمة الصحة العالمية مليون حالة مشتبه بها.

الغابات والبحر: ثمن بيئي للحرب

مع شح الوقود وارتفاع أسعاره، عاد اليمنيون إلى الحطب والفحم. تقديرات مسؤولين بيئيين في صنعاء تشير إلى قطع 886 ألف شجرة سنوياً في العاصمة وحدها لتلبية احتياجات المطاعم والأفران. تقرير لوكالة «رويترز» نقل عن خبير بيئي يمني قوله: «الحرب لم تدمر البشر فقط، بل تلتهم الغطاء النباتي بسرعة غير مسبوقة» (Reuters، 2020).

وفي البحر الأحمر، شكّل خزان النفط العائم «صافر» قنبلة بيئية مؤجلة. على مدى سنوات، كان أكثر من مليون برميل نفط عالقاً في ناقلة متهالكة قرب الحديدة. في 2023، نجحت الأمم المتحدة في نقل الحمولة إلى سفينة بديلة، لكن كما قال المنسق الأممي: «نجحنا في تفادي الكارثة، لكن الخطر لم ينته. السفينة القديمة لا تزال متهالكة وتحتاج إلى معالجة» (UNDP، 2023).

النزوح وتقاطعات المخاطر

مع كل كارثة طبيعية، تتضاعف معاناة النازحين. تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى وجود 4.5 ملايين نازح داخلياً في اليمن حتى 2024. كثير منهم يعيشون في خيام أو مساكن مؤقتة في مناطق منخفضة، ما يجعلهم عرضة مباشرة للسيول والأعاصير.

إحدى الأمهات النازحات في مأرب قالت لـIOM: «هربنا من الحرب إلى المخيم، لكن السيل أخذ خيمتنا وكل ما نملك. لم يعد لدينا مكان نلجأ إليه».

الحوكمة البيئية الغائبة

تتوزع السلطة في اليمن اليوم بين جهات مختلفة: الحكومة المعترف بها دولياً في عدن، سلطات الأمر الواقع في صنعاء، ومجالس محلية وقوات في الجنوب والشرق. هذا الانقسام جعل من الصعب صياغة أو تنفيذ أي استراتيجية بيئية أو مناخية موحدة.

على الورق، قدّمت اليمن مساهمة وطنية محدّثة (NDC) ضمن اتفاق باريس للمناخ، لكن الانقسام وانعدام الموارد جعلاها بلا أثر فعلي. تقرير للبنك الدولي يلخص المعضلة: «السلام شرط أساسي لبناء صمود مناخي. دون مؤسسات فاعلة وموحدة، ستظل البلاد عرضة لكل أزمة» (World Bank، 2021).

كوفيد-19: أزمة ثقة وبيانات

زادت الجائحة الطين بلة. في صنعاء، قللت سلطات الأمر الواقع من شأن الوباء، وقيّدت تدفق المعلومات. منظمة «هيومن رايتس ووتش» قالت: «السلطات في صنعاء فرضت قيوداً على نشر المعلومات الصحية، مما منع الناس من اتخاذ قرارات مستنيرة» (HRW، 2020).

في المقابل، سعت الحكومة في عدن إلى تنفيذ بعض حملات التطعيم عبر مبادرة COVAX، لكنها واجهت نقصاً في الموارد ومشاكل لوجستية. النتيجة كانت تضارباً في البيانات، وضعفاً في ثقة الناس باللقاحات، وانتشار الشائعات.

الصحافة البيئية تحت الحصار

بالنسبة للصحفيين العلميين، تغطية هذه القضايا تكاد تكون مهمة مستحيلة. تضارب الأرقام بين الوكالات الأممية والسلطات المحلية يربك الصورة، بينما يمنع انعدام الأمن الصحفيين من الوصول إلى مناطق الكوارث. في كثير من الأحيان، يعتمدون على صور الأقمار الصناعية والتقارير الثانوية.

مبادرة «Rooted in Trust» التي درست التضليل خلال الجائحة في اليمن، أشارت إلى أن «بيئة المعلومات مشبعة بالشائعات، ما يجعل مهمة الصحافة العلمية في التحقق ونقل الحقيقة بالغة التعقيد» (Internews، 2021).

مستقبل على حافة الهاوية

اليمن اليوم بلد يعيش على خط المواجهة الأمامي مع تغير المناخ. أعاصير متكررة، سيول جارفة، أوبئة متفشية، وأحواض مائية تستنزف بلا توقف. ومع استمرار الحرب والانقسام، تصبح قدرة الدولة على حماية مواطنيها مناخياً وصحياً شبه معدومة.

يقول التقرير الصادر عن البنك الدولي (نوفمبر 2024) «النزاع المستمر عرقل مؤسسات الدولة وقلّص قدرتها على التكيف مع آثار التغير المناخي»، وهو ما يمكن تَفَهّمه ضمن سياق أن اليمن لا يمكن أن يبني صموداً مناخياً بينما الحرب تمزق مؤسساته. السلام ليس مجرد شرط للتنمية، بل شرط للبقاء. حتى يتحقق ذلك، يظل ملايين اليمنيين يواجهون كوارث المناخ والحرب وحدهم، بين خيم النزوح الجائعة وأراضٍ عطشى وأفقٍ محمّل بعواصف قادمة.

شاهد أيضاً

shell

قضية ميليوديفينسي ضد شل تكشف تحديات تحويل علم المناخ إلى التزامات قانونية على الشركات

بينما يكافح العالم للالتزام بأهداف اتفاق باريس للمناخ، لم تعد أزمة الاحترار العالمي شأناً علمياً …