في حين يربط أغلبنا بين سقوط النيازك وظهور الحفر العملاقة على سطح الأرض، تكشف دراسة جديدة من جامعة كاليفورنيا – سانتا باربرا عن نوع آخر من الكوارث الكونية، أكثر خفاءً وربما أكثر شيوعًا مما كنا نعتقد: الانفجارات الجوية الهابطة.
ما هي الانفجارات الجوية الهابطة؟
عندما يدخل نيزك أو مذنب الغلاف الجوي بسرعات هائلة، قد يتفتّت قبل أن يلامس سطح الأرض، مولّدًا انفجارًا قويًا يطلق حرارة وضغطًا شديدين، لكن دون أن يخلّف فوهة صدمية واضحة. هذه الظاهرة تجعل تتبّع مثل هذه الأحداث أمرًا صعبًا، ما يفسّر غيابها عن كثير من السجلات الجيولوجية.
دليل من أعماق البحار
استخدم فريق البحث عينات رسوبية من خليج بافن، قرب غرب غرينلاند، ليكشف لأول مرة آثارًا تعود إلى نحو 12,800 عام. يشير الباحثون إلى أن هذا الحدث قد ارتبط بفترة التبريد المفاجئ المعروفة باسم الانحسار الجّيلير (Younger Dryas)، وهي مرحلة شهدت تغيّرات بيئية ومناخية واسعة النطاق.
بصمات في لويزيانا
في جنوب شرق لويزيانا، تشير البيانات إلى وجود حفرة غامضة ربما نجمت عن انفجار جوي مشابه. التحاليل الأولية للرواسب كشفت وجود زجاج منصهر وحبيبات كوارتز متشققة بفعل ضغط شديد، وهي أدلة تشير عادة إلى أحداث تصادمية عنيفة.
أحداث تاريخية مشابهة
-
كارثة تونغوسكا (1908 – سيبيريا): انفجار هائل دمّر ملايين الأشجار، وتشير إعادة فحص العينات إلى وجود كوارتز مشوّه وزجاج ومعادن منصهرة، ما يدعم فرضية الانفجار الجوي.
-
تل الحمام (الأردن، العصر البرونزي الأوسط): تظهر الرواسب أنماط تصدع في الكوارتز تشبه تلك التي وُجدت في تونغوسكا، إضافة إلى مواد معدنية وزجاج منصهر، ما يوحي بانفجار جوي مدمر منذ نحو 3,600 عام.
أكثر شيوعًا مما نظن
وفق الفريق البحثي، تمثل هذه الأدلة المتفرقة من مواقع متباعدة خيطًا علميًا مهمًا يوحي بأن الانفجارات الجوية قد تكون جزءًا أكثر شيوعًا في تاريخ الأرض الجيولوجي والبيئي، وأن تأثيراتها قد تغيّر مجرى النظم البيئية والمناخية في لحظات.
ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر، رغم ندرتها النسبية مقارنة بالانفجارات البركانية أو الزلازل، تبقى تهديدًا قائمًا يصعب التنبؤ به أو رصده مسبقًا، خاصة إذا حدث فوق مناطق مأهولة.
كيف يميز العلماء الانفجارات الجوية عن غيرها من الأحداث؟
رغم أن الانفجارات الجوية لا تترك فوهات صدمية واضحة، إلا أن العلماء يعتمدون على بصمات جيولوجية دقيقة للتمييز بينها وبين الظواهر الأرضية الأخرى.
من أبرز هذه العلامات:
-
الكوارتز المشوّه (Shock Quartz): حبيبات كوارتز تظهر خطوطًا مجهرية متوازية ناجمة عن ضغط شديد وفوري، لا يمكن أن ينتج عن العمليات الجيولوجية العادية.
-
الزجاج المنصهر: يتشكل عندما تتعرض الصخور لحرارة هائلة خلال أجزاء من الثانية، ما يذيبها ثم يعيد تبريدها بسرعة.
-
المعادن الغريبة أو النيازكية: مثل حبيبات غنية بالنيكل أو الحديد، التي لا توجد عادة في قشرة الأرض.
-
أنماط التوزيع الميداني: انتشار الحطام أو الرماد المعدني على مساحة واسعة دون وجود فوهة، ما يشير إلى انفجار في الجو لا على سطح الأرض.
هذه الأدلة، عندما تُجمع من مواقع متعددة وتُحلّل باستخدام تقنيات المجهر الإلكتروني والتحليل الكيميائي الدقيق، تتيح للباحثين إعادة بناء أحداث قديمة لم يشهدها أي إنسان حي، لكنها تركت أثرها في صخور الأرض وتاريخها البيئي.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
