وجد فحص أجراه باحثون سعوديون على أكثر من 25 ألف نطاق محلي عيوبًا في تفويض نظام أسماء النطاقات لدى أكثر من نصف النطاقات المقاسة في كل فئة تقريبًا، لكن النتائج لا تعني أن نصف المواقع السعودية مخترقة أو متعطلة.
يمن ساينس – عبدالرحمن أبوطالب
قبل أن يفتح المستخدم موقع مستشفى أو جامعة أو جهة حكومية، تعمل في الخلفية بنية أساسية تحدد إلى أي خادم يجب توجيهه. إنها نظام أسماء النطاقات (DNS)، الذي يترجم أسماء المواقع المفهومة للبشر إلى العناوين الرقمية التي تستخدمها أجهزة الإنترنت.
دراسة حديثة لهذه البنية في السعودية وجدت أخطاء في إعداد التفويض لدى أكثر من نصف النطاقات التي فحصتها عبر مختلف الفئات، كما كشفت تفاوتًا واضحًا في مؤشرات القدرة على تحمل الأعطال. وسجلت النطاقات الصحية .med.sa أدنى مرتبة في المؤشر المركب الذي طوره الباحثون لمقارنة مرونة DNS بين الفئات السعودية.
لكن ذلك لا يعني أن نصف المواقع السعودية كانت متوقفة أو مخترقة. فالبحث يقيس خصائص ومواطن ضعف في طبقة DNS المرئية من خارج المؤسسات، وليس الأمن السيبراني الكامل للمواقع أو الجهات التي تديرها. كما لم يدرس الباحثون سجلات الانقطاعات الفعلية، ويقولون إن النتائج ينبغي تفسيرها باعتبارها مؤشرات إلى ارتفاع المخاطر التشغيلية في ظروف معينة، لا إثباتًا لحوادث تعطّل وقعت بالفعل.
أعد الدراسة فاطمة الحربي وحمود الحلماني وأحمد شُويل وعبير الهذلي، من جامعة طيبة وجامعة الملك عبدالعزيز وشركة Cybersee. وتضم قاعدة بياناتهم 25,811 نطاقًا سعوديًا أساسيًا، أي نحو 35.2% من 73,327 نطاقًا كانت مسجلة وفق إحصاءات السجل المتاحة خلال فترة الدراسة. ولذلك يصف الباحثون بياناتهم بأنها تغطية واسعة للمنظومة السعودية القابلة للرصد، لا تعدادًا كاملًا لجميع النطاقات المسجلة.
أخطاء تفويض تتجاوز النصف
من أبرز النتائج ما يتعلق بـتفويض DNS: المعلومات التي تخبر شبكة الإنترنت عن خوادم الأسماء المسؤولة عن نطاق معين.
وجد الباحثون أن نسبة النطاقات التي ظهر لديها نوع واحد على الأقل من عيوب التفويض تراوحت بين 51.3% و53.3% في الفئات التي درسوها. وكانت سجلات المساعدة المفقودة، المعروفة تقنيًا باسم glue records، أكثر المشكلات انتشارًا، إذ تجاوزت 24% في جميع الفئات، تلتها حالات عدم التطابق بين خوادم الأسماء بنحو 17 إلى 20%، ثم ما تصفه الدراسة بالمناطق اليتيمة عند نحو 8%.
ولتقليل احتمال احتساب خلل عابر بسبب الشبكة على أنه مشكلة ثابتة، كرر الباحثون الاستعلامات إلى خوادم النطاق الأب والابن، وقصروا حساب هذه العيوب على النطاقات التي ظلت نشطة خلال جولات القياس المتكررة.
يمكن لهذه العيوب، بحسب الدراسة، أن تزيد زمن الاستجابة أو تؤدي في بعض الظروف إلى فشل متقطع أو كامل في العثور على عنوان النطاق. لكن الورقة لا تثبت أن تلك النتائج حدثت فعليًا لكل نطاق ظهر فيه خلل، وهو فارق مهم بين وجود عامل خطر ووقوع العطل نفسه.
لماذا برزت النطاقات الصحية؟

قاس الباحثون المرونة عبر سبعة أبعاد، منها تعدد خوادم الأسماء وتنوع الشبكات التي تستضيفها، وصحة التفويض، والاعتماد على مزودي الخدمات الخارجيين، واتساق بيانات النطاق بين مستوياته، واستخدام تقنية Anycast، وتبني DNSSEC، وكفاءة التخزين المؤقت.
ثم دمجوا هذه الأبعاد في مؤشر مركب لمرونة DNS (CDRI). وحصلت .med.sa على 0.097، وهي أدنى نتيجة بين الفئات العشر المقاسة، بسبب اجتماع نقاط ضعف نسبية في التكرار وصحة التفويض وAnycast وكفاءة التخزين المؤقت.
ولا تعني القيمة 0.097 أن النطاقات الصحية «آمنة بنسبة 9.7%». فالمؤشر مبني على تطبيع النتائج ومقارنتها بالفئات الأخرى داخل مجموعة الدراسة، ويؤكد الباحثون أنه ليس مقياسًا مطلقًا للأمان أو للامتثال إلى معيار خارجي. وقد تتغير قيمته إذا تغيرت مجموعة النطاقات الداخلة في المقارنة.
مع ذلك، لم تكن مرتبة .med.sa الأخيرة ناتجة فقط عن اختيار وزن معين للمؤشر. فقد أعاد الباحثون الحساب باستخدام نظامي أوزان بديلين، وظلت النطاقات الصحية في المرتبة العاشرة في الحالات الثلاث، فيما حافظت .sa و.gov.sa و.edu.sa و.com.sa على المراتب الأربع الأولى.
كما تدعم بعض المقاييس المستقلة هذه الصورة. فقد بلغ استخدام Anycast، وهي تقنية تتيح تقديم خدمة DNS نفسها من مواقع شبكية متعددة، 4.7% في .med.sa، مقابل 13.4% في .gov.sa. وبلغ عدم الاتساق بين معلومات خوادم الأسماء لدى النطاق الأب والابن 9.1% في النطاقات الصحية، مقابل 4% في .sa.
ولا تتيح هذه النتائج الحكم على البنية الرقمية للقطاع الصحي بكاملها. فالدراسة ترى إعدادات DNS العامة من الخارج ولا ترى جميع ترتيبات النسخ الاحتياطي أو الاستعادة أو الحماية الداخلية، وهو قيد يذكره المؤلفون صراحة عند تفسير انخفاض ترتيب القطاع الصحي.
ليست المسألة عدد الخوادم وحده
أحد مبادئ مرونة DNS هو ألا يعتمد النطاق على نقطة واحدة يمكن أن يؤدي فشلها إلى تعطيل الخدمة. ولا يتعلق ذلك بعدد خوادم الأسماء وحده، بل أيضًا بتوزيعها على شبكات مختلفة بحيث لا تتعطل كلها بسبب المشكلة نفسها.
وجدت الدراسة أن متوسط عدد خوادم الأسماء الموثوقة تراوح بين 2.16 و2.79 خادمًا لكل نطاق بحسب الفئة. كما ظهرت فروق في التنوع الشبكي؛ ففي .med.sa مثلًا، كان 25.1% فقط من النطاقات ذات الخوادم المتعددة موزعًا على أكثر من نظام شبكي مستقل، مقابل نسب أعلى في بعض الفئات الأخرى.
وتتعمد هذه الصياغة عدم استخدام بعض نسب «النطاقات ذات الخادم الواحد» الواردة في النسخة الحالية من الدراسة، بسبب عدم اتساق حسابي ظاهر في جدول التكرار المنشور في المخطوط المقبول، وهي نقطة تحتاج إلى توضيح في النسخة النهائية.

حماية تشفيرية ما تزال محدودة
اختبرت الدراسة أيضًا تبني DNSSEC، وهي امتدادات أمنية تستخدم التوقيعات التشفيرية لمساعدة الأجهزة على التحقق من أن بيانات DNS أصلية ولم يجر التلاعب بها.
وكانت .gov.sa الأعلى تبنيًا داخل عينة الباحثين بنسبة 13.2%. ويشدد البحث على أن انخفاض تبني DNSSEC لا يعني انخفاض توافر الموقع بالضرورة؛ فهذه التقنية تتعلق أساسًا بالتحقق من سلامة وأصالة بيانات DNS، وليس بقياس توفر الخدمة ككل.
ثلاثون عامًا من البيانات.. وأربعة أشهر لقياس المرونة
تصف الدراسة نفسها بأنها «طولية»، إذ استخدمت مشاهدات DNS تاريخية تمتد من 1994 إلى 2024. لكن ذلك لا يعني أن الباحثين أعادوا قياس مرونة النطاقات طوال ثلاثين عامًا.
استخدمت البيانات التاريخية لاكتشاف النطاقات وإعادة بناء تطور المنظومة المرصودة، بينما حُسبت مؤشرات المرونة السبعة كلها من حملة قياس نشطة أجريت بين 4 سبتمبر و30 ديسمبر 2024. وهذه التفرقة ضرورية عند تفسير النتائج أو صياغة العناوين عنها.
كما أن البيانات ليست عينة عشوائية تمثل كل نطاق سعودي بنفس الاحتمال؛ فقد جمعت بوسائل اكتشاف نشطة وسلبية متعددة. وتشير الدراسة إلى أن بعض النطاقات قد تظل غير مرصودة بسبب حدود هذه الأساليب.
وتضيف قيود أخرى: أجريت القياسات النشطة من نقطة جغرافية واحدة، ما قد لا يعكس جميع الاختلافات في التوجيه والأداء من مناطق أخرى؛ واستُدل على استخدام Anycast من إشارات شبكية قد تنتج عنها بعض التصنيفات الخاطئة؛ كما استخدم الباحثون Google Public DNS عند اختبار التحقق من DNSSEC، لذلك يصفون النتائج بأنها تمثيلية وليست خاصية ثابتة مستقلة عن نوع المحلل المستخدم.
ولا تزعم الدراسة أن المشكلات المرصودة فريدة في السعودية. بل يقول الباحثون إن أنماطًا مثل ضعف التكرار وأخطاء التفويض وبطء نشر DNSSEC ظهرت في دراسات دولية سابقة، مع تحذيرهم من المقارنات الرقمية المباشرة بسبب اختلاف العينات والمناهج.
في المقابل، لم تكن الصورة متشابهة بين جميع الفئات السعودية. فقد سجل نطاق .sa أعلى نتيجة في المؤشر المركب عند 0.623، تلاه .gov.sa عند 0.549، بينما جاءت .med.sa في المؤخرة.
ويقترح الباحثون تحسين توزيع خوادم الأسماء على شبكات مستقلة، ومعالجة أخطاء التفويض، وتوسيع DNSSEC وAnycast، وإجراء اختبارات آلية للاتساق بين سجلات النطاقات. وهي توصيات المؤلفين المبنية على نتائج القياس وإرشادات تشغيل DNS، وليست دليلًا على وقوع أعطال بعينها.

تكشف الدراسة، في المحصلة، عن مفارقة مهمة في البنى الرقمية: وجود الخدمة على الإنترنت ليس وحده مقياس المتانة؛ فالسؤال الآخر هو ما إذا كانت هناك مسارات مستقلة وصحيحة كافية للوصول إليها عندما يفشل جزء من الشبكة. وهذه هي الحدود الدقيقة لما قاسه البحث: مرونة طبقة أساسية من الإنترنت، لا درجة الأمان الشاملة للمواقع أو المؤسسات السعودية.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
