كيف تحاول أوروبا تحديد معايير قياس الاستدامة عالمياً؟
لا يكتفي الاتحاد الأوروبي بوضع قواعد تنظيمية لسوق البطاريات فحسب، بل يسعى إلى فرض معايير دقيقة لإثبات استدامتها. في تحليل نشرته مجلة Science في 20 أغسطس/آب 2026، يطرح الباحثون رؤية مفادها أن نفوذ الاتحاد الأوروبي قد يتجاوز الحدود التقليدية؛ ليطال تحديد البيانات والمنهجيات المعتمدة لإثبات البصمة الكربونية للبطاريات، في وقت تعتمد فيه أوروبا بشكل كلي تقريباً على سلاسل توريد عالمية تقع خارج حدودها.
ما وراء “تأثير بروكسل”
يُطرح سؤال جوهري: كيف نحدد أن بطارية السيارة الكهربائية “مستدامة”؟ لا تقتصر الإجابة على قياس الانبعاثات الناتجة عن التصنيع فحسب، بل تمتد لتشمل أسئلة أكثر عمقاً: ما البيانات المستخدمة للحساب؟ ما هي المنهجية المتبعة؟ ومن الجهة المخولة بالتحقق من النتائج؟
يرى التحليل أن تنظيم الاتحاد الأوروبي للبطاريات يمثل شكلاً جديداً مما يُعرف بـ “تأثير بروكسل”؛ فبدلاً من الاكتفاء بوضع قواعد الامتثال للمنتج، يمتد النفوذ الأوروبي ليشمل “كيفية إنتاج الدليل” الذي يثبت هذا الامتثال. وتكتسب هذه القضية أهميتها نظراً لأن البطارية – كمنتج – ليست أوروبية بالكامل؛ إذ تبدأ مراحل التعدين ومعالجة المواد الخام وتصنيع المكونات في دول مختلفة حول العالم.
البطارية وسلسلة القيمة العالمية
تفرض لائحة البطاريات الأوروبية رقم 2023/1542 إعداد “إعلان للبصمة الكربونية” لبطاريات المركبات الكهربائية، والبطاريات الصناعية القابلة لإعادة الشحن (سعة أكبر من 2 كيلوواط/ساعة)، وبطاريات وسائل النقل الخفيفة. يجب أن يوضح الإعلان قيمة البصمة الكربونية لكل كيلوواط/ساعة طوال العمر الافتراضي للبطارية، مع توزيع البصمة على مراحل دورة الحياة.
تحدد اللائحة الإطار العام، بينما تُترك التفاصيل الفنية للتشريعات الثانوية. وتتضمن المنهجية المقترحة مراحل تبدأ من استخراج المواد الخام، مروراً بالتصنيع والتوزيع، وصولاً إلى إعادة التدوير، مع استثناء الكهرباء المستخدمة في التشغيل.
هنا تبرز المفارقة: وفقاً لأرقام التحليل، تمتلك أوروبا حصة ضئيلة من الإنتاج العالمي (تعدين الليثيوم يقترب من الصفر، الكوبالت أقل من 5%، ومعالجة الليثيوم والكاثودات أقل من 1%). وفي المقابل، تعتمد أوروبا على الواردات لتلبية أكثر من 80% من احتياجاتها من المواد الخام، و100% من الليثيوم المعالج. هذا التفاوت يطرح تحدياً حقيقياً: تطبيق معايير أوروبية صارمة لقياس الاستدامة على منتج تعتمد سلاسل إمداده على قارات متعددة.
الدليل كجزء من القاعدة
لا يتوقف الأمر عند الرقم النهائي للبصمة الكربونية، فالنظام الأوروبي يعتمد على قواعد بيانات مرتبطة بمنهجية “البصمة البيئية” الأوروبية، وعلى بيانات ثانوية من “شبكة بيانات دورة الحياة الأوروبية”. يرى الباحثون أن هذا يعني مشاركة الاتحاد الأوروبي في تحديد “ما هو مقبول” من بيانات وطرق حساب، وليس فقط النتيجة النهائية.
وعلى الرغم من أن التوحيد يعزز من قابلية المقارنة، إلا أنه قد يخلق عوائق عند التطبيق على ظروف إنتاج متنوعة. فعلى سبيل المثال، تعتمد المنهجية على “متوسط مزيج الكهرباء الوطني”، وهو معيار قد لا يعكس الواقع الفعلي للمصنع؛ إذ قد تختلف كثافة الانبعاثات بين منطقة وأخرى داخل الدولة الواحدة. فالمشكلة ليست في أن المتوسط الوطني “خاطئ”، بل في أن البيانات الأكثر قرباً للواقع قد لا تُقبل إذا لم تتوافق مع تسلسل الأدلة الذي تحدده المنهجية الأوروبية.
من الامتثال إلى المعيارية العالمية
تقليدياً، يعني “تأثير بروكسل” دفع الأطراف الخارجية لمواءمة قواعدها مع القواعد الأوروبية لضمان الوصول للسوق. لكن مؤلفي التحليل يقترحون توسيع هذا التأثير ليشمل “قواعد قياس الأداء والإبلاغ”. ويعد “جواز سفر البطارية” مثالاً مبكراً؛ فقد أثرت عناصر من الإطار الأوروبي في جواز السفر الطوعي للتحالف العالمي للبطاريات، بينما تستكشف دول كاليابان وكوريا الجنوبية وكندا أطرًا مشابهة. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذا لا يعني تحول النظام الأوروبي تلقائياً إلى معيار عالمي موحد، فالتأثير متبادل وتطوري.
تحديات التكلفة والتعقيد
أشار التحليل أيضاً إلى معضلة “كلفة إنتاج الأدلة”. فالحصول على بيانات تفصيلية من الموردين عبر سلاسل قيمة عالمية أمر معقد، وقد تكون بعض البيانات حساسة تجارياً. ويحذر الباحثون من أن الإفراط في متطلبات التدقيق قد يستنزف موارد الشركات في الامتثال التنظيمي بدلاً من توجيهها نحو خفض الانبعاثات الفعلي، خاصة في الدول التي تفتقر إلى بنية تحتية قوية للبيانات.
نحو توافق عالمي
واذا كان الباحثون يقدمون بديلاً عقلانياً يتمثل في “التوفيق بين المنهجيات” بدلاً من فرض نموذج أحادي؛ وذلك عبر: تطوير طرق شفافة لمقارنة البيانات الناتجة عن أطر مختلفة، والسماح باستخدام بيانات أكثر دقة للمنشأة أو المنطقة (بدلاً من المتوسطات الوطنية)و توسيع مشاركة دول التعدين والإنتاج في إدارة قواعد البيانات ومراجعة المنهجيات.
تمثل البطاريات حالة اختبار لمستقبل “جوازات المنتجات الرقمية” الأوروبية، والتي قد تمتد لاحقاً لتشمل المنسوجات والإلكترونيات. لقد تحول السؤال من “كم تبلغ انبعاثات هذه البطارية؟” إلى “من يمتلك سلطة تحديد الطريقة التي نعرف بها انبعاثاتها؟”.
إن الاختبار الحقيقي للنظام الأوروبي لن يكون في قدرته على فرض قواعده فحسب، بل في نجاحه في إنتاج أدلة موثوقة وعادلة في صناعة لا تعترف بالحدود الجغرافية.
عمر الحياني
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
