الرئيسية / أبحاث و دراسات / دراسة يمنية عن دور الحشرات في كشف زمن الوفاة تفتح بابًا جديدًا في التحقيقات الجنائية
مواقع البحث الثلاث المختلفة في مدينة ذمار: حديقة نباتية، ومنطقة زراعية مكشوفة، ومختبر داخلي في كلية الزراعة بجامعة ذمار.
مواقع البحث الثلاث المختلفة في مدينة ذمار: حديقة نباتية، ومنطقة زراعية مكشوفة، ومختبر داخلي في كلية الزراعة بجامعة ذمار.

دراسة يمنية عن دور الحشرات في كشف زمن الوفاة تفتح بابًا جديدًا في التحقيقات الجنائية

في مختبر بمدينة ذمار اليمنية، لم تكن الأرانب المستخدمة في تجربة علمية مجرد عينات بيولوجية، بل تحولت إلى نافذة لفهم واحد من أكثر الأسئلة تعقيدًا في التحقيقات الجنائية: متى حدثت الوفاة؟

فريق بحثي من جامعتي صنعاء وذمار أجرى دراسة تتبعت مراحل تحلل الجيف وتعاقب الحشرات التي تصل إليها، في محاولة لبناء قاعدة بيانات محلية تساعد مستقبلاً في تقدير زمن الوفاة بدقة أكبر، اعتمادًا على ما يُعرف بعلم الحشرات الجنائي.

ويُعد هذا المجال من العلوم الجنائية أداة متزايدة الأهمية في التحقيقات حول العالم، إذ يعتمد على مراقبة الحشرات التي تستعمر الجثث بعد الوفاة، وتحديد توقيت ظهورها واختفائها، باعتبار أن لكل نوع “جدولًا زمنيًا” يرتبط بمراحل التحلل المختلفة.

بين الحديقة والمختبر

أجرى الباحثون تجاربهم في ثلاثة مواقع مختلفة بمدينة ذمار: حديقة نباتية، ومنطقة زراعية مفتوحة، ومختبر داخلي في كلية الزراعة بجامعة ذمار. واستخدموا ثلاثة أرانب لمراقبة الفروق في سرعة التحلل ونشاط الحشرات بين البيئات المختلفة.

وأظهرت النتائج أن البيئة المحيطة تلعب دورًا حاسمًا في تحديد سرعة التحلل. ففي الحديقة النباتية والمختبر الداخلي وصلت الجيف إلى مرحلة الجفاف الكامل خلال نحو 30 يومًا، بينما احتاجت الجيف الموضوعة في المنطقة الزراعية إلى 52 يومًا تقريبًا للوصول إلى المرحلة نفسها. ويعزو الباحثون ذلك إلى اختلاف درجات الحرارة والرطوبة وطبيعة الموقع المحيط بالجثة.

الحشرات كأدلة جنائية

خلال فترة الدراسة، جمع الباحثون أكثر من 1200 عينة من الحشرات، كان أغلبها في المواقع الخارجية. وبرز نوع من الذباب الأخضر المعدني يُعرف علميًا باسم Chrysomya albiceps بوصفه الأكثر حضورًا في المراحل المبكرة من التحلل، ما يجعله مؤشرًا مهمًا لتقدير زمن الوفاة.

ولم يكن الذباب وحده حاضرًا. فمع تقدم مراحل التحلل بدأت أنواع أخرى بالظهور، بينها خنافس ونمل ارتبط وجودها بمراحل متأخرة من التفكك. ويشير الباحثون إلى أن هذا “التعاقب الحشري” يشبه إلى حد بعيد ساعة بيولوجية يمكن من خلالها تقدير الفترة الزمنية منذ الوفاة.

كما لاحظت الدراسة أن الجيف المعرضة للشمس جذبت تنوعًا أكبر من الحشرات مقارنة بالجيف الموجودة في الظل أو داخل المختبرات، وهو ما يتفق مع دراسات جنائية أُجريت في دول أخرى ذات مناخات مختلفة.

أول قاعدة بيانات محلية

تكمن أهمية الدراسة، بحسب الباحثين، في أنها توفر بيانات أولية نادرة عن الحشرات الجنائية في اليمن، حيث ما يزال هذا المجال محدود الحضور في الأبحاث العلمية المحلية.

ويقول معدّو الدراسة إن الاعتماد على قواعد بيانات أجنبية قد لا يكون دقيقًا دائمًا، لأن سلوك الحشرات يتغير تبعًا للمناخ والبيئة المحلية. ولهذا فإن بناء مرجع يمني لأنواع الحشرات المرتبطة بتحلل الجيف قد يساعد مستقبلاً خبراء الطب الشرعي في القضايا الجنائية.

وسجل الباحثون أيضًا ظهور نوع من الخنافس يُعرف باسم Creophilus maxillosus للمرة الأولى في مدينة ذمار، وهو ما اعتبروه إضافة علمية مهمة لفهم التنوع الحشري المرتبط بالتحلل في اليمن.

حدود الدراسة

ورغم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يشير الباحثون إلى أنها ما تزال في إطارها الأولي، إذ اقتصرت على عدد محدود من المواقع والفترات الزمنية، كما استُخدمت الأرانب بدلًا من نماذج حيوانية أكبر تُستخدم عادة في الدراسات الجنائية العالمية.

لكنهم يرون أن هذه الخطوة قد تمهد لتوسيع الأبحاث مستقبلًا لتشمل مناطق يمنية أخرى وفصولًا مناخية مختلفة، بما يساعد على تطوير علم الحشرات الجنائي محليًا، وإدخال الأدلة الحشرية ضمن أدوات التحقيق والطب الشرعي في البلاد.

شاهد أيضاً

guillan

متلازمة غيلان باريه في اليمن .. دراسة تكشف الأعراض والعلاج وعوامل الخطر

في مستشفيات صنعاء، حيث تتقاطع التحديات الطبية مع محدودية الموارد، يكشف بحث علمي جديد عن …