الرئيسية / أبحاث و دراسات / هل يعيد التغير المناخي الحالي سيناريو الانقراض الأعظم؟
51445309946_a73d7d89fd_w

هل يعيد التغير المناخي الحالي سيناريو الانقراض الأعظم؟

قبل 252 مليون عام، شهد كوكب الأرض أكبر كارثة انقراض جماعي عرفها التاريخ، أطلق عليها العلماء اسم “الانقراض الأعظم” أو “الموت العظيم”. خلال هذه الكارثة، اختفى أكثر من 80% من الأنواع البحرية، مما أدى إلى اختلال واسع النطاق في النظم البيئية للمحيطات. لكن ما تلا ذلك كان أكثر غرابة: فترة طويلة من الزمن أطلق عليها العلماء “الرتابة العظمى”، حيث أصبحت المجتمعات البحرية متشابهة بشكل غير معتاد من خط الاستواء إلى القطبين.

لطالما حاول الباحثون فهم سبب هذا التشابه العالمي، وهو نمط شوهد بعد عدة انقراضات جماعية أخرى على مدار نصف مليار عام. الآن، تمكن علماء من جامعة ستانفورد من الكشف عن السبب المحتمل لهذا التجانس البيولوجي. فقد أظهرت دراستهم، التي نُشرت في مجلة Science Advances في 26 مارس، أن التغيرات البيئية العميقة بعد الانقراض العظيم هي التي سمحت لعدد قليل من الناجين بالتوسع والانتشار عبر البحار.

لغز البقاء والتوسع

اعتمد الباحثون في دراستهم على السجل الأحفوري للكائنات البحرية، وهو أوثق دليل على تأثير الانقراض، واستخدموا نموذجًا متطورًا لمحاكاة الظروف البيئية للمحيطات بعد الكارثة. ووجدوا أن الأنواع التي نجت، مثل المحار والقواقع والرخويات، تمكنت من الازدهار في بيئة أصبحت أكثر دفئًا وأقل احتواءً على الأكسجين.

يقول جوناثان باين، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ علوم الأرض والكواكب في مدرسة ستانفورد للاستدامة:

“بالنسبة لنا في علم الأحافير، هذا النموذج يعادل ما يفعله علماء المناخ عند بناء نماذج حاسوبية للتنبؤ بتغيرات الأرض. الآن يمكننا دراسة الانقراضات الجماعية الكبرى بطريقة جديدة، ما يمنحنا رؤية أوضح حول أسباب نجاة بعض الكائنات وفناء أخرى.”

الاحتباس الحراري والانقراض العظيم

يعتقد العلماء أن السبب الرئيسي وراء هذه التغيرات الجذرية في النظم البيئية كان الانفجارات البركانية الهائلة التي وقعت في سيبيريا الحديثة قبل 252 مليون عام. أدى ذلك إلى ارتفاع شديد في درجات الحرارة، ونقص الأكسجين، وزيادة حموضة المحيطات، ما تسبب في انهيار معظم الحياة البحرية.

لكن الغريب هو أنه بعد هذه الكارثة، بدأت بعض الكائنات الناجية، التي كانت تعيش في بيئات محددة، بالانتشار في جميع أنحاء العالم. لتوضيح هذه الظاهرة، تقدم جود الأسود، المؤلفة الرئيسية للدراسة وطالبة الدكتوراه في علوم الأرض والكواكب، تشبيهًا حديثًا:

“تخيل لو سألك أحدهم اليوم عن موطن الكنغر، ستقول أستراليا. لكن ماذا لو وقعت كارثة كبرى مثل انفجار بركاني ضخم، وفجأة أصبحت ترى الكنغر في القطب الجنوبي، بجانب الأهرامات في مصر، وحتى في شوارع كاليفورنيا!”

هل يعيد التاريخ نفسه؟

وجد الباحثون أن التجانس الكبير الذي حدث بعد الانقراض العظيم لم يكن بسبب انهيار السلاسل الغذائية فحسب، بل بسبب التغيرات البيئية التي خلقت ظروفًا مثالية لعدد محدود من الأنواع. يقول باين:

“توصلنا إلى تفسير بسيط يعتمد على البيئة بدلاً من العوامل البيئية المعقدة، وهو أن بعض الناجين تمكنوا من التكيف مع البيئة الجديدة بشكل أفضل من غيرهم، مما أدى إلى سيطرتهم على المحيطات.”

إلى جانب الكشف عن أسرار الماضي، يمكن أن تساعد هذه الدراسة العلماء في فهم الأزمة البيئية الحالية التي يتسبب فيها النشاط البشري. فقد كتب المؤلفون في دراستهم:

“أزمة التنوع البيولوجي الحالية قد تؤدي إلى تغييرات في النظم البيئية تفوق تلك التي حدثت بعد الانقراض الأعظم.”

يسعى الباحثون الآن إلى توسيع نطاق دراستهم لتشمل انقراضات جماعية أخرى، مثل انقراض العصر الطباشيري الذي قضى على الديناصورات.

مستقبل الحياة البحرية في ظل التغير المناخي

تحذر جود الأسود من أن ما حدث بعد الانقراض العظيم قد يكون لمحة عما سيحدث في المستقبل، قائلة:

“مع تغير المناخ الذي يسببه الإنسان، هناك تحذيرات من أننا قد نشهد تجانسًا بيولوجيًا مماثلًا في محيطات العالم.”

شارك في هذه الدراسة باحثون آخرون من جامعة ستانفورد، بينهم بيدرو موناريز، ومحمد بزي، بالإضافة إلى علماء من جامعة برينستون. تم دعم البحث من قبل مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية.

يُظهر البحث أن فهم تأثيرات التغيرات البيئية في الماضي يمكن أن يساعدنا في توقع المستقبل. فهل يمكن أن نمنع تكرار كارثة الانقراض الأعظم؟ أم أننا نسير نحو “رتابة عظمى” جديدة في محيطاتنا بسبب التغير المناخي الذي تسببنا فيه؟

شاهد أيضاً

صورة من مدينة المكلا حضرموت للمصور البجيكي دان.

تلوث بيئي يهدد الحياة البحرية على امتداد سواحل حضرموت في اليمن

كشفت دراسة علمية حديثة أن الرواسب البحرية على سواحل المكلا وبروم في محافظة حضرموت لم …