الرئيسية / أبحاث و دراسات / الشعاب المرجانية.. هل تملك ترف الوقت للتعافي؟
شعاب مرجانية

الشعاب المرجانية.. هل تملك ترف الوقت للتعافي؟

عمر الحياني*

كشف أحدث تقييم عالمي للشعاب المرجانية تراجعاً في الغطاء المرجاني الصلب، إلا أن الصورة التي يرسمها التقييم أكثر تعقيداً من مجرد “انهيار” شامل؛ إذ تشير البيانات إلى مشهد متباين: بعض الشعاب تظهر مرونة وقدرة على التعافي بعد الاضطرابات، بينما تواجه أخرى صدمات مناخية متقاربة لا تمنحها الفاصل الزمني الكافي لاستعادة توازنها.

 

إن بقاء الشعاب المرجانية لا يعتمد فقط على قدرتها على النجاة من موجة تبييض واحدة، بل على “المساحة الزمنية” التي تليها. ومع تكرار موجات الحرارة والتبييض الجماعي”هو ظاهرة بيئية خطيرة تحدث عندما تتعرض الشعاب المرجانية لإجهاد شديد، فتطرد الطحالب الملونة التي تعيش في أنسجتها وتمدها بالغذاء واللون، مما يؤدي إلى تحولها للون الأبيض ” وأصبحت هذه الفواصل الزمنية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

يقدم “تقرير حالة الشعاب المرجانية في العالم 2025″، الصادر عن الشبكة العالمية لرصد الشعاب المرجانية، رؤية شاملة هي الأوسع من نوعها حتى الآن، مستنداً إلى أكثر من 21.1 مليون ملاحظة و87,300 مسح ميداني في 36,900 موقع عبر 120 دولة وإقليماً.

 

تُظهر البيانات تراجعاً في متوسط غطاء المرجان الصلب عالمياً من نحو 30.2% خلال الفترة (1980–2009) إلى 27.3% خلال (2020–2024)، أي بانخفاض نسبي بلغ حوالي 9.5%. وفي عام 2024، استقر التقدير العالمي عند 25.8%. لكن، خلف هذه الأرقام تكمن القصة الحقيقية: فقد قدّر التقرير انخفاضاً نسبياً بنحو 8.9% بين عامي 2023 و2024 وحدهما، وهي أكبر خسارة سنوية مسجلة، وهو مؤشر على وتيرة متسارعة للإجهاد لا تعني بالضرورة اختفاءً كلياً بقدر ما تعني تراجعاً في المتوسط العام للغطاء الحي.تواتر الاضطرابات: الحلقة الأضعف

أربع موجات كبيرة

لا تسير خسارة الشعاب في خط مستقيم، بل تأتي على شكل انخفاضات حادة تتزامن مع موجات التبييض الجماعي. يرصد التقرير أربع فترات مفصلية شهدت تراجعاً عالمياً كبيراً: (1998–1999)، و(2010–2011)، و(2016–2017)، وأخيراً (2023–2024)، حيث تراوحت الخسارة النسبية في كل فترة بين 6.5% و9.9%.انفوجرافيك - الشعب المرجانية

 

وتكمن خطورة التقرير في كشفه أن المشكلة ليست في قدرة المرجان على تحمل اضطراب واحد، بل في تقارب هذه الاضطرابات. فعندما تأتي موجة حرارة جديدة قبل اكتمال عملية التعافي، تبدأ الشعاب “الجولة التالية” وهي في وضع أكثر ضعفاً. وقد أكدت نماذج المحاكاة التي أجرها الباحثون أن تقصير الفواصل الزمنية بين هذه الاضطرابات يدفع الشعاب نحو مسارات أكثر سلبية.التباين الإقليمي: لا تعميم في النتائج .

العالم ليس شعاباً واحدة

من الخطأ إسقاط النتيجة العالمية على كل موقع؛ فالتقرير يكشف فروقاً جوهرية. بينما أظهرت مناطق كالكاريبي وأستراليا والمحيط الهادئ ومنطقة بحر (ROPME)* أدلة على انخفاض طويل الأمد، سجلت مناطق أخرى مؤشرات تعافٍ. هذا التباين يؤكد أن مستقبل الشعاب لا تمليه الحرارة وحدها، بل تتداخل معه ضغوط محلية كالتلوث، والأعاصير، والتنمية الساحلية، والأنشطة البشرية.

البحر الأحمر: التعافي ممكن، لكنه ليس مضموناً

وفي هذا السياق، يقدم “البحر الأحمر” مفارقة لافتة؛ ففي جزئه الشمالي، ارتفع غطاء المرجان الصلب من 23.1% بعد تبييض عام 2016 إلى 33.5% خلال (2020–2024)، مما يدل على استمرارية القدرة على التعافي. لكن في المقابل، شهد البحر الأحمر المركزي انخفاضات متتالية نتيجة الإجهاد الحراري في عامي (2015-2016) و(2023-2024).هل وصلنا إلى نقطة اللاعودة؟

 

شعاب مرجانية تعرضت للتبييض
شعاب مرجانية تعرضت للتبييض

رغم الأرقام المقلقة، لا يخلص التقرير إلى أن الشعاب العالمية قد وصلت إلى نقطة اللاعودة. فمتوسط غطاء الطحالب الكبيرة عالمياً، رغم ارتفاعه بنسبة 44.1% مقارنة بالفترة المرجعية، لا يزال عند مستوى منخفض (6.8%)، ولا يدعم التقرير فرضية أن “الطحالب تستبدل المرجان في كل مكان”.

ليست نقطة اللاعودة

إن الرسالة الأهم التي يتركها التقييم هي إعادة صياغة السؤال الجوهري: لم يعد السؤال “كم فقدنا؟” فقط، بل “كم من الوقت تملك الشعاب لاستعادة عافيتها قبل الصدمة التالية؟”. فالمرجان لا يزال يمتلك قدرة فطرية على البناء والتعافي، لكن هذه القدرة ليست مطلقة، وهي اليوم تواجه اختباراً قاسياً بسبب وتيرة الاضطرابات التي لم تعد تمنح الطبيعة فرصة لالتقاط أنفاسها.

 

*صحفي يمني متخصص في الشؤون العلمية.

 

(هوامش)

 

  • منطقة بحر روبمي (ROPME Sea Area): هو المسطح المائي المحيط بالدول الثماني الأعضاء في المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، ويضم الخليج العربي وبحر عمان وأجزاء من بحر العرب.

 

 

 

شاهد أيضاً

bulent_jet

كيف تساعد أجهزة رصد الزلازل والموجات دون الصوتية في قياس رياح الأعاصير؟

لا تترك الأعاصير آثارها في الأشجار والمباني والبحار فقط؛ فضغطها الجوي المضطرب يترك أيضًا بصمة …