لا تترك الأعاصير آثارها في الأشجار والمباني والبحار فقط؛ فضغطها الجوي المضطرب يترك أيضًا بصمة دقيقة على سطح الأرض يمكن لأجهزة علم الزلازل التقاطها. والآن، أظهر علماء أن هذه الإشارات الخفية قد تتحول إلى وسيلة جديدة لمراقبة الرياح والاضطرابات الجوية داخل الأعاصير، بما يوفر للباحثين نافذة إضافية على واحدة من أكثر مناطق العاصفة صعوبة في القياس المباشر.
وفي دراسة قادها الباحث تشينغ جي، بمشاركة إيبشيتا دي وإريك إم. دانهام، استخدم فريق بحثي من كلية ستانفورد دوير للاستدامة بجامعة ستانفورد، بالتعاون مع المركز الوطني لعلوم الغلاف الجوي وقسم الأرصاد الجوية بجامعة ريدينغ، بيانات زلزالية وموجات دون صوتية سُجلت أثناء وصول إعصار «إسحاق» إلى ساحل خليج المكسيك في أغسطس 2012.
وتشير النتائج إلى أن أجهزة الموجات دون الصوتية، وهي أجهزة تلتقط تغيرات الضغط عند ترددات منخفضة للغاية، يمكنها توفير قياسات مستمرة وعالية الدقة للاضطراب داخل الطبقة الحدودية للإعصار، بل ويمكن استخدام تلك القياسات لتقدير سرعة الرياح على ارتفاع 10 أمتار، وقياس شدة تبديد الطاقة الناتج عن الاضطراب الجوي على ارتفاعات تقارب 100 إلى 200 متر فوق سطح الأرض.
ويفتح ذلك الباب أمام استخدام شبكات الرصد الزلزالي-الصوتي القائمة بالفعل بوصفها «مراصد جوية» إضافية، تكمل الطائرات والأبراج والرادارات المستخدمة حاليًا لدراسة الأعاصير، وتساعد مستقبلًا في تحسين فهم الفيزياء التي تعتمد عليها نماذج التنبؤ بالطقس.
منطقة حاسمة يصعب قياسها
تركز الدراسة على ما يعرف بـ«الطبقة الحدودية للإعصار» (Hurricane Boundary Layer)، وهي الجزء الأدنى من الغلاف الجوي داخل الإعصار، وتمتد تقريبًا في أول كيلومتر إلى كيلومترين فوق سطح الأرض أو البحر.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة لأنها المكان الذي تتبادل فيه العاصفة الزخم والحرارة والرطوبة مع سطح الأرض أو المحيط. وفيها تحدث حركة هوائية شديدة الاضطراب، حيث تتحرك دوامات الهواء بأحجام وسرعات مختلفة، وتنتقل الطاقة بينها قبل أن يتحول جزء منها في النهاية إلى حرارة.
ويؤثر هذا «التبديد» للطاقة في ميزانية طاقة الإعصار، كما أن فهم الاضطراب في هذه المنطقة ضروري لدراسة مخاطر هبات الرياح وتحسين الطريقة التي تمثل بها نماذج الطقس العمليات الجوية التي تحدث على نطاقات أصغر من قدرتها على المحاكاة المباشرة.
لكن الحصول على هذه القياسات ليس سهلًا. ففوق المحيط، يعتمد العلماء على طائرات الاستطلاع والعوامات، بينما تُستخدم فوق اليابسة أبراج محمولة ورادارات. وتفرض السلامة قيودًا على الطيران داخل الأعاصير، في حين توفر الأبراج قياسات عند ارتفاعات محددة وقريبة عادة من سطح الأرض، وقد لا تعمل بصورة مستمرة طوال مرور العاصفة.
وهنا وجد الباحثون أن هناك مصدرًا آخر للمعلومات كان يُسجل العاصفة بالفعل: محطات رصد الزلازل.
إعصار «إسحاق» يمر فوق محطة الرصد
درس الفريق البيانات التي سجلتها محطات «المصفوفة القابلة للنقل» (Transportable Array) أثناء وصول إعصار إسحاق إلى اليابسة عام 2012. وكانت هذه المحطات مجهزة بمقاييس للزلازل إلى جانب مستشعرات للضغط الجوي والموجات دون الصوتية.
وكانت إحدى المحطات التي ركز عليها الباحثون على مسافة نحو أربعة كيلومترات فقط من مركز الإعصار في مرحلة من مروره.
وسجل مقياس الضغط في المحطة انخفاض الضغط الجوي إلى نحو 968 مليبار مع مرور مركز إسحاق، بينما كشفت بيانات الموجات دون الصوتية تسلسلًا لافتًا: جدار عين الإعصار المضطرب، ثم العين الأكثر هدوءًا، ثم جدار العين مجددًا مع تحرك العاصفة فوق المنطقة.
وظهر نمط مماثل في جزء من التسجيلات الزلزالية.
فبينما ظلت الاهتزازات الزلزالية المرتبطة بأمواج المحيط التي ولدها الإعصار قوية خلال مرور العاصفة، انخفضت الإشارات المرتبطة مباشرة بالغلاف الجوي عندما دخلت عين الإعصار الهادئة فوق المحطة.
وكانت العلاقة بين تغيرات الضغط والحركة الرأسية الدقيقة للأرض قوية بصورة خاصة في نطاق زمني يتراوح تقريبًا بين 20 و100 ثانية.
كيف يستطيع الهواء «تحريك» الأرض؟
الفكرة الفيزيائية أبسط مما قد يبدو عليه الأمر.
عندما تتحرك دوامات الهواء المضطربة فوق سطح الأرض، فإنها تنتج تغيرات مستمرة في الضغط. وهذه التغيرات تضغط على الأرض بقوة صغيرة للغاية، لكنها كافية لإحداث تشوهات مرنة مجهرية تستطيع أجهزة قياس الزلازل الحساسة تسجيلها.
وأظهرت البيانات أن ارتفاع الضغط تزامن مع حركة سطح الأرض إلى الأسفل، بما يتوافق مع استجابة مرنة شبه ساكنة لحمولة الضغط الجوي.
وللتأكد من أن الاضطراب الجوي هو المسؤول عن هذه البصمات، لم يعتمد الباحثون على الملاحظات وحدها. فقد أجروا محاكاة ثلاثية الأبعاد عالية الدقة باستخدام تقنية «محاكاة الدوامات الكبيرة» (Large-Eddy Simulation أو LES)، وهي طريقة تسمح بمحاكاة الدوامات الهوائية الكبيرة مباشرة، مع تمثيل الاضطرابات الأصغر رياضيًا.
ثم ربطوا الضغط الجوي الناتج عن المحاكاة بنموذج يصف كيفية استجابة الطبقات الأرضية لهذه الأحمال.
وتطابقت خصائص طيف الضغط في النموذج مع البيانات التي سجلتها أجهزة الموجات دون الصوتية، كما نجحت النمذجة في إعادة إنتاج جزء مهم من الإزاحات الرأسية التي سجلتها أجهزة الزلازل.
ليست سرعة الرياح وحدها هي المفتاح
كشفت المحاكاة عن تفصيل مهم بالنسبة إلى استخدام الضوضاء الجوية في دراسة باطن الأرض.
فالدوامات التي تولد تغيرات الضغط لا تتحرك بالضرورة بسرعة الرياح المقاسة قرب السطح. ووجد الباحثون أن ما يسمى «سرعة الحمل» (Convection Velocity)، أي السرعة التي تنتقل بها تقلبات الضغط مع تدفق الهواء، كانت العامل الأنسب لوصف العلاقة بين الضغط والحركة الزلزالية.
وقدر الفريق هذه السرعة بنحو 25 مترًا في الثانية في المحاكاة المدروسة، مقابل سرعة قصوى للرياح الأفقية بلغت نحو 41.6 مترًا في الثانية قرب ارتفاع 1.3 كيلومتر. أي إن سرعة انتقال تقلبات الضغط كانت تعادل نحو 60% من سرعة الرياح في أعلى الطبقة الحدودية تقريبًا.
ولهذا التفصيل أهمية تتجاوز دراسة الأعاصير. فعند استخدام الضوضاء الزلزالية الناتجة عن الغلاف الجوي لاستنتاج خصائص الطبقات الضحلة تحت سطح الأرض، قد يؤدي استخدام سرعة رياح غير مناسبة إلى وضع الخصائص المستنتجة عند أعماق خاطئة.
وبحسب الدراسة، يمكن أن يصل الخطأ في تقدير العمق إلى عامل يتراوح بين مرتين وأربع مرات في بعض الحالات.
تحويل الضغط إلى مقياس للرياح
النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق في علوم الغلاف الجوي جاءت من أجهزة الموجات دون الصوتية نفسها.
وجد الباحثون علاقة واضحة بين تقلبات الضغط المسجلة وسرعة الرياح على ارتفاع 10 أمتار. وهذا يعني، من حيث المبدأ، أن التسجيل المستمر للضغط يمكن استخدامه مؤشرًا بديلًا لتتبع تغير سرعة الرياح.
وتبرز أهمية ذلك عند مقارنة هذه الأجهزة بمحطات الأرصاد التقليدية. ففي الحالة التي درسها الفريق، استطاعت مستشعرات الموجات دون الصوتية تسجيل تغيرات الضغط بمعدل 40 مرة في الثانية، وهو معدل يسمح برؤية التقلبات السريعة المرتبطة بالاضطراب.
أما بعض بيانات الأرصاد المستمرة، فعلى الرغم من أهميتها، تُسجل أو تُبلغ على فترات زمنية أطول لا تسمح بتحليل التفاصيل الدقيقة للاضطراب الجوي بالطريقة نفسها.
قياس «مصير» طاقة الإعصار على ارتفاعات جديدة
لم تتوقف الدراسة عند سرعة الرياح.
استخدم العلماء طيف تقلبات الضغط لتقدير «معدل تبديد الاضطراب»؛ وهو مقياس يصف السرعة التي تتحول بها الطاقة الحركية للحركات الهوائية المضطربة إلى حرارة.
وقدرت الدراسة أن القياسات المستخرجة من الموجات دون الصوتية تمثل ظروفًا على ارتفاع يقارب 100 إلى 200 متر فوق سطح الأرض، بالقرب من الجزء العلوي للطبقة السطحية من الغلاف الجوي.
وهذا أمر مهم لأن الأبراج المحمولة المستخدمة لدراسة الأعاصير تقيس الاضطراب عادة بالقرب من السطح، عند ارتفاعات في حدود 10 أمتار. ومن ثم لا يُفترض أن تحل التقنية الجديدة محل الأبراج، وإنما أن توفر قطعة إضافية من الصورة على ارتفاع أكبر.
وقد جاءت تقديرات معدل تبديد الاضطراب المستخرجة من الضغط في حدود 0.1 متر مربع لكل ثانية مكعبة من حيث رتبة المقدار، وهي متسقة مع نتائج قياسات سابقة من أبراج طويلة عند ارتفاعات تقارب 100 إلى 200 متر.
وعند دمج تقديرات التبديد عبر طبقة سطحية افتراضية بارتفاع 100 متر، قدر الباحثون أن التسخين الناتج عن تبديد الاضطراب يمكن أن يصل إلى نحو 80 واط لكل متر مربع بالقرب من المنطقة التي تبلغ فيها الرياح أقصى شدتها.
شبكة زلازل قد تصبح مرصدًا للغلاف الجوي
تضع هذه النتائج أجهزة الرصد الزلزالي في سياق مختلف عن وظيفتها الأشهر.
فمقاييس الزلازل لا تنتظر وقوع الزلازل فقط، بل تسجل باستمرار اهتزازات ضعيفة تنشأ من المحيط والغلاف الجوي وأنشطة أخرى على سطح الأرض. ويطلق العلماء على هذا المجال المتنامي «علم الزلازل البيئي» (Environmental Seismology).
والدراسة الجديدة توسع هذه الفكرة خطوة أخرى: بدل النظر إلى جزء من «الضوضاء» المسجلة باعتباره تشويشًا ينبغي التخلص منه، يمكن استخراج معلومات جوية مفيدة منه.
وقد تكون هذه الميزة ذات قيمة خاصة لأن بعض شبكات الرصد الزلزالي تعمل بصورة مستمرة لسنوات. وإذا أمكن تطوير العلاقة بين الإشارات المسجلة والمتغيرات الجوية عبر أنواع مختلفة من التضاريس والطقس، فقد تتحول أرشيفات ضخمة موجودة أصلًا إلى مصدر إضافي لدراسة الطبقة الجوية القريبة من الأرض.
كما يمكن أن تساعد هذه البيانات في اختبار وتحسين نماذج الطقس العددية، ولا سيما أن النماذج التشغيلية واسعة النطاق لا تستطيع محاكاة كل دوامة هوائية صغيرة بصورة مباشرة، وتضطر إلى تمثيل تأثيرها بمعادلات تقريبية.
التقنية تكمل أدوات الأعاصير ولا تستبدلها
رغم النتائج الواعدة، لا تعني الدراسة أن محطات الزلازل والموجات دون الصوتية يمكنها ببساطة أن تحل محل الطائرات أو الرادارات أو الأبراج.
فالعمل يعتمد بصورة رئيسية على دراسة حالة لإعصار إسحاق، كما أن العلاقة بين أطياف الضغط والاضطراب لم تكن متماثلة في جميع المحطات التي فحصها الباحثون. وظهرت في بعض المواقع أنماط طيفية مختلفة قد تنتج عن آليات أخرى داخل التدفق الجوي أو عن كون الاضطراب غير متساوي الخصائص في جميع الاتجاهات.
ويؤكد الباحثون لذلك الحاجة إلى مقارنات إضافية مع بيانات الأرصاد الجوية من أجل تحديد مدى صلاحية العلاقات المستخرجة في الدراسة تحت ظروف متنوعة للطبقة الحدودية الجوية.
كذلك فإن استخدام الجزء الزلزالي من التقنية يحتاج إلى معرفة الخصائص المرنة للطبقات الصخرية والتربة أسفل كل محطة، لأن استجابة الأرض للضغط تختلف باختلاف بنيتها الجيولوجية. أما بيانات الموجات دون الصوتية فتقدم مسارًا أكثر مباشرة نحو قياس تغيرات الضغط وتحليلها جويًا.
الاستماع إلى العاصفة بطريقة مختلفة
تكمن أهمية الدراسة في أنها تعيد تعريف نوع من البيانات ظل لسنوات يُجمع إلى جانب التسجيلات الزلزالية: الضوضاء المستمرة منخفضة التردد قد تحمل سجلًا تفصيليًا لما يحدث في الهواء فوق المحطة.
وفي عالم تتطلب فيه مراقبة الأعاصير الاقتراب من بيئات شديدة الخطورة ونشر معدات ميدانية متخصصة، يمكن للاستفادة من شبكات موجودة بالفعل أن تضيف قياسات مستمرة وبتكلفة أقل نسبيًا إلى منظومة الرصد التقليدية.
ولا تزال التقنية بحاجة إلى الاختبار في أعاصير وبيئات جوية وأسطح أرضية مختلفة قبل تعميمها، لكن النتيجة الأساسية تبدو واضحة: عندما تعصف الرياح فوق الأرض، فإنها لا تترك أثرًا في الغلاف الجوي وحده. إنها تضغط على سطح الكوكب وتهزه بمقادير متناهية الصغر، وتحمل تلك الاهتزازات معلومات يمكن للعلماء تعلم كيفية قراءتها.
وبذلك قد يصبح «صوت» الإعصار الذي لا تستطيع الأذن البشرية سماعه، والحركة الأرضية التي لا يستطيع الإنسان الشعور بها، مصدرين جديدين لفهم ما يجري في قلب الطبقة المضطربة التي تتحكم في جانب مهم من قوة العاصفة وتطورها.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
