لطالما بدا تعلّم اللغة لدى الأطفال عملية مدهشة؛ فخلال سنوات قليلة فقط ينتقل الطفل من نطق كلمات بسيطة إلى فهم شبكة هائلة من المعاني والاستعارات والتعبيرات المركبة. لكن السؤال الذي حيّر الباحثين طويلًا لم يكن كيف يتعلم الطفل الكلمات فحسب، بل كيف يكتسب المعاني المختلفة للكلمة الواحدة مع مرور الوقت.
في دراسة حديثة نُشرت في دورية PNAS، توصل باحثون من جامعة تورونتو سكاربورو ومركز الباسك للإدراك واللغة إلى أن الأطفال يكتسبون المعاني المتعددة للكلمات وفق أنماط منتظمة تشبه إلى حد بعيد الطريقة التي تطورت بها الكلمات تاريخيًا عبر القرون. واعتمدت الدراسة على تحليل ملايين الجمل المنطوقة من الأطفال ومقدمي الرعاية لهم باستخدام نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي.
ركز الباحثون على ظاهرة تُعرف باسم “تعدد المعاني”، وهي أن تحمل الكلمة الواحدة أكثر من معنى بحسب السياق. فكلمة مثل “stick” في الإنجليزية قد تشير إلى “عصا”، أو تعني “يدفع شيئًا”، أو “يلتصق”. وتشير النتائج إلى أن الأطفال لا يكتسبون هذه المعاني دفعة واحدة، بل يتعلمونها تدريجيًا وبترتيب يمكن التنبؤ به.
من المحسوس إلى المجرد
أظهرت الدراسة أن الأطفال يبدأون عادةً بالمعاني الأكثر ارتباطًا بالعالم المادي والمحسوس، قبل الانتقال إلى الاستخدامات الأكثر تجريدًا. فمعنى “العصا” كجسم ملموس يظهر مبكرًا في كلام الطفل، بينما تأتي لاحقًا المعاني المجازية أو الأقل ارتباطًا بالتجربة الحسية المباشرة.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تعكس اعتماد الدماغ في المراحل الأولى من النمو على الخبرة الحسية المباشرة، حيث يكون التعامل مع الأشياء الملموسة أسهل من استيعاب المفاهيم المجردة أو المعاني المجازية.
المعاني لا تظهر عشوائيًا
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ كشفت الدراسة أن معاني الكلمات تنمو بطريقة تدريجية مترابطة، وليست عشوائية كما قد يبدو. فالمعنى الجديد للكلمة غالبًا ما يكون قريبًا دلاليًا من معنى يعرفه الطفل مسبقًا، ثم تتوسع الشبكة الدلالية شيئًا فشيئًا. 
بمعنى آخر، عندما يتعلم الطفل معنى جديدًا لكلمة ما، فإنه لا يبنيه من الصفر، بل يربطه بمعنى قديم موجود بالفعل في ذاكرته. وكلما كان المعنيان متقاربين، كان الفاصل الزمني بين تعلمهما أقصر.
الذكاء الاصطناعي يتتبع نمو المعنى
اعتمد الباحثون على نموذج “BERT” الشهير في معالجة اللغة الطبيعية لتحليل أكثر من أربعة ملايين جملة من قاعدة بيانات CHILDES المتخصصة في لغة الأطفال. ثم استخدموا خوارزميات تعلم آلي لتجميع استخدامات الكلمات في “عناقيد دلالية” تمثل المعاني المختلفة للكلمة الواحدة.
وللتأكد من أن هذه المعاني المكتشفة حاسوبيًا تعكس فعلًا إدراك البشر للغة، قارن الفريق النتائج بالقواميس اللغوية، وأجرى تجارب لتقييم تشابه المعاني بين الجمل، إضافة إلى استخدام نموذج لغوي كبير لتحليل تجانس كل مجموعة دلالية. وأظهرت النتائج أن غالبية المجموعات التي اكتشفها النظام كانت متماسكة دلاليًا بدرجة مرتفعة.
تشابه بين نمو الطفل وتطور اللغات
اللافت في الدراسة أن الأنماط التي ظهرت لدى الأطفال تشبه بشكل كبير الطريقة التي تطورت بها معاني الكلمات تاريخيًا عبر الزمن. فالمعاني الحسية القديمة للكلمات ظهرت أولًا في التاريخ اللغوي، ثم تفرعت منها المعاني المجازية أو الأكثر تجريدًا لاحقًا. ويرى الباحثون أن هذا التشابه قد يشير إلى وجود آليات معرفية مشتركة تحكم تطور اللغة سواء على مستوى الفرد أو الحضارة البشرية بأكملها.
ويعتقد الفريق أن فهم هذه الآليات قد يساعد مستقبلًا في تطوير أدوات تعليم اللغة، وتحسين تشخيص اضطرابات التواصل، وحتى بناء نماذج ذكاء اصطناعي أقرب إلى الطريقة البشرية في اكتساب المعنى.
ورغم أهمية النتائج، يشير الباحثون إلى أن الدراسة ركزت على اللغة الإنجليزية وبيانات مأخوذة من بيئات لغوية محددة، ما يعني أن اختبار هذه الأنماط في لغات وثقافات أخرى سيظل خطوة ضرورية لفهم ما إذا كانت هذه القواعد عالمية فعلًا أم مرتبطة ببنية لغوية معينة.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
