الرئيسية / أبحاث و دراسات / العطور والروائح الصناعية في المنزل قد تكون أخطر من عوادم السيارات
1-s2.0-S0360132324001562-ga1_lrg

العطور والروائح الصناعية في المنزل قد تكون أخطر من عوادم السيارات

عبدالرحمن أبوطالب – يمن ساينس

عندما تسير في غابة من أشجار الصنوبر، فإن أول ما يجذب انتباهك هو رائحتها العطرة والمنعشة. ولكن، ما لا يدركه الكثيرون هو أن استخدام المنتجات الكيميائية مثل معطرات الجو، الشموع العطرية، منظفات الأرضيات، ومزيلات العرق داخل المنزل قد يملأ الهواء بجسيمات نانوية دقيقة قادرة على التغلغل عميقًا في الرئتين، وفقًا لدراسات أجراها باحثون في جامعة بوردو الأمريكية.

تكشف الأبحاث أن هذه الجسيمات النانوية تتشكل عند تفاعل العطور الاصطناعية مع الأوزون، وهو غاز يتسلل إلى المباني عبر أنظمة التهوية، مما يؤدي إلى تحولات كيميائية تنتج ملوثات هوائية جديدة. يقول الدكتور نصرت جونغ، أستاذ مساعد في كلية الهندسة المدنية والإنشائية بجامعة بوردو: “الغابة بيئة نقية، لكن عندما تحاول إعادة إنتاج رائحتها داخل منزلك باستخدام منتجات مليئة بالعطور الصناعية، فإنك في الواقع تصنع تلوثًا هوائيًا داخليًا هائلًا قد يكون ضارًا بصحتك”.

الجسيمات النانوية التي لا يتجاوز حجمها بضعة نانومترات يمكنها اختراق الجهاز التنفسي العميق والانتقال إلى أعضاء أخرى في الجسم. كان جونغ وزميله البروفيسور براندون بور، أول من درس تكوين الجسيمات الهوائية النانوية في الداخل، وقارنها بعمليات تكوين الجسيمات في الهواء الطلق.

ولتتبع هذه الظاهرة بدقة، يستخدم الباحثان “مختبر المنزل الصغير” المزود بأحدث أجهزة قياس جودة الهواء. يُعرف هذا المختبر باسم zEDGE وهو أول منشأة من نوعها، حيث يحتوي على مستشعرات متطورة لمراقبة تأثير الأنشطة المنزلية اليومية على جودة الهواء الداخلي. تكشف بيانات هذا المختبر أن العديد من المنتجات المستخدمة يوميًا قد لا تكون آمنة كما يُعتقد.

تشير الأبحاث إلى أن العطور المنزلية ليست مجرد مصادر سلبية للروائح الجميلة، بل تؤثر بشكل نشط على كيمياء الهواء الداخلي، مما يؤدي إلى تكوين جسيمات نانوية قد تكون ضارة بالجهاز التنفسي. على الرغم من أن التأثير الصحي لهذه الجسيمات لم يُحسم بعد، فإن الباحثين وجدوا أن العطور تتفاعل بسرعة مع الأوزون لإنتاج تركيزات عالية من هذه الجسيمات، مما يثير القلق بشأن المخاطر المحتملة على الصحة.

ومن بين المنتجات التي خضعت للدراسة، كانت الشموع العطرية وأقراص الشمع المعطر التي تُعتبر بدائل “آمنة” للشموع التقليدية، لكنها في الواقع تطلق ملوثات هوائية بنفس الكمية أو أكثر. تحتوي هذه المنتجات على مركبات كيميائية تُعرف باسم “التيربينات”، وهي المسؤولة عن الروائح العطرية، ولكنها تتفاعل مع الأوزون لتنتج كميات كبيرة من الجسيمات النانوية.

ليس هذا فقط، فقد أظهرت دراسة أخرى أن أجهزة نشر الزيوت العطرية، والمطهرات، ومعطرات الجو، والبخاخات العطرية تساهم أيضًا في توليد كميات كبيرة من هذه الجسيمات. كما أن الطهي على مواقد الغاز يُعد مصدرًا رئيسيًا للتلوث الداخلي، حيث ينتج كيلوغرام واحد فقط من الوقود أثناء الطهي حوالي 10 كوادريليون جسيم نانوي بحجم أقل من 3 نانومترات، وهو معدل مماثل أو حتى أعلى من انبعاثات محركات الاحتراق الداخلي للسيارات.

تشير الدراسات إلى أن استنشاق هذه الجسيمات أثناء الطهي قد يكون أكثر ضررًا من استنشاق الهواء الملوث بعوادم السيارات، حيث يمكن استنشاق ما بين 100 مليار إلى 10 تريليونات من هذه الجسيمات خلال 20 دقيقة فقط من التعرض للهواء الملوث داخل المنزل.

في إطار البحث المستمر عن حلول لتحسين جودة الهواء الداخلي، يعمل فريق الباحثين مع الشركات المصنعة لأجهزة قياس جودة الهواء لتطوير أدوات أكثر دقة، حيث يتم اختبار هذه الأجهزة في “مختبر المنزل الصغير” قبل طرحها في الأسواق. أحد هذه الأجهزة هو “مُكبر حجم الجسيمات – محلل حجم الجسيمات المتنقل” من شركة GRIMM AEROSOL TECHNIK، والذي يسمح بقياس الجسيمات النانوية عند تشكلها الأولي بحجم نانومتر واحد فقط.

كما يقوم الفريق بدراسة تأثير منتجات العناية بالشعر على جودة الهواء الداخلي، حيث اكتشف الباحثون أن المركبات الكيميائية الموجودة في هذه المنتجات تبقى عالقة في الهواء بكميات غير متوقعة، مما يجعل استنشاقها خطرًا محتملاً على الصحة.

يؤكد الباحثون أن هناك حاجة ملحة لمزيد من الأبحاث لتحديد مدى تأثير استنشاق هذه الجسيمات والمواد الكيميائية على صحة الإنسان. ومع استمرار الدراسات، يأمل الباحثون أن تسهم نتائجهم في تحسين أساليب مراقبة جودة الهواء الداخلي، ووضع معايير أكثر صرامة للحد من التلوث داخل المنازل والمباني.

شاهد أيضاً

شاب يتلقى العناية في احد مراكز الغسيل الكلوي في اليمن - مصدر الصورة منظمة الصحة العالمية.

أزمة الغسيل الكلوي في اليمن تفتح بابًا خطيرًا لانتشار التهاب الكبد B

في وقت يعيش فيه القطاع الصحي اليمني واحدة من أصعب مراحله، كشفت دراسة يمنية حديثة …