دراسة حديثة في اليمن ترصد فجوات في الإبلاغ والتحقيق والأدلة الرقمية، فيما تتوسع مشاريع المدفوعات والخدمات المالية وسط مسارات تشريعية ومؤسسية غير موحدة.
إذا تعرّض مستخدم في عدن لابتزاز إلكتروني، أو اختُرق حسابه وسُرقت بياناته، فمن الجهة التي ينبغي أن يبلغها؟ وما الذي يجب أن يحتفظ به من رسائل أو ملفات حتى يمكن استخدامه لاحقًا في التحقيق؟
بالنسبة إلى نسبة كبيرة من المشاركين في مسح استخدمته دراسة يمنية حديثة، لا تبدو الإجابة واضحة. فقد ذكرت الدراسة أن 70.3% من المشاركين في مسح أُجري بمحافظة عدن لم يعرفوا كيفية الإبلاغ عن حادث سيبراني أو الجهة التي ينبغي التوجه إليها. وربط الباحثون هذه النتيجة بضعف آليات الإبلاغ والتوجيه المؤسسي.
لكن الرقم يحتاج إلى الحذر. فالدراسة، المنشورة عام 2025 بعنوان «الإصلاحات التشريعية والمقاربات التكتيكية لمكافحة الجرائم السيبرانية في الجمهورية اليمنية»، تقول إن بياناتها شملت 1,024 مستخدمًا ومختصًا، بينما تسجل قائمة مراجعها مصدر هذه البيانات بوصفه مجموعة بيانات غير منشورة أعدها أحد الباحثين في جامعة العلوم والتكنولوجيا في فبراير 2025. كما لا تعرض الورقة المنشورة تفاصيل كافية عن اختيار العينة تتيح تعميم النسبة على سكان اليمن أو عدن جميعًا.
مع ذلك، يفتح الرقم سؤالًا أوسع من تجربة مستخدم واحد: هل تواكب البنية القانونية والمؤسسية في اليمن توسع الخدمات الرقمية التي يفترض أن تحميها؟
طبقة رقمية جديدة
لم يعد السؤال افتراضيًا. ففي يونيو 2025 وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 20 مليون دولار لتمويل مشروع البنية التحتية للأسواق المالية والشمول المالي في اليمن، ينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ويستهدف المشروع تطوير البنية الأساسية للمدفوعات وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية. وكانت المنحة جزءًا من حزمة بقيمة 30 مليون دولار، خُصص منها 10 ملايين دولار لمشروع آخر في قطاع التعليم.
ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن المشروع سيتيح رقمنة المدفوعات الحكومية والتحويلات الاجتماعية ومعاملات القطاع الخاص، مع تحسين كفاءة الخدمات المالية وأمنها.
ولا يعني ذلك أن اليمن أصبح اقتصادًا رقميًا متقدمًا، بل إن المشروع نفسه ينطلق من الحاجة إلى بناء بنية مالية أكثر ترابطًا وشمولًا. لكن كل توسع في المدفوعات والمعاملات الرقمية يعني مزيدًا من البيانات والحسابات ونقاط الدخول التي تحتاج إلى قواعد واضحة للحماية والاستجابة عندما يقع الاحتيال أو الاختراق أو تسريب المعلومات.
وهنا تقع الفجوة التي تحاول الدراسة اليمنية وصفها.
المشكلة أبعد من سن قانون
يرى الباحثون أن الإشكال لا يقتصر على وجود أو غياب نصوص تجرّم الأفعال الإلكترونية. فالورقة تصف مشكلات في التعامل مع الأدلة الرقمية، والتبليغ عن الحوادث، والتنسيق بين الأجهزة، إلى جانب نقص الخبرات في التحقيق الجنائي الرقمي. وتقول إن ضعف هذه القدرات قد يؤدي إلى فقدان الأدلة أو العجز عن استخراجها واستخدامها بصورة فعالة.
والدليل الرقمي لا يعني مجرد العثور على هاتف أو التقاط صورة لمحادثة. فلكي يحتفظ بقيمته في التحقيق والقضاء، يجب جمعه وحفظه وتوثيق كيفية التعامل معه بما يسمح بفحص سلامته ويحد من احتمال العبث به أو الطعن فيه.
لذلك لا تقترح الدراسة قانونًا جديدًا فقط، بل منظومة أوسع: هيئة وطنية للأمن السيبراني، ووحدات متخصصة في الجرائم الإلكترونية، وتدريبًا للقضاة وأعضاء النيابة، وإجراءات موحدة للتعامل مع الأدلة الرقمية، ومركزًا موحدًا للاستجابة للحوادث.
وتقترح تطبيق ذلك على مراحل؛ تبدأ بإعداد التشريع والتدريب والتوعية، ثم تشغيل الهيئة والوحدات المتخصصة وأنظمة الإبلاغ، وصولًا إلى المراجعة الدورية للقوانين وتوسيع التعاون الدولي. وتقر الورقة نفسها بأن قيود الموارد والعقبات السياسية تفرض تنفيذًا تدريجيًا.
غير أن هذه التوصيات تواجه سؤالًا يمنيًا أعمق: كيف يمكن إنشاء منظومة «وطنية موحدة» في بيئة قانونية ومؤسسية منقسمة؟
تشريعات تتحرك في مسارات متوازية
منذ نشر الدراسة، أصبح وصف الوضع بأنه مجرد «فراغ قانوني» أقل دقة.
ففي يونيو 2026، قالت وزارة الشؤون القانونية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا إن قانون حماية المعلومات الشخصية وقانون الجرائم الإلكترونية من بين التشريعات ذات الأولوية التي تعمل عليها الوزارة.
وفي صنعاء، تحرك مسار تشريعي آخر. ففي أبريل 2026 أعلنت وزارة العدل التابعة للسلطات القائمة هناك أن لجنة مشتركة تراجع مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ثم أعلنت لاحقًا اختتام اجتماعات مراجعة المشروع.
هذا لا يثبت وجود قانونين نافذين، لكنه يبين أن تطوير التشريعات يجري في مسارات مؤسسية منفصلة. ولذلك تصبح المشكلة أوسع من القول إن «اليمن بلا قانون للجرائم الإلكترونية»: فالإطار الوطني الموحد نفسه يظل موضع سؤال في ظل تعدد السلطات ومراكز القرار.
وتعترف الدراسة أصلًا بأن التجزؤ المؤسسي والعوائق السياسية والقيود المالية تمثل تحديات أمام تنفيذ تصورها لهيئة وطنية مركزية.
من يستقبل البلاغ ومن يحفظ الدليل؟
قد تبدو مسألة الاختصاص بعيدة عن المستخدم العادي، لكنها تصبح عملية فور وقوع حادث.
إذا كان البلاغ متعلقًا بابتزاز على منصة اجتماعية، فمن يستقبله؟ وإذا احتاج التحقيق إلى بيانات من شركة اتصالات أو منصة خارج اليمن، فمن يطلبها؟ ومن يضمن أن الهاتف أو الملف أو سجل المحادثة جُمع بطريقة تحفظ قيمته القانونية؟
تقول الدراسة إن ضعف تبادل المعلومات بين الأجهزة وتشتت العمل يعرقلان جهود تتبع الجرائم والمتهمين، وتستخدم نتيجة مسح عدن مؤشرًا على ضعف معرفة المواطنين بمسار الإبلاغ.
لكن هنا يجب الفصل بين تشخيص الباحثين وما تثبته البيانات فعلًا. فالورقة لا تقدم قاعدة بيانات وطنية تقارن أعداد البلاغات أو القضايا والإدانات بين المحافظات، ولا سلسلة زمنية موثقة تسمح بإثبات أن الجرائم الإلكترونية ترتفع في اليمن بنسبة معينة.
ولهذا فإن عبارة مثل «الجرائم الإلكترونية تتصاعد بصورة حادة» ستتجاوز ما نستطيع إثباته. ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الجهات الرسمية تتعامل مع الابتزاز والجرائم الإلكترونية بوصفها تحديات أمنية معاصرة، وأنها تعلن العمل على بناء قدرات متخصصة وتعزيز التنسيق مع القضاء، لكن هذه التصريحات لا تعوض غياب سلسلة إحصائية وطنية منشورة.
حلول مقترحة.. لا نتائج مثبتة
تبني الدراسة مقترحاتها جزئيًا على مقارنات مع الأردن والكويت والإمارات، وعلى أطر دولية للأمن السيبراني. لكنها لا تقدم جميع هذه المقارنات بالقوة المصدرية نفسها؛ فقائمة المراجع تعتمد مثلًا على صفحات في ويكيبيديا لبعض التفاصيل المتعلقة بقانوني الكويت والأردن، وهو ما يستلزم التحقق من النصوص القانونية الأصلية قبل اعتماد تلك التفاصيل صحفيًا.
والأهم أن إنشاء هيئة مركزية أو وحدات متخصصة أو مركز للاستجابة للحوادث ليس علاجًا أثبتت الدراسة فاعليته في اليمن. هذه توصيات سياسية ومؤسسية استخلصها الباحثون من تحليلهم ومقارنتهم بتجارب أخرى.
بل إن الباحثين أنفسهم يقترحون، في قسم الأبحاث المستقبلية، إجراء دراسات طولية بعد تطبيق الإطار لقياس مؤشرات مثل معدل الجرائم، وكفاءة الملاحقة، والخسائر المالية، وقدرة البنية التحتية على الصمود. أي أن أثر الإصلاحات المقترحة ما يزال سؤالًا يحتاج إلى اختبار.
وهذا فارق أساسي بين ما تقترحه الدراسة وما تثبته.
سباق بين البناء والحماية
في اليمن، لا تقتصر مسألة الأمن السيبراني على منع الاختراق. فبمجرد وقوع حادث تبدأ سلسلة أخرى من الأسئلة: من يستقبل البلاغ؟ من يملك الاختصاص؟ كيف يُجمع الدليل؟ وأي جهة تستطيع التنسيق عندما تتجاوز البيانات أو الجريمة حدود منطقة أو دولة؟
الدراسة تضع هذه الأسئلة في قلب تصورها للإصلاح، بينما تكشف التطورات اللاحقة أن بناء الحماية ليس تحديًا تقنيًا أو تشريعيًا فقط.
ففي بلد يجري فيه توسيع بنية المدفوعات والخدمات الرقمية، بينما تتحرك مشروعات التشريع والمؤسسات في مسارات متوازية، يصبح السؤال الأصعب ليس فقط كيف يُحمى الفضاء الرقمي؟ بل أيضًا: من يستطيع أن يحميه ضمن منظومة واحدة؟
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
