في واحدة من أضخم الدراسات طويلة الأمد حول التطور المعرفي، توصل باحثون في جامعة كولورادو بولدر إلى أن مراقبة الأطفال الرضّع وهم يصدرون الأصوات أو يبدون فضولهم تجاه الألعاب قد تقدم مؤشرات مبكرة على قدراتهم العقلية بعد ثلاثة عقود. الدراسة، التي نُشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم PNAS، استندت إلى بيانات أكثر من 1000 توأم، وأظهرت أن تجارب عمرها 7 أشهر يمكن أن تتنبأ بشكل محدود بنتائج اختبارات الذكاء في سن الثلاثين.
الدراسة، بقيادة البروفيسور دانيال غوستافسون من معهد الوراثة السلوكية، كشفت أيضًا أن البيئة المحيطة في السنوات الأولى من الحياة تلعب دورًا يفوق ما كان يُعتقد في السابق في تشكيل القدرات المعرفية، وقد تؤثر حتى على مخاطر الإصابة بأمراض مثل الخرف في سن متقدم.
يقول غوستافسون: “نتائجنا تؤكد الأثر العميق للبيئة المبكرة على القدرات المعرفية، وتشير إلى أن مرحلة الرضاعة تمثل نافذة حاسمة في النمو العقلي يجب أن تحظى بالاهتمام”.
اعتمد الباحثون على بيانات الدراسة الطولية للتوائم التي بدأت عام 1985، وتضمنت مراقبة تطورات الأطفال في المختبرات والمنازل عبر زيارات ميدانية واستبيانات واختبارات سلوكية. وقد تم تقييم قدرات الرضع عند عمر 7 أشهر باستخدام سبعة مقاييس معرفية، مثل الميل للألعاب الجديدة (تفضيل الجِدة) والتركيز على المهام.
وأظهرت النتائج أن هذه التقييمات المبكرة يمكنها تفسير نحو 13% من تباين النتائج المعرفية عند سن الثلاثين، وبرزت خاصيتا “تفضيل الجدة” و”التركيز” كمؤشرات مبكرة قوية. ورغم أن التأثير ليس كبيرًا، إلا أن الباحثين يرونه مشجعًا. يعلّق غوستافسون: “لسنا بصدد القول إن الذكاء يُحسم عند عمر سبعة أشهر، لكن فكرة أن اختبارًا بسيطًا في الطفولة يمكن أن يعكس شيئًا مما سيكون عليه الأداء العقلي بعد عقود، أمر مثير”.
وقد تم تحليل الأثر النسبي للجينات مقابل البيئة عبر مقارنة درجات التوائم المتماثلة (التي تتشارك 100% من الجينات) بالتوائم غير المتماثلة. وكما هو متوقع، كان للجينات تأثير قوي، حيث فسرت نصف التباين في القدرات عند سن 30. إلا أن اللافت أن البيئة خلال أول عامين من الحياة شرحت نحو 10% من الفروق المعرفية لاحقًا.
تؤكد هذه النتائج على أهمية البيئة ما قبل المدرسية. وتضيف البروفيسورة تشاندرا رينولدز، المشاركة في الدراسة: “الشيخوخة المعرفية هي مسار يبدأ مبكرًا، وليس ظاهرة تبدأ في منتصف العمر. التعليم الجيد في الطفولة قد يكون المفتاح لاحتفاظ الإنسان بكفاءته الذهنية مدى الحياة”.
ومن الجوانب اللافتة في الدراسة أيضًا استخدام “الدرجات متعددة الجينات” (Polygenic Scores)، وهي مقياس يجمع تأثير آلاف الجينات المرتبطة بصفة معينة مثل الذكاء. وقد تبيّن أن هذه الدرجات تنبأت بشكل دقيق بنتائج اختبارات الذكاء المستقبلية، ما يعزز من قيمة الدمج بين البيانات الأسرية والوراثية في فهم مسار النمو المعرفي.
الدراسة تفتح الباب أمام تحسين استراتيجيات التعليم المبكر، وتقديم الدعم للبيئات المحفزة في مراحل الرضاعة والطفولة، بما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على التعلّم والتكيّف ومواجهة التحديات الإدراكية المرتبطة بالشيخوخة.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
