الرئيسية / البيئة والمناخ / المناخ وحقوق الإنسان.. هل تقود آليات الأمم المتحدة إلى عدالة مناخية؟
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

المناخ وحقوق الإنسان.. هل تقود آليات الأمم المتحدة إلى عدالة مناخية؟

من سقطرى إلى جزر مضيق توريس، لم تعد آثار تغير المناخ قضية بيئية فحسب؛ فالأعاصير وارتفاع منسوب البحر وتآكل السواحل باتت تهدد السكن والغذاء وسبل العيش والثقافة، وسط جدل متزايد حول مسؤولية الدول تجاه المجتمعات الأقل إسهامًا في الأزمة والأكثر تضررًا من آثارها.

 ومع توسع أدوات حقوق الإنسان والقانون الدولي، بدءًا من الاعتراف بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، وصولًا إلى مساءلة الدول عن الأضرار المرتبطة بتغير المناخ، يظل الاختبار الحقيقي في مدى قدرة هذه الأدوات على حماية تلك المجتمعات. فالعدالة المناخية لم تعد مجرد مسألة تمويل، بل أصبحت سؤالًا جوهريًا عن المسؤولية والإنصاف والحقوق.

 تقرير: عمر الحياني

في زيارتي لجزيرة سقطرى خلال شهر أكتوبر 2025م، كانت الدهشة رفيقتي الدائمة وأنا أتجول بين محمياتها ومواقعها الطبيعية؛ من “قلنسوة” الهادئة، إلى هضبة “ديكسم” الشاهقة، وشاطئ “عرعهر”، وجبال “حومهل”، ومحمية “ديحمري” البحرية.

سقطرى ليست مجرد بقعة جغرافية؛ إنها أرشيف طبيعي فريد. فوفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، يضم الأرخبيل  825 نوعًا من النباتات، منها 307 أنواع مستوطنة لا توجد في أي مكان آخر في العالم، وعلى رأسها شجرة دم الأخوين، إحدى أبرز رموز الجزيرة التي أدرجتها المنظمة على قائمة التراث العالمي عام 2008.

لكن خلف هذا المشهد الطبيعي، تبدو آثار أخرى تركتها العواصف والأعاصير؛ أشجار معمرة اقتُلعت، وأجزاء من الأراضي الساحلية تعرضت للتآكل، وقرى ومجتمعات لحقت بها أضرار متفاوتة.

قاضب: حكاية قرية في مهب العاصفة

على الساحل الشمالي، بالقرب من “حديبو”، تقع قرية “قاضب” الساحلية. ظلت القرية قرونًا رمزًا للحياة البسيطة، حيث يمثل صيد الأسماك مصدر الرزق للسكان. لكن هذا الأمان تبدد، وأصبحت القرية في مهب الأعاصير المتلاحقة بسبب موقعها المفتوح ومصبات السيول.

يقول عبدالعزيز بن قبلان، من أهالي “قاضب”: “دمرت الأعاصير قريتنا بالكامل، وأصبحت تضربنا بشكل دوري. اضطررنا لترك منازلنا التي سكنها أجدادنا منذ قرون، وتشتت العائلات، ودُمرت قوارب الصيد التي كانت مصدر رزقنا الوحيد”.

ويضع عبدالرحمن الجسفي،  من مؤسسة «كوكب سقطرى»، هذه الآثار ضمن صورة أوسع، قائلًا: «شكلت الأعاصير في العقود الأخيرة كارثة حقيقية؛ دُمرت القرى، وتأثرت السواحل، وتضرر التنوع الحيوي».

ويضيف “بات واضحاً أن التغيرات المناخية أصبحت محطة قلق دائم لسكان الجزيرة القابعة في قلب المحيط، نحن اليوم في مواجهة تحدٍ وجودي يهدد إرثنا الطبيعي ومعيشتنا البسيطة”.

ولا تقتصر آثار الأعاصير على السكان والقرى الساحلية، بل تمتد إلى التنوع الحيوي والنظم البيئية البرية والبحرية. ويقول المهندس ناصر عبد الرحمن أحمد ، رئيس جمعية سقطرى للحياة الفطرية، إن التغيرات المناخية باتت، من وجهة نظر الجمعية، من أكبر التهديدات التي تواجه التنوع الحيوي في الأرخبيل، مشيرًا إلى أن الأعاصير منذ عام 2015 تركت أضرارًا واسعة على النظم البيئية البرية والبحرية.

ويضرب عبد الرحمن أحمد   مثالًا بإعصاري «تشابالا» و«ميغ» عام 2015، اللذين يقول إنهما تسببا في سقوط أعداد كبيرة من أشجار اللبان في محمية حومهل، مقدرًا نسبة الأشجار التي سقطت بنحو 37%. كما يشير إلى تضرر وسقوط أشجار من دم الأخوين في هضبة ديكسم ومحمية فرمهن.

وامتدت الأضرار، بحسب عبد الرحمن أحمد  ، إلى البيئة البحرية، حيث تضررت مستعمرات من الشعاب المرجانية في محمية ديحمري البحرية، إلى جانب انجراف التربة وتغير مسارات بعض الأودية وطمس عدد من البرك الطبيعية، فضلًا عن نفوق حيوانات واقتلاع أعداد من أشجار النخيل.

ويضيف أن الأرخبيل شهد خلال السنوات الثلاث الأخيرة جفافًا شديدًا انعكس على الأودية والآبار ومصادر مياه الشرب والمراعي، وأدى إلى جفاف وسقوط بعض الأشجار. ومن أبرز الأمثلة التي يذكرها سقوط شجرة الخيار السقطري الشهيرة على الطريق بين حديبو والمطار، والتي كانت أحد المعالم الطبيعية التي يتوقف عندها زوار الجزيرة لالتقاط الصور.

سقطرى وأعاصير بحر العرب.. ماذا يقول العلم؟

لا تتوقف آثار الانبعاثات البشرية عند الحدود السياسية للدول التي تطلقها؛ فغازات الدفيئة تتراكم في الغلاف الجوي عالميًا، كما يمكن لبعض الملوثات الجوية، ومنها الكربون الأسود، الانتقال لمسافات بعيدة والتأثير في الظروف الجوية والمناخية الإقليمية.

وتشير مجموعة من الدراسات إلى تغيرات في الظروف المحيطية والجوية المرتبطة بأعاصير بحر العرب. ففي عام 2011، ربطت دراسة نشرتها Nature بين ارتفاع انبعاثات الهباء الجوي البشري، ومنها الكربون الأسود والكبريتات، وتراجع قصّ الرياح الرأسي فوق بحر العرب، بما هيأ ظروفًا أكثر ملاءمة لتكثف الأعاصير المدارية قبل موسم الرياح الموسمية.

وفي عام 2017، خلصت دراسة في Nature Climate Change إلى أن التأثير البشري زاد على الأرجح احتمال حدوث أعاصير شديدة القوة في بحر العرب في أواخر الموسم، مع بقاء العوامل الطبيعية والعشوائية مؤثرة في توقيت الأعاصير الفردية.

وفي سياق متصل، أظهرت دراسة نُشرت في Ocean Science عام 2022 تزايد موجات الحر البحرية في بحر العرب، وربطت التسارع في عدد أيامها بالارتفاع السريع في متوسط حرارة سطح البحر خلال السنوات الأخيرة.

وكشفت دراسة نُشرت عام 2025 في Communications Earth & Environment، وحللت بيانات أعاصير بحر العرب خلال الفترة 1980–2023، أن عدد حالات التكثف السريع وعدد الأعاصير التي شهدت تكثفًا سريعًا تضاعفا منذ عام 2013. وحددت الدراسة ارتفاع حرارة سطح البحر وزيادة الدوامية الجوية عند مستوى 850 هكتوباسكال ضمن أبرز العوامل المرتبطة بهذه الزيادة.

من “تشابالا” إلى “تيج”: سقطرى في مرمى العواصف

تتحول هذه المؤشرات العلمية في الجانب الغربي من بحر العرب إلى آثار إنسانية ملموسة؛ فقد شهدت اليمن، وسقطرى على وجه الخصوص، سلسلة من الأعاصير القوية خلال السنوات الأخيرة.

إقتلاع شجرة دم الأخوين جرآء الإعصار - سقطرى
إقتلاع شجرة دم الأخوين جرآء الإعصار – سقطرى

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2015، واجهت سقطرى إعصار «تشابالا»، قبل أن تتعرض بعد أيام قليلة لإعصار «ميغ»، لتتلقى ضربة ثانية قبل التعافي من الأولى.وبحسب الأمم المتحدة، أدى إعصار «ميغ» إلى وفاة خمسة أشخاص وفقدان 16 وإصابة 60، فيما دُمر أكثر من 800 منزل كليًا أو جزئيًا، ونزحت نحو ثلاثة آلاف أسرة.

وفي مايو/أيار 2018، تعرضت سقطرى لإعصار «مكونو»، الذي خلف وفيات ومفقودين وأضرارًا واسعة. ثم جاء إعصار «تيج» في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مصحوبًا بأمطار غزيرة ورياح قوية، وأثر في آلاف الأسر في سقطرى والمهرة وحضرموت.

سقطرى وسؤال العدالة المناخية

ما تمر به سقطرى يضع الجزيرة في قلب سؤال العدالة المناخية: كيف تتحمل مجتمعات محدودة الإسهام في الانبعاثات العالمية جانبًا كبيرًا من آثار أزمة تتجاوز الحدود والقارات؟فتضرر سبل العيش والبنية التحتية وتهديد التراث الطبيعي الفريد للجزيرة ليست مجرد خسائر بيئية، بل آثار تمتد إلى حياة السكان وحقوقهم وقدرتهم على التكيف.

وبينما تتراكم غازات الدفيئة عالميًا، تقف سقطرى، بسكانها ونظمها البيئية النادرة، في مواجهة مخاطر متزايدة، وهو ما يثير سؤالًا يتجاوز الجزيرة نفسها: ما الأدوات المتاحة لحماية المجتمعات الأكثر تعرضًا للأضرار المناخية، وكيف يمكن تحويل مفاهيم الإنصاف والمسؤولية إلى حماية فعلية؟

وهنا يتجاوز السؤال حدود سقطرى: فإذا كانت المجتمعات الأقل إسهامًا في تغير المناخ من بين الأكثر تعرضًا لخسائره، فإلى أي مدى تستطيع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والقانون الدولي تحويل مبادئ العدالة المناخية إلى حماية وإنصاف فعليين لهذه المجتمعات؟

المناخ يدخل منظومة حقوق الإنسان

مع تصاعد آثار تغير المناخ، تعزز خلال السنوات الأخيرة حضور حقوق الإنسان داخل العمل المناخي الدولي، في تحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة والتدهور البيئي لا تهدد النظم الطبيعية فحسب، بل تمتد آثارها إلى حقوق أساسية، من الحياة والصحة والمياه والغذاء والسكن، وصولًا إلى الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة.

لكن بين الاعتراف بهذه الحقوق وتحقيقها على الأرض تبرز فجوة كبيرة، خصوصًا لدى المجتمعات الأكثر هشاشة والأقل قدرة على التكيف. فهل تستطيع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مساعدة هذه المجتمعات على مواجهة تغير المناخ وتحقيق قدر أكبر من العدالة المناخية؟

شكّل عام 2021 محطة مهمة في تعزيز الصلة بين البيئة ومنظومة حقوق الإنسان الدولية. ففي 8 أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة القرار 48/13، الذي اعترف بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة. وفي 28 يوليو/تموز 2022، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الحق بموجب القرار 76/300 .

وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أيضًا، أنشأ مجلس حقوق الإنسان، بموجب القرار 48/14، ولاية المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق تغير المناخ، مضيفًا آلية متخصصة للنظر في التداعيات الحقوقية للأزمة المناخية.

وترى الدكتورة مارغريتا ويورينكي-سينغ (Margaretha Wewerinke-Singh)، الأستاذة المشاركة في قانون الاستدامة بجامعة أمستردام وعضو المحكمة الدائمة للتحكيم، أن آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أدت دورًا مبكرًا في إعادة تعريف موقع المناخ داخل المنظومة القانونية الدولية.

وتقول إن هذه الآليات أسهمت في توصيف تغير المناخ باعتباره قضية حقوق إنسان، وليس مجرد قضية بيئية.

وتوضح أن الاعتراف بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة لم ينشئ التزامات جديدة على الدول، لكنه أوضح أن الضرر البيئي يمكن أن يشكل في حد ذاته انتهاكًا لالتزامات الدول في مجال حقوق الإنسان، كما وفر للمحاكم والهيئات التشريعية حول العالم إطارًا مشتركًا يمكن الاستناد إليه.

ولا يقتصر التعامل مع المناخ داخل منظومة حقوق الإنسان على هاتين الآليتين؛ فمجلس حقوق الإنسان وإجراءاته الخاصة والاستعراض الدوري الشامل، إلى جانب هيئات معاهدات حقوق الإنسان، توفر مسارات مختلفة لرصد الآثار الحقوقية للقضايا البيئية والمناخية وتقديم التوصيات إلى الدول.

وتوضح ويورينكي-سينغ أن المسارات القانونية المتاحة تشمل كذلك البلاغات الفردية المقدمة إلى هيئات المعاهدات عندما تكون الدولة قد قبلت اختصاصها، فضلًا عن الأنظمة الإقليمية لحقوق الإنسان.

غير أن لهذه المسارات حدودًا واضحة؛ فالنتائج التي تتوصل إليها كثير من هذه الآليات ليست قابلة للإنفاذ في جميع الحالات، كما أن اللجوء إليها يتطلب عادة وجود ضحية تستطيع إثبات تعرضها لضرر شخصي، إضافة إلى بطء الإجراءات مقارنة بسرعة تطور الأضرار المناخية.

وتلخص ويورينكي-سينغ وظيفة هذه الآليات بالقول إنها تساعد في بناء سجل قانوني وتغيير أسس النقاش، لكنها ليست في حد ذاتها وسيلة انتصاف.

جزر مضيق توريس.. حين اختبر المتضررون آليات الأمم المتحدة

 أظهرت إحدى أبرز القضايا المناخية أمام منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة كيف يمكن للمتضررين أنفسهم استخدام هذه الآليات، وفي الوقت ذاته كشفت المسافة بين الاعتراف بالحق والحصول على الانتصاف.

ففي مايو/أيار 2019، تقدم ثمانية من السكان الأصليين في جزر مضيق توريس بأستراليا، نيابة عن أنفسهم وستة من أطفالهم، ببلاغ إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، معتبرين أن أستراليا لم تتخذ إجراءات كافية لمواجهة تغير المناخ، بما في ذلك تدابير التكيف اللازمة لحمايتهم من آثاره، وهو ما قالوا إنه يهدد حقوقهم وحياتهم وثقافتهم.

شجرة دم الأخوين - سقطرى
شجرة دم الأخوين – سقطرى

وينتمي أصحاب الشكوى إلى جزر بويغو وماسيغ ووارابر وبوروما، وهي جزر منخفضة في مضيق توريس. وأوضحوا أمام اللجنة أن تغير المناخ لم يعد بالنسبة إليهم خطرًا مستقبليًا، بل بات يؤثر في الأرض والمنازل والغذاء والموارد الطبيعية والمواقع المرتبطة بثقافتهم وطريقة حياتهم التقليدية.

وبحسب ما قدمه أصحاب الشكوى ووثقته أوراق القضية، تسبب ارتفاع مستوى سطح البحر في فيضانات وتعرية في الجزر، كما تسربت المياه المالحة إلى التربة، ما جعل بعض الأراضي المستخدمة سابقًا للزراعة التقليدية غير قابلة للزراعة. وأشاروا كذلك إلى تبييض الشعاب المرجانية وتراجع بعض الموارد البحرية المهمة للغذاء والدخل والثقافة.

ولم يكن الضرر بالنسبة إليهم ماديًا فقط؛ فثقافة سكان جزر مضيق توريس ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأرض والبحر والنظم البيئية المحيطة بهم، ولذلك اعتبر أصحاب الشكوى أن تدهور هذه البيئة يهدد أيضًا قدرتهم على ممارسة ثقافتهم ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

وفي 21 يوليو/تموز 2022، أصدرت لجنة حقوق الإنسان قرارها في قضية «Billy وآخرين ضد أستراليا»، وخلصت إلى أن عدم اتخاذ أستراليا تدابير كافية وفي الوقت المناسب لحماية أصحاب الشكوى من الآثار السلبية لتغير المناخ أدى إلى انتهاك حقوقهم بموجب المادتين 17 و27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتتعلق المادة 17 بالحماية من التدخل التعسفي أو غير القانوني في الحياة الخاصة والأسرة والمنزل، فيما تحمي المادة 27 حق الأشخاص المنتمين إلى أقليات في التمتع بثقافتهم.

وفي المقابل، لم تجد أغلبية اللجنة، استنادًا إلى الوقائع المعروضة عليها، انتهاكًا للمادة السادسة المتعلقة بالحق في الحياة.

وطلبت اللجنة من أستراليا توفير سبيل انتصاف فعال لأصحاب الشكوى، بما يشمل تقديم تعويض مناسب عن الأضرار التي تعرضوا لها، والدخول في مشاورات هادفة معهم لتقييم احتياجاتهم، ومواصلة اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرار وجود مجتمعاتهم بأمان في جزرهم، إلى جانب مراقبة فاعلية الإجراءات المتخذة ومعالجة أي قصور فيها.

وتكتسب القضية أهميتها في النقاش حول العدالة المناخية لأنها نقلت آثار تغير المناخ من مستوى الضرر البيئي العام إلى مطالبة أشخاص محددين بحقوق يحميها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وانتهت إلى قرار من هيئة أممية يقر بانتهاك بعض تلك الحقوق.

لكن القضية تكشف أيضًا حدود المسافة بين الاعتراف والانتصاف؛ فالوصول إلى آلية دولية والحصول على قرار يؤكد وقوع انتهاك يمثل خطوة مهمة، لكن التنفيذ وما يترتب عليه من حماية فعلية وجبر للضرر يظلان الاختبار الأكثر صعوبة.

وتقوم المقاربة الحقوقية للعمل المناخي على أن نجاح السياسات لا يقاس فقط بمقدار خفض الانبعاثات، بل كذلك بقدرتها على حماية الأشخاص من آثار الأزمة، وضمان المشاركة والوصول إلى المعلومات وعدم التمييز وإتاحة سبل الإنصاف، خصوصًا للفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

 من تسبب في الأزمة ومن يدفع الثمن؟

تقود العلاقة بين المناخ وحقوق الإنسان إلى سؤال أوسع يتعلق بالعدالة المناخية. فالدول لا تتساوى في حجم مساهمتها في مسببات تغير المناخ، كما تختلف بصورة كبيرة في مواردها وقدرتها على حماية سكانها من آثاره.

يقول الدكتور عبد القادر الخراز، الباحث في البيئة، إن الإنسان يمثل عنصرًا أساسيًا في البيئة إلى جانب الماء والهواء والتربة، ولذلك لا يمكن فصل الأضرار الناجمة عن تغير المناخ عن حقوق الإنسان. ويشير الخراز إلى أن تأثيرات تغير المناخ أصبحت عابرة للحدود، وأن بعض الدول والمجتمعات تسهم بدرجة محدودة في مسببات الأزمة، لكنها تتحمل في المقابل آثارًا مناخية كبيرة.

ويرى أن هذا الاختلال يضع مسؤوليات على الدول الأكثر إسهامًا في الانبعاثات تجاه المجتمعات الأكثر ضعفًا وتضررًا، بالتوازي مع مسؤولية الحكومات الوطنية عن حماية السكان والاستفادة من الموارد والآليات الدولية المتاحة لمساعدتهم على التكيف.

لكن المقاربة الحقوقية تضيف بعدًا آخر إلى هذه العلاقة. فبحسب ويورينكي-سينغ، لا ينطلق قانون حقوق الإنسان فقط من مقدار مساهمة بلد ما في المشكلة، وإنما من الالتزامات الواقعة على الدول والضرر الذي تعرض له الأشخاص.

وتقول إن هذه المقاربة تضع المتضررين في مركز المطالبة، وتدفع الدول إلى النظر إلى آثار أفعالها خارج حدودها.

وبالنسبة إلى البلدان ذات الانبعاثات المنخفضة، ترى ويورينكي-سينغ أن لهذا التحول دلالة جوهرية، وتقول: «هذا هو الفارق بين طلب التضامن والمطالبة بحق».

ومن هذا المنظور، لا تعود العدالة المناخية مجرد مسألة توفير التمويل، بل تصبح سؤالًا عن المسؤولية والإنصاف والحقوق: من أسهم أكثر في الأزمة؟ ومن يتحمل آثارها؟ ومن يتحمل مسؤولية الضرر؟ وهل يستطيع المتضررون الحصول على الإنصاف؟

فجوة الإنفاذ: تحدٍ أمام العدالة المناخية

تعمل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على تعزيز نهج قائم على حقوق الإنسان في التعامل مع تغير المناخ، يشمل إدماج الحقوق في السياسات البيئية، والمشاركة والوصول إلى المعلومات وسبل الانتصاف، مع إيلاء اهتمام خاص للأشخاص الأكثر عرضة للمخاطر.

إنفوجرافيك المناخ وحقوق الانسان والعدالة المناخية
إنفوجرافيك المناخ وحقوق الانسان والعدالة المناخية

لكن الاعتراف بالحقوق ووجود الآليات الدولية لا يعنيان بالضرورة وصول نتائجها إلى المجتمعات المتضررة. وهنا يرى الدكتور عبد القادر الخراز أن المشكلة الأساسية تظهر عند الانتقال من المبادئ والتمويلات إلى التنفيذ على الأرض.

ويصف الخراز آليات الأمم المتحدة بأنها «جيدة من حيث المبدأ»، لكنه يرى أن فاعلية بعض المشروعات والتمويلات قد تتراجع عندما تتولى تنفيذها جهات تفتقر إلى التخصص الفني أو الخبرة الميدانية، محذرًا كذلك من أن ضعف الشفافية والفساد وتضارب المصالح قد تؤثر في كفاءة استخدام الموارد.

وتظل هذه الملاحظات تقييمًا يطرحه الخراز، وتتطلب أدلة مستقلة عند ربطها بمشروع أو مؤسسة بعينها. لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تصل الموارد الدولية فعلًا إلى المجتمعات التي يفترض أن تستفيد منها؟

العدالة المناخية لا تعني التمويل وحده

 غير أن وصول التمويل، على أهميته، لا يمثل وحده العدالة المناخية. فالنهج القائم على حقوق الإنسان يضع السكان في قلب القرارات التي تمس حياتهم، ويمنحهم الحق في المشاركة والوصول إلى المعلومات والمطالبة بسبل انتصاف فعالة.

وتزداد أهمية ذلك في المجتمعات الهشة، حيث تتقاطع المخاطر المناخية مع الفقر والنزاعات وضعف المؤسسات والخدمات. وفي هذه الحالات، لا يتعلق السؤال فقط بحجم الموارد المتاحة، بل أيضًا بكيفية توزيعها، ومن يحدد أولويات استخدامها، ومدى وصولها إلى المجتمعات الأكثر حاجة إليها.

جزر المحيط الهادئ.. العدالة المناخية أمام القضاء الدولي

 تظهر مفارقة العدالة المناخية بوضوح لدى الدول الجزرية الصغيرة، التي تواجه مخاطر متصاعدة مرتبطة بتغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر، في وقت تبقى مساهمة كثير منها في الانبعاثات العالمية محدودة.

ومن قلب المحيط الهادئ، برزت فانواتو في تحرك دولي نقل سؤال العدالة المناخية إلى الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. ففي 29 مارس/آذار 2023، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يطلب من محكمة العدل الدولية إصدار رأي استشاري بشأن التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المناخ.

وطلب القرار من المحكمة توضيح التزامات الدول، بموجب القانون الدولي، في حماية النظام المناخي وأجزاء أخرى من البيئة من انبعاثات غازات الدفيئة البشرية المنشأ، لمصلحة الدول والأجيال الحالية والمقبلة، وكذلك تحديد العواقب القانونية عندما تتسبب أفعال الدول أو امتناعها عن العمل في إلحاق ضرر كبير بالنظام المناخي والبيئة.

وأعطى السؤال اهتمامًا خاصًا بالدول التي تتعرض، بسبب ظروفها الجغرافية ومستوى تنميتها، لأضرار مناخية شديدة، بما فيها الدول الجزرية الصغيرة، وكذلك للشعوب والأفراد من الأجيال الحالية والمقبلة.

وفي عام 2024، تلقت المحكمة 91 مذكرة مكتوبة، وهو أكبر عدد في إجراءات استشارية أمام المحكمة حتى ذلك الوقت؛ كما شاركت 96 دولة و11 منظمة دولية في جلسات 2–13 ديسمبر/كانون الأول 2024 .

وشهد المسار تطورًا حاسمًا في 23 يوليو/تموز 2025، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المناخ.

وتقول ويورينكي-سينغ إن رأي المحكمة أكد انطباق واجب منع الضرر البيئي الجسيم على حماية النظام المناخي، وأن الوفاء بهذا الواجب يتطلب من الدول ممارسة العناية الواجبة وفق معيار صارم.

وبحسب قراءتها للرأي، فإن إخفاق دولة في اتخاذ التدابير المناسبة لحماية النظام المناخي من انبعاثات غازات الدفيئة قد يرتب مسؤوليتها الدولية إذا شكّل إخلالًا بالتزاماتها القانونية. ويشمل ذلك، بحسب ما تناوله الرأي، سلوك الدول المتصل بإنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه، ومنح تراخيص الاستكشاف أو تقديم الدعم الحكومي له.

وترى ويورينكي-سينغ أن أهمية الرأي تكمن في أنه غيّر طبيعة النقاش القانوني بشأن المناخ. وتقول: «لقد انتقل الخطاب من الحديث عما ينبغي للدول أن تفعله إلى ما هي ملزمة بالفعل بفعله»، بل إلى البحث في الالتزامات التي ربما تكون قد انتهكت بالفعل، وما الشكل الذي ينبغي أن يتخذه جبر الضرر.

ويعني ذلك أن المسار الذي بدأ بمبادرة من دول شديدة التعرض للمخاطر المناخية لم يعد مجرد محاولة للحصول على اعتراف أخلاقي بعدم المساواة في آثار الأزمة، وإنما أصبح جزءًا من نقاش قانوني حول الالتزامات والمسؤولية والعواقب المترتبة على الإخلال بها.

وبذلك انتقل جانب مهم من نقاش العدالة المناخية من المجال الأخلاقي والسياسي إلى ساحة القانون والمساءلة الدولية.

ما الذي تستطيع آليات حقوق الإنسان فعله؟

 لا تمثل آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بديلًا عن السياسات المناخية الوطنية أو منظومة التفاوض والتمويل المناخي، لكنها توفر أدوات للرصد والمساءلة وإبراز آثار الأزمة على الإنسان، ويمكن لتقاريرها وتوصياتها وإجراءاتها الخاصة والاستعراضات الدولية أن تدفع نحو إدماج الاعتبارات الحقوقية في السياسات البيئية والمناخية.

كما تمنح المقاربة الحقوقية المجتمعات ومنظمات المجتمع المدني أدوات للمطالبة بالمشاركة والوصول إلى المعلومات والحماية وعدم التمييز وسبل الإنصاف، لكن تأثير هذه الآليات يظل مرتبطًا باستجابة الدول، وقوة المؤسسات الوطنية، وقدرة المتضررين على استخدام المسارات المتاحة.

وتضع ويورينكي-سينغ يدها على ما تعتبره المشكلة المركزية في المرحلة الحالية: «الفجوة هي بين الاعتراف والانتصاف». فالقانون، بحسبها، بات يقرر أن التسبب في الضرر يمكن، من حيث المبدأ، أن يكون غير مشروع، وأن جبر الضرر قد يكون مستحقًا، وأن الأشخاص المتضررين أصحاب حقوق. لكن الحلقة الناقصة تظل الإنفاذ، ووجود محفل يستطيع من خلاله الأكثر تضررًا الحصول على إنصاف حقيقي.

وترى أن سد هذه الفجوة يتوقف على استخدام الآراء القانونية الدولية أمام المحاكم الوطنية والإقليمية، وفي ترتيبات الخسائر والأضرار، وكذلك من جانب الدول التي يحق لها الاحتجاج بالمسؤولية الدولية ولم تفعل ذلك حتى الآن.

من الاعتراف بالحقوق إلى تحقيق العدالة

يمثل إدماج حقوق الإنسان في العمل المناخي تحولًا في طريقة التعامل مع الأزمة؛ فالنقاش لم يعد مقتصرًا على مقدار الانبعاثات التي ينبغي خفضها، بل بات يشمل الأشخاص الذين يتحملون آثار الاحترار وحقوقهم في المشاركة والحماية والمعلومات والإنصاف.

وتضيف التطورات القانونية الدولية بعدًا آخر إلى هذا التحول، بالانتقال من الاعتراف بأن تغير المناخ يمس حقوق الإنسان إلى تحديد التزامات الدول، ثم طرح أسئلة المسؤولية وجبر الضرر عند الإخلال بهذه الالتزامات.

وهنا يظهر الفارق بين الاعتراف بالحق وتحقيق العدالة

لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان تغير المناخ يمس حقوق الإنسان؛ فقد بات هذا الارتباط حاضرًا في قرارات الأمم المتحدة وآراء هيئاتها وقضايا وصلت إلى ساحات القضاء الدولي. السؤال الأصعب هو: إلى أي مدى تستطيع هذه الآليات أن تحول الاعتراف بالحقوق إلى حماية فعلية للمجتمعات التي تتحمل أضرارًا لم تكن هي المساهم الأكبر في صنعها؟

تكشف التجارب المعروضة في هذا التقرير أن آليات حقوق الإنسان يمكن أن تمنح المتضررين مساحة لإسماع أصواتهم، وتوثيق الضرر، وبناء سجل قانوني يمكن الاستناد إليه في مساءلة الدول. لكن الوصول إلى قرار أو رأي قانوني لا يعني بالضرورة حصول المتضررين سريعًا على التعويض أو الحماية؛ فالفجوة بين الاعتراف بالحق وتنفيذه لا تزال واحدة من أبرز تحديات العدالة المناخية.

ومن المجتمعات الجزرية التي لجأت إلى آليات الأمم المتحدة دفاعًا عن أراضيها وسبل عيشها، إلى مناطق تواجه آثار الاحترار والظواهر المناخية المتطرفة، يتكرر السؤال نفسه: من يتحمل كلفة الضرر، ومن يملك وسائل المطالبة بالإنصاف؟

وهنا يُختبر المعنى الحقيقي للعدالة المناخية: ليس في عدد القرارات والالتزامات الدولية وحدها، بل في قدرتها على الوصول إلى الإنسان المتضرر، وتحويل الحق إلى إنصاف، والمسؤولية إلى مساءلة، والعدالة المناخية من مبدأ دولي إلى واقع ملموس.

 

صحفي يمني متخصص في الشؤون العلمية

شاهد أيضاً

جامعة ذمار
THAMAR UNIVERSITY

من الورق إلى الخوارزمية.. لماذا لا يزال التحول الرقمي ينتظر عند أبواب الجامعات اليمنية؟

تقرير – يمن ساينس عبدالرحمن أبوطالب تقف مؤسسات التعليم العالي في اليمن عند مفترق طرق …