الرئيسية / أبحاث و دراسات / اللافقاريات المائية تكشف إمكانات غذائية قد تساعد في سد فجوات التغذية عالميًا
© Jeff Hester/Ocean Image Bank
© Jeff Hester/Ocean Image Bank

اللافقاريات المائية تكشف إمكانات غذائية قد تساعد في سد فجوات التغذية عالميًا

دراسة عالمية تكشف أن المحار والقشريات وغيرها توفر حصة من بعض المغذيات تفوق حصتها من الإنتاج المائي، لكن وفرة المغذيات لا تعني بالضرورة وصولها إلى من يحتاجون إليها

يمن ساينس – عبدالرحمن أبوطالب

ليست كل أطنان المأكولات البحرية متساوية في قيمتها الغذائية. فاللافقاريات المائية، مثل المحار وبلح البحر والقشريات، شكلت نحو 15% من حجم المصيد البحري الذي حللته دراسة عالمية جديدة، لكنها قدمت حصة تفوق هذه النسبة من 11 مغذيًا من أصل 30 شملها التحليل.

وتتسع الفجوة في الاستزراع المائي. فاللافقاريات شكلت نحو ثلث حجم الإنتاج، لكنها أسهمت بأكثر من 70% من النحاس والزنك الموجودين فيه، وبأكثر من نصف إمداداته من الصوديوم واليود وفيتامين B12 وفيتامين C والحديد.

هذه الفجوة بين وزن الغذاء وما يحمله من مغذيات تقع في قلب دراسة قادتها جيسيكا زامبوراين-ماسون بمشاركة باحثين من مؤسسات عدة، بينها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) وكلية هارفارد للصحة العامة وجامعة لانكستر.

وبدل الاكتفاء بالسؤال عن كمية اللافقاريات التي ينتجها العالم، جمع الباحثون بيانات المصايد والاستزراع المائي مع بيانات التركيب الغذائي، لتقدير مساهمة هذه الحيوانات في الإمدادات العالمية من 30 مغذيًا أساسيًا لصحة الإنسان.

مليارات «الاحتياجات» لا مليارات الأشخاص

تكشف الحسابات عن حجم غذائي لافت. فوفق بيانات عام 2019، احتوى إنتاج اللافقاريات من الاستزراع المائي والمصايد البحرية على كميات من السيلينيوم وفيتامين B12 تعادل الاحتياجات السنوية لأكثر من خمسة مليارات شخص لكل منهما.

كما احتوى على ما يعادل الاحتياجات السنوية لأكثر من مليار شخص من النحاس واليود والزنك وأحماض أوميغا-3، بما فيها EPA وDHA. وتجاوزت مكافئات الاحتياجات السنوية 300 مليون شخص بالنسبة إلى فيتامين B3 والبروتين والكروم والفوسفور، و100 مليون بالنسبة إلى مجموعة أخرى من المغذيات، منها الحديد والمنغنيز والمغنيسيوم وفيتامين B2.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن اللافقاريات «تطعم خمسة مليارات شخص»، أو أن هذا العدد يحصل بالفعل على احتياجاته من فيتامين B12 أو السيلينيوم منها.

ما فعله الباحثون هو مقارنة كمية المغذي الموجودة في الإنتاج بمتوسط الاحتياجات الغذائية السنوية. أما استفادة البشر الفعلية منها فتتوقف على عوامل أخرى، تبدأ بتوزيع الغذاء وإمكانية الوصول إليه ولا تنتهي بطريقة تناوله وقدرة الجسم على الاستفادة من مغذياته.

ولهذا يصبح رقم الخمسة مليارات مقياسًا لحجم الإمداد الغذائي المحتمل، وليس تقديرًا لعدد المستفيدين فعليًا.

ليست كل اللافقاريات سواء

كما أن «اللافقاريات المائية» ليست غذاءً واحدًا.

وجد الباحثون اختلافات واسعة في التركيب الغذائي بين مجموعاتها. فذوات المصراعين، التي تضم أنواعًا من المحار وبلح البحر، ارتبطت بتركيزات مرتفعة نسبيًا من الحديد واليود والزنك وفيتامين B12. أما شوكيات الجلد، التي تضم قنافذ البحر وخيار البحر، فظهرت لديها تركيزات مرتفعة نسبيًا من مغذيات بينها السيلينيوم والمغنيسيوم والمنغنيز والصوديوم.

وتتفق الصورة العامة مع أبحاث سابقة أظهرت كثافة مرتفعة لبعض المغذيات في ذوات المصراعين. لذلك لا يكمن الجديد في اكتشاف أن المحار قد يكون غنيًا بالمغذيات، وإنما في محاولة الدراسة الجديدة حساب مساهمة اللافقاريات في إمدادات المغذيات عالميًا ومقارنتها بحصتها من حجم الإنتاج.

ولا يتحدد التركيب الغذائي بالنوع وحده. فقد وجد الباحثون أن الجزء الذي يؤكل وطريقة المعالجة يرتبطان أيضًا بتركيز المغذيات؛ وفي عدد من الحالات ارتبط تناول الكائن كاملًا أو مجففًا بتركيزات أعلى من بعض المعادن مقارنة بالأنسجة العضلية النيئة.

من 465 نوعًا مقاسًا إلى أكثر من 50 ألف تنبؤ

لكن اتساع التنوع الحيوي للافقاريات يضع الباحثين أمام مشكلة: البيانات الغذائية المباشرة متوافرة لجزء صغير فقط من أنواعها.

استخدمت الدراسة قاعدة بيانات تضم 13,888 عينة من 465 نوعًا، وربطتها بمعلومات عن الخصائص البيئية والحياتية للأنواع. وبعد ذلك بنى الباحثون نماذج إحصائية بايزية لتقدير التركيب الغذائي المحتمل لـ50,807 أنواع من اللافقاريات الكبيرة المسجلة في قاعدة SeaLifeBase.

والفارق بين الرقمين جوهري: الباحثون لم يقيسوا التركيب الغذائي لخمسين ألف نوع، وإنما استخدموا البيانات المتاحة لبناء تنبؤات للأنواع التي تفتقر إلى القياسات المباشرة.

وتعني هذه الفجوة أن اليقين ليس متساويًا عبر النتائج. فبعض المجموعات ممثلة ببيانات أقل من غيرها، وبعض المغذيات تعاني ندرة القياسات، كما أن المعلومات المتاحة عن تغير التركيب الغذائي للنوع الواحد باختلاف المكان والزمن محدودة.

ومن ثم، تمثل خريطة عشرات الآلاف من الأنواع مجالًا للاستكشاف والاختبار المستقبلي أكثر من كونها جدولًا نهائيًا لقيم غذائية مثبتة.

حين لا يصل المخزون الغذائي إلى من يحتاجه

تكمن المفارقة الأكبر في أن وجود كميات ضخمة من المغذيات داخل النظام الغذائي العالمي لا يضمن وصولها إلى البشر الذين يعانون عدم كفاية تناولها.

وتقر الدراسة نفسها بهذه المسافة. فتحويل الإمكانات الغذائية للافقاريات إلى منفعة فعلية يتوقف على استدامة الإنتاج، وسلامة الغذاء، وإمكانية الوصول إليه، والقدرة على تحمل تكلفته، والقبول الثقافي، فضلًا عن التوافر الحيوي للمغذيات بعد تناولها.

كما لا تتفوق اللافقاريات على بقية الأغذية المائية في جميع المغذيات. فقد جاءت مساهمتها في البروتين وفيتامين D وعدد من المغذيات والأحماض الدهنية أقل من حصتها من حجم الإنتاج، ما يشير إلى دور أكبر لمجموعات مائية أخرى فيها.

لذلك لا تقدم النتائج حجة لاستبدال الأسماك باللافقاريات، بقدر ما تدعم النظر إلى الأغذية المائية بوصفها محفظة غذائية متنوعة، تختلف قيمة مكوناتها باختلاف المغذي الذي ننظر إليه.

وهناك أيضًا حدود بيئية واضحة. فإثبات القيمة الغذائية لنوع ما لا يعني أن زيادة صيده أو استزراعه مستدامة. ولهذا يضع الباحثون الاستدامة البيئية شرطًا صريحًا قبل الحديث عن توسيع دور اللافقاريات في السياسات الغذائية.

ما تغيره الدراسة، في النهاية، هو وحدة القياس التي ننظر بها إلى جزء من غذائنا القادم من المياه.

حين يُقاس البحر بالأطنان وحدها، تبدو اللافقاريات جزءًا محدودًا نسبيًا من الطعام الذي ينتجه. وحين يُقاس بما تحمله تلك الأطنان من مغذيات، تتغير الصورة. لكن المسافة بين المغذي الموجود في البحر والمغذي الذي يصل إلى طبق الإنسان ثم يمتصه جسمه تظل الجزء الأصعب من المعادلة.

شاهد أيضاً

خريطة اراضي اليمن - المصدر تقرير الغابات

أراضي اليمن تبدو مستقرة.. لكن أداءها البيولوجي يتراجع

عمر الحياني تبدو معظم أراضي اليمن مستقرة في نوع غطائها الأرضي، لكن هذا الاستقرار يخفي …