الرئيسية / أبحاث و دراسات / باحث يمني يطرح تفسيرًا رياضيًا للغز في نماذج الطاقة المظلمة
Dark_Energy_Survey_-_galaxy_NGC_1398_(14935678916)

باحث يمني يطرح تفسيرًا رياضيًا للغز في نماذج الطاقة المظلمة

دراسة للباحث اليمني المستقل لؤي عبدالسلام عبدالله منصر تبحث سبب تكرار عبور نماذج للطاقة المظلمة خطًا يعرف بـw=−1w=-1، وتقترح أن جزءًا من الإجابة قد يكمن في الطريقة التي تقيّد بها قياسات الكون هذه النماذج، لا في خصائص الطاقة المظلمة وحدها.

عبدالرحمن أبوطالب

منذ اكتشاف أن تمدد الكون يتسارع، يستخدم علماء الكونيات اسم «الطاقة المظلمة» لوصف المكوّن الغامض الذي يمكنه تفسير هذا التسارع. لكنهم لا يعرفون حتى الآن ماهية هذا المكوّن على وجه اليقين، ولا ما إذا كان ثابتًا أم تغير تأثيره خلال تاريخ الكون.

ومن بين الطرق التي يحاول بها العلماء الإجابة عن هذا السؤال رقم يرمز إليه بالحرف ww. يسمى هذا الرقم «معامل معادلة الحالة»، ويمكن التفكير فيه ببساطة على أنه مؤشر يصف العلاقة بين ضغط الطاقة المظلمة وكثافتها، ومن ثم سلوكها مع تمدد الكون.

في أبسط تفسير للطاقة المظلمة، وهو الثابت الكوني المستخدم في النموذج الكوني القياسي المعروف اختصارًا بـΛCDM، تساوي قيمة هذا المؤشر −1 بالضبط.

لهذا يكتسب الخط w=−1w=-1 أهمية خاصة. فإذا أشارت النماذج إلى أن ww كانت أعلى من −1 في مرحلة من تاريخ الكون ثم أصبحت أقل منه، أو العكس، يقول العلماء إن معادلة الحالة «عبرت −1».

وقد ظهر مثل هذا العبور في بعض التحليلات الحديثة للطاقة المظلمة.

لكن دراسة للباحث اليمني المستقل لؤي عبدالسلام عبدالله منصر (Loay Abdulsalam Abdullah Monsar) تطرح سؤالًا مختلفًا: هل ظهور هذا العبور يخبرنا فقط عن طبيعة الطاقة المظلمة، أم أن جزءًا منه قد ينتج أيضًا عن القيود الرياضية التي تفرضها طريقة قياسنا للكون؟

النتيجة الرئيسية التي يقدمها منصر هي مبرهنة رياضية تقول، ضمن شروط محددة، إن نموذجًا يغير سلوك الطاقة المظلمة مع إبقاء مسافة كونية مهمة دون تغيير لا يستطيع أن يظل على جانب واحد من w=−1w=-1. عليه أن يعبر هذا الخط مرة واحدة على الأقل.

واللافت أن الحسابات تساعد أيضًا في فهم سبب ظهور العبور عند مراحل متأخرة نسبيًا من تاريخ الكون في نماذج مختلفة.

لكن هذا لا يعني أن الدراسة أثبتت أن الطاقة المظلمة الحقيقية في الكون عبرت −1. الفرق بين الأمرين أساسي لفهم النتيجة.

صورة قديمة للكون تصبح مسطرة

لفهم الفكرة، علينا العودة إلى ضوء انطلق قبل أكثر من 13 مليار سنة.

يسمي العلماء هذا الضوء الخلفية الكونية الميكروية (CMB). ويمكن تبسيطها بوصفها أقدم «صورة ضوئية» تقريبًا نستطيع الحصول عليها للكون، تعود إلى مرحلة كان عمره فيها نحو 380 ألف سنة.

يستطيع العلماء تحديد المسافة الكونية المرتبطة بهذه الخلفية بدقة عالية. وهذه المسافة لا تعتمد على ما يحدث اليوم فقط، بل على كيفية تمدد الكون طوال الرحلة التي قطعها الضوء حتى وصل إلينا.

وهنا يمكن استخدام مثال للتقريب.

تخيل رحلة بين مدينتين تستغرق مدة محددة. إذا غيّرت سرعة السيارة طوال الطريق، لكنك اشترطت أن تبقى مدة الرحلة النهائية نفسها تمامًا، فلا يمكنك بالضرورة تغيير السرعة بالطريقة التي تريدها. زيادة السرعة في أجزاء من الطريق قد تحتاج إلى تعويض في أجزاء أخرى.

التشبيه ليس وصفًا حرفيًا للمعادلات الكونية، لكنه يقرب الفكرة الأساسية: الحفاظ على نتيجة نهائية واحدة يمكن أن يفرض قيودًا على التغيرات التي حدثت في الطريق إليها.

في حالة دراسة منصر، «النتيجة النهائية» التي يريد الحفاظ عليها هي المسافة إلى الخلفية الكونية، بينما الشيء الذي يسمح له بالتغير هو سلوك الطاقة المظلمة.

لماذا يصبح العبور ضروريًا؟

يبدأ الباحث من النموذج الذي تكون فيه w=−1w=-1، ثم يسأل ماذا يحدث إذا سمحنا لها بالابتعاد عن هذه القيمة مع الزمن.

في الحساب التقريبي الأول، يجد أن تأثير هذه التغيرات في مسافة الخلفية الكونية يشبه جمع سلسلة من المساهمات، لكن بأوزان مختلفة بحسب المرحلة الكونية.

والمفتاح الرياضي هنا أن هذه الأوزان كلها موجبة.

للتقريب، تخيل ميزانًا تجمع فيه عدة أرقام، وكل رقم يُضرب في وزن موجب. إذا كانت جميع الأرقام موجبة، فلن يكون مجموعها صفرًا. وإذا كانت جميعها سالبة، فلن يكون صفرًا أيضًا.

لكي تحصل على صفر، تحتاج — في الحالة التي تبحثها المبرهنة — إلى مساهمات موجبة وأخرى سالبة تتعادل.

وبلغة الدراسة، يعني ذلك أن الانحراف عن w=−1w=-1 لا يستطيع البقاء كله في اتجاه واحد. يجب أن يغير إشارته في مكان ما.

أي أن ww يجب أن تعبر −1.

ولا يعتمد الاستنتاج الرئيسي فقط على هذا التقريب. يقدم منصر برهانًا ثانيًا للحالة الكاملة: إذا بقي التغير كله على جانب واحد من −1، فإن المسافة إلى الخلفية الكونية تتحرك في اتجاه واحد كلما زاد مقدار التغير، وبالتالي لا يمكنها أن تعود بالضبط إلى المسافة التي يعطيها النموذج القياسي إلا إذا لم يحدث تغير أصلًا.

هذه هي المبرهنة الأساسية في البحث.

لكن أين يحدث العبور؟

هنا يجب التمييز بين سؤالين. الأول: هل يجب أن يحدث عبور؟ تقول المبرهنة نعم، ضمن الافتراضات التي يحددها البحث.

أما الثاني: متى يحدث؟ هذا لا تحدده المبرهنة العامة. وللاقتراب من الإجابة، حسب الباحث مدى حساسية المسافة إلى الخلفية الكونية للتغيرات التي تقع في مراحل مختلفة من تاريخ الكون.

يمكن تشبيه الأمر بميكروفون لا يلتقط جميع الأصوات بالقوة نفسها: بعض المناطق من التاريخ الكوني يكون تأثير التغير فيها على المسافة أكبر من مناطق أخرى.

ووجد الباحث، بالنسبة إلى النموذج المرجعي الذي استخدمه، أن 85.9% من الوزن الرياضي لهذا التأثير يأتي من انزياحات حمراء أقل من z=1z=1.

والانزياح نحو الأحمر zz هو إحدى الطرق التي يستخدمها الفلكيون لوصف مدى بعدنا في الماضي الكوني: كلما ارتفعت قيمته، فنحن ننظر عمومًا إلى مرحلة أقدم من تاريخ الكون.

ثم اختبر الباحث ثمانية أشكال رياضية سلسة مختلفة لتغير الطاقة المظلمة. وفي هذه الأمثلة وقع العبور بين:

z=0.23z=0.23 وz=0.69z=0.69.

لكن هذا الرقم يحتاج إلى تحذير مهم: المبرهنة لا تتنبأ بأن الطاقة المظلمة يجب أن تعبر −1 بين 0.23 و0.69.

هذا النطاق ظهر في النماذج الثمانية التي اختبرها الباحث، ولذلك يمكن أن يتغير إذا تغيرت أشكال النماذج أو بعض الافتراضات.

لماذا يلفت الرقم 0.4 الانتباه؟

هنا تلتقي الدراسة بسؤال أثار اهتمام علماء الكونيات من قبل.

هناك طريقة شائعة لوصف طاقة مظلمة تتغير مع الزمن تسمى نموذج CPL، نسبة إلى العلماء الذين طوروا هذا النوع من الصياغة. وبدل إعطاء الطاقة المظلمة قيمة ثابتة واحدة، يسمح النموذج لقيمتها بالتغير بطريقة محددة باستخدام معاملين.

عندما طبق منصر شرط الحفاظ على مسافة الخلفية الكونية على هذا النموذج، ظهر العبور عند انزياح أحمر يقارب:

z=0.37z=0.37.

وليست الفكرة جديدة بالكامل.

قبل نحو عقدين، درس عالم الكونيات إريك ليندر تأثير الحفاظ على مسافة الخلفية الكونية في نماذج الطاقة المظلمة المتغيرة، وناقش ظاهرة أطلق عليها «سراب w=−1w=-1». وكان من نتائج هذا النوع من التحليل ظهور عبور قريب من z∼0.4z\sim0.4.

الجديد الذي تقترحه دراسة منصر أضيق من ذلك، لكنه مهم إذا صمد أمام التدقيق المتخصص: الباحث يحاول إثبات أن الحاجة إلى تغير الإشارة ليست مجرد خاصية لنموذج CPL بعينه، بل نتيجة أعم لفئة من التغيرات المستمرة التي تحاول الحفاظ تمامًا على مسافة الخلفية الكونية.

ثم يظهر الرقم القريب من 0.4 مرة أخرى في بيانات حديثة.

ماذا عن DESI؟

DESI هو مشروع ضخم يرسم مواقع ملايين المجرات والأجرام البعيدة، ويساعد العلماء على إعادة بناء تاريخ تمدد الكون.

ومن الأدوات المهمة التي يستخدمها ما يعرف بـالتذبذبات الصوتية الباريونية (BAO). ويمكن تقريب فكرتها بأنها «مسطرة كونية» تركها الكون المبكر، ويستطيع العلماء استخدامها لقياس المسافات في أزمنة مختلفة.

عندما تُجمع قياسات DESI مع بيانات أخرى، يستطيع الباحثون اختبار نماذج مختلفة للطاقة المظلمة.

وتستخدم النسخة المتاحة لنا من دراسة منصر قيمًا من تحليل يجمع DESI DR2، أي الإصدار الثاني من بيانات المشروع، مع بيانات الخلفية الكونية الميكروية ومستعرات عظمى من عينة DESY5.

وعند وضع أفضل القيم المستخدمة في الدراسة داخل نموذج CPL، يحدث عبور w=−1w=-1 عند نحو:

z=0.405z=0.405.

وهو قريب من z=0.37z=0.37 الذي يعطيه شرط المسافة في حساب منصر.

هذا التقارب مثير للاهتمام، لكنه ليس إثباتًا على أن المبرهنة فسرت نتائج DESI.

فالرقم 0.405 ليس شيئًا شاهده تلسكوب مباشرة في السماء. إنه قيمة مستنتجة بعد إدخال البيانات في نموذج رياضي.

وهذا فرق مهم: يشبه الأمر قياس مجموعة من آثار الإطارات ثم استخدام نموذج لاستنتاج سرعة السيارة. الآثار بيانات حقيقية، لكن السرعة المستنتجة تعتمد أيضًا على النموذج الذي يربط بينها وبين حركة السيارة.

هل الطاقة المظلمة تتغير فعلًا؟

لا تزال الإجابة غير محسومة.

أظهرت تحليلات DESI مجتمعة مع مجموعات أخرى من البيانات مؤشرات مثيرة للاهتمام إلى أن الطاقة المظلمة قد لا تكون ثابتة تمامًا. لكن قوة هذه المؤشرات تتأثر بالبيانات التي تُجمع مع DESI وبالنموذج المستخدم في التحليل.

كما أن نتائج أحدث أعلنها DESI في يوليو/تموز 2026 من تحليل لغابة ليمان-ألفا — وهي بصمات يتركها غاز الهيدروجين بيننا وبين أجرام بعيدة جدًا في الضوء الذي يصل إلينا — حرّكت القيمة المركزية لذلك القياس باتجاه توقعات النموذج القياسي ΛCDM.

لذلك لا يمكن القول إن العلماء أثبتوا أن الطاقة المظلمة تتغير، فضلًا عن القول إنهم شاهدوها تعبر w=−1w=-1 مباشرة.

وهذا لا يتعارض مع مبرهنة منصر.

فالمبرهنة تجيب عن سؤال من نوع: إذا أردنا من فئة معينة من النماذج أن تغير الطاقة المظلمة مع الحفاظ على مسافة CMB نفسها، فما الذي يجب أن تفعله؟

أما الرصد فيسأل سؤالًا مختلفًا: هل يحتاج الكون الحقيقي أصلًا إلى هذا التغير؟

ما هو «الحد الشبحي»؟

تسمى w=−1w=-1 أحيانًا «الحد الشبحي»، وتسمى القيم الأقل منها «شبحية» في بعض نماذج الطاقة المظلمة.

لكن الاسم قد يكون مضللًا للقارئ غير المتخصص إذا أُخذ حرفيًا.

دراسة منصر لا تقول إنها اكتشفت مادة غريبة جديدة، ولا تقدم جسيمًا أو مجالًا فيزيائيًا جديدًا يفسر الطاقة المظلمة.

إنها مبرهنة تتعلق أساسًا بتاريخ تمدد الكون والمسافات الكونية.

وقد يظهر سلوك يشبه عبور −1 في وصف رياضي ناتج عن فيزياء أكثر تعقيدًا، مثل وجود أكثر من مجال كوني أو تفاعلات في القطاع المظلم أو تعديلات في نظرية الجاذبية. تحديد أي من هذه الاحتمالات، إن كان أي منها صحيحًا، يحتاج إلى أدلة أخرى.

هناك شروط للمبرهنة

من المهم أيضًا ألا تتحول كلمة «مبرهنة» إلى انطباع بأن النتيجة تنطبق على كل نموذج ممكن للكون.

يفترض البحث، من بين أشياء أخرى، تثبيت معدل التمدد الحالي H0H_0، وكميات المادة والإشعاع الحالية، وأن الكون مسطح على المقاييس الكبيرة، إضافة إلى عدم تغيير الفيزياء المستخدمة لوصف الكون المبكر.

يمكن تشبيه ذلك بمسألة رياضية تقول: «إذا ثبتنا أ، ب، ج، فلا بد أن تحدث النتيجة د».

المبرهنة قد تكون صحيحة تمامًا داخل هذه الشروط، لكن تغيير أحد الشروط يعني أننا أصبحنا أمام مسألة أخرى.

ولهذا لا يستبعد البحث إمكان بناء نماذج مختلفة تغير بعض هذه العناصر أيضًا وتتجنب النتيجة بالطريقة نفسها.

باحث يمني مستقل وراء الدراسة

يحمل البحث أيضًا جانبًا لافتًا للجمهور اليمني والعربي. فصاحبه لؤي عبدالسلام عبدالله منصر باحث يمني مستقل، ويقدم نفسه بهذه الصفة في الورقة، من دون انتساب إلى جامعة أو مركز بحثي.

وتشير بيانات النشر التي أمكن الوصول إليها إلى ارتباط الدراسة بدورية International Journal of Modern Physics D التابعة لـWorld Scientific، وتحمل المعرّف الرقمي DOI: 10.1142/S0218271826500525. كما توجد للبحث صفحة على منصة ResearchGate.

لكن هناك قيدًا مهمًا في مراجعتنا فالنسخة الكاملة التي أمكننا تحليلها قد لا تكون مطابقة في جميع تفاصيلها للنسخة النهائية المنشورة، إذ تشير المعلومات المتاحة عن الأخيرة إلى إضافات تحليلية لا تظهر بالصورة نفسها في الملف الذي تمكنا من فحصه. لذلك لم ننسب إلى النسخة النهائية تفاصيل لم نتمكن من قراءتها مباشرة.

كما لم يتسنَّ لنا الحصول على تقييم من عالم كونيات مستقل للبرهان قبل إعداد هذا التقرير. وقد أمكن مقارنة عدد من أفكار الدراسة وأرقامها بالأدبيات السابقة ونتائج DESI، لكن ذلك لا يعوض مراجعة متخصص مستقل لصحة البرهان نفسه، ولا يحسم مقدار الجدة العلمية التي يمثلها مقارنة بالأعمال السابقة.

السؤال الذي يبقى مفتوحًا

ربما تكون أهم دلالة للدراسة أنها تغير قليلًا طريقة طرح السؤال.

إذا رأى العلماء نموذجًا للطاقة المظلمة يعبر w=−1w=-1 قرب z∼0.4z\sim0.4، فمن المغري أن نسأل فورًا: ما الفيزياء الجديدة التي حدثت في تلك اللحظة من تاريخ الكون؟

لكن المبرهنة تقترح سؤالًا يجب أن يأتي قبل ذلك:

كم من هذا السلوك تفرضه القيود التي نضعها على النموذج نفسه؟

إن كان الحفاظ على مسافة الخلفية الكونية يدفع فئة واسعة من النماذج إلى تغيير اتجاهها، فقد يكون ظهور العبور في التحليلات نتيجة مزيج من شيئين: ما تقوله البيانات عن الكون، والطريقة الرياضية التي نستخدمها لترجمة تلك البيانات إلى قصة عن الطاقة المظلمة.

ولهذا لا يمثل الرقم القريب من z∼0.4z\sim0.4 حتى الآن عنوانًا يقول إن العلماء عرفوا متى «تغيرت الطاقة المظلمة».

إنه، بالأحرى، لغز يحتاج إلى فصل أثر الكون الحقيقي عن أثر الأدوات الرياضية التي ننظر إليه من خلالها.

شاهد أيضاً

شعاب مرجانية

الشعاب المرجانية.. هل تملك ترف الوقت للتعافي؟

عمر الحياني* كشف أحدث تقييم عالمي للشعاب المرجانية تراجعاً في الغطاء المرجاني الصلب، إلا أن …