عمر الحياني
تبدو معظم أراضي اليمن مستقرة في نوع غطائها الأرضي، لكن هذا الاستقرار يخفي تراجعًا أوسع في أدائها البيولوجي. فبحسب التقرير الرابع لمكافحة التصحر في الجمهورية اليمنية، الصادر عام 2023 عن وزارة الزراعة والري والثروة السمكية عبر الإدارة العامة للغابات ومكافحة التصحر، وبالشراكة مع الهيئة العامة لحماية البيئة، صُنّف نحو 79.4 ألف كيلومتر مربع، أي 17.54% من المساحة التي شملها التقييم، باعتبارها أراضي متدهورة، فيما يأتي معظم هذا التدهور من تراجع مؤشر إنتاجية الأرض، لا من تغير واسع في الغطاء الأرضي.
قد لا تتحول الأرض إلى مساحة جرداء، ولا يتغير نوع الغطاء فوقها، ومع ذلك تتراجع قدرتها البيولوجية على إنتاج النباتات والكتلة الحيوية. وهذه هي المفارقة التي يكشفها التقرير، مقدمًا صورة أكثر تعقيدًا لتدهور الأراضي من الصورة التقليدية المرتبطة بزحف الرمال أو اختفاء الغطاء النباتي.

وخلال فترة الإبلاغ 2015-2019، سجل التقرير 76,922 كيلومترًا مربعًا، أو 17% من المساحة، متدهورة وفق مؤشر الإنتاجية. وفي المقابل، بلغت المساحة المصنفة متدهورة وفق تغير الغطاء الأرضي نحو 79 كيلومترًا مربعًا فقط، بينما ظل 99.6% من المساحة مستقراً وفق هذا المؤشر.
ولا تعني «الإنتاجية» هنا كمية المحاصيل التي يحصدها المزارعون، ولا أن الإنتاج الزراعي في اليمن انخفض بنسبة 17%. المقصود هو الأداء البيولوجي للأرض وقدرتها على إنتاج الغطاء النباتي والكتلة الحيوية بمرور الوقت.
وهذا الفرق أساسي لفهم النتيجة؛ فقد تبقى الأرض ضمن الفئة نفسها من الغطاء، كأن تكون أرضًا زراعية أو منطقة شجيرية، بينما تتراجع قدرتها البيولوجية على إنتاج النباتات. لذلك لا يكفي ثبات نوع الغطاء الأرضي للحكم على سلامة النظام البيئي.
الغطاء مستقر.. والإنتاجية تتراجع
يصف التقرير الغطاء النباتي خلال فترة الإبلاغ بأنه «مستقر نسبيًا»، مع تسجيل تدهور محدود في بعض المناطق. وتظهر بياناته أن 451,810 كيلومترات مربعة، أي 99.6% من المساحة المقاسة بهذا المؤشر، ظلت مستقرة.
لكن الصورة تتغير عند النظر إلى إنتاجية الأرض. فقد بلغت مساحة الأراضي المصنفة متدهورة وفق هذا المؤشر عند خط الأساس 7,574 كيلومترًا مربعًا، أو 1.7%، ثم وصلت خلال فترة التقرير إلى 76,922 كيلومترًا مربعًا، أو 17%.
ويظهر هذا الفارق أن تدهور الأرض لا يشترط حدوث تحول واضح في نوع الغطاء فوقها. فالغطاء الأرضي يصف ما يوجد على السطح، بينما يرصد مؤشر الإنتاجية كيفية أداء النباتات والنظام البيئي عبر الزمن.
ويعتمد التقرير في تقييم تدهور الأراضي على ثلاثة مؤشرات رئيسية: تغير الغطاء الأرضي، وإنتاجية الأرض، والكربون العضوي في التربة. وتكشف نتائجه أن مؤشر الإنتاجية هو المساهم الأكبر في المساحة الإجمالية المصنفة متدهورة.

أما الكربون العضوي في التربة، فيظهر استقرارًا أكبر؛ إذ يصنف التقرير نحو 1,216 كيلومترًا مربعًا، أو 0.3%، ضمن الأراضي المتدهورة بهذا المؤشر، مقابل استقرار 99.3% من المساحة.
لذلك سيكون من غير الدقيق تفسير نسبة 17.54% على أنها مساحة «تحولت إلى صحراء». فالرقم يعبر عن تدهور الأراضي وفق مجموعة من المؤشرات البيئية، وهو مفهوم أوسع من التصحر بمعناه البصري المباشر.
الحرب تفسير محتمل.. وليست إجابة نهائية
يربط معدو التقرير التراجع الكبير في إنتاجية الأرض بالحرب وما رافقها من إهمال للأراضي، ويشيرون إلى المهرة وسقطرى وحضرموت والحديدة وأبين وحجة وصعدة بين المناطق الأكثر تأثرًا.لكن بيانات المؤشر لا تكفي وحدها لإثبات أن الحرب هي السبب المباشر لكل المساحة المصنفة متدهورة.
فمؤشرات رصد الأرض تستطيع تحديد المواقع التي تراجع فيها الأداء النباتي، لكنها لا تحدد بمفردها سبب هذا التراجع. وقد تتداخل عوامل متعددة، من النزاع وتعطل النشاط الزراعي إلى شح المياه والجفاف وتغير استخدام الأراضي وضغوط بيئية أخرى.
ولهذا، فإن القول إن «الحرب دمرت 76 ألف كيلومتر مربع من الأراضي» يتجاوز ما تثبته البيانات. الأدق أن الحرب تمثل تفسيرًا يطرحه التقرير ضمن سياق شهد تراجعًا واسعًا في إنتاجية الأرض، فيما يحتاج تحديد مساهمة كل عامل إلى تحليل إضافي.
فجوة في البيانات
ولا تغطي بيانات الإنتاجية كامل المساحة بالمستوى نفسه من المعلومات. فالتقرير يضع نحو 81,320 كيلومترًا مربعًا، أي قرابة 18% من المساحة، ضمن فئة الأراضي التي لا تتوافر عنها معلومات في مؤشر الإنتاجية.
وتظهر فجوة مشابهة في النتيجة النهائية المجمعة لتدهور الأراضي، ما يعني أن قراءة الأرقام الوطنية ينبغي أن تراعي أن جزءًا مهمًا من المساحة لم يتوافر له تقييم كامل.
ولا تلغي هذه الفجوة الاتجاه الذي تكشفه البيانات، لكنها تحد من مقدار ما يمكن تعميمه بثقة على جميع الأراضي اليمنية.
ما وراء صورة الصحراء
لا تكشف بيانات التقرير فقط حجم التدهور، بل تكشف أيضًا حدود النظر إلى الأرض من خلال مظهرها وحده. فقد يبقى الغطاء الأرضي مستقرًا، بينما يتراجع أداء النظام البيئي وقدرته على إنتاج الكتلة الحيوية.
وهذا يعني أن فهم تدهور الأراضي في اليمن يتطلب أكثر من رصد التغير على السطح؛ فهو يحتاج إلى تتبع ما يحدث لوظائف الأرض نفسها، ثم ربط هذا التراجع بعوامل مثل المياه والجفاف واستخدامات الأرض وآثار الحرب على المستوى المحلي.
وبين ما ترصده المؤشرات وما تفسره الأسباب، تبقى الصورة الأوضح هي أن استقرار الغطاء لا يعني بالضرورة استقرار الأرض.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
