في وقت يُعد فيه علاج جذور الأسنان أحد أكثر الإجراءات الطبية حساسية وتعقيدًا، كشفت دراسة يمنية حديثة عن واقع متباين لممارسات أطباء الأسنان في مدينة عدن، يجمع بين الالتزام المقبول بالمعايير الأساسية من جهة، وثغرات مقلقة قد تؤثر على جودة العلاج ونتائجه من جهة أخرى.
الدراسة، التي أجراها الباحثان نشوان العفيفي و سناء الأغبري من كلية طب الأسنان بجامعة عدن بمشاركة الباحثة سماح العامري من كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة العلوم والتكنولوجيا، اعتمدت على استبيان شمل 260 طبيب أسنان عامًا في المدينة، بهدف تقييم معارفهم وسلوكياتهم السريرية في علاج الجذور. وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها في اليمن التي تسلط الضوء بشكل منهجي على هذا الجانب الحيوي من الرعاية الصحية.
ممارسات واسعة… لكن ليست دائمًا مثالية
أظهرت النتائج أن الغالبية العظمى من الأطباء يمارسون علاج الجذور لمختلف أنواع الأسنان، وهو مؤشر على انتشار هذا النوع من الخدمات في العيادات العامة. كما أن العديد منهم يعتمدون مزيجًا من الزيارات الواحدة والمتعددة لإتمام العلاج، وهو ما يعكس تنوعًا في الأساليب العلاجية.
غير أن هذا الانتشار لا يعني بالضرورة الالتزام الكامل بالمعايير الدولية. فقد كشفت الدراسة عن انخفاض ملحوظ في استخدام الحاجز المطاطي، وهو أداة أساسية لعزل السن أثناء العلاج ومنع انتقال العدوى، حيث لم يستخدمه سوى نسبة محدودة من الأطباء. هذا التراجع يسلط الضوء على فجوة بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
أدوات حديثة… واستخدام متفاوت
في المقابل، أظهرت الدراسة توجهًا إيجابيًا نحو استخدام بعض التقنيات الحديثة، مثل الجمع بين الأشعة السينية وأجهزة تحديد نهاية الجذر لتحديد طول القناة بدقة، وهي خطوة حاسمة في نجاح العلاج. كما أن نسبة كبيرة من الأطباء تستخدم مزيجًا من الأدوات اليدوية والآلية لتنظيف وتشكيل القنوات، ما يعكس وعيًا بأهمية الدمج بين الأساليب التقليدية والتقنيات الحديثة.
لكن هذا التقدم التقني لم يكن متوازنًا في جميع الجوانب، إذ أظهرت النتائج تفاوتًا في طرق التشخيص واختيار المواد، إضافة إلى اعتماد بعض الأطباء على أساليب تقليدية فقط، خاصة بين الأقل خبرة.
غياب المتابعة… الحلقة الأضعف
من أبرز ما كشفته الدراسة هو غياب المتابعة بعد العلاج لدى نسبة كبيرة من الأطباء، حيث لا يقوم نحو 60% منهم بمراجعة حالاتهم بعد الانتهاء من الإجراء. وتُعد هذه الخطوة ضرورية لتقييم نجاح العلاج على المدى الطويل، واكتشاف أي مضاعفات قد تظهر لاحقًا.
هذا القصور في المتابعة يعكس خللًا في استمرارية الرعاية، ويحدّ من قدرة الأطباء على تحسين أدائهم بناءً على نتائج فعلية.
الخبرة تصنع الفارق
أظهرت التحليلات أن سنوات الخبرة تلعب دورًا مهمًا في تحديد أسلوب الممارسة. فالأطباء الأقل خبرة يميلون إلى استخدام طرق أبسط وأقل دقة في بعض الأحيان، بينما يظهر الأطباء الأكثر خبرة اعتمادًا أكبر على التقنيات المتقدمة واتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة.
هذا التباين يشير إلى أهمية التدريب المستمر، خاصة في المراحل المبكرة من المسيرة المهنية، لضمان رفع مستوى الأداء وتقليل الأخطاء.
ما الذي تعنيه هذه النتائج؟
تكشف هذه الدراسة عن صورة واقعية لقطاع طب الأسنان في عدن، حيث تتوفر المعرفة الأساسية لدى الأطباء، لكن التحدي يكمن في ترجمتها إلى ممارسات متكاملة تلتزم بالمعايير الحديثة. ويؤكد الباحثون أن تحسين جودة علاج الجذور يتطلب التركيز على التعليم المستمر، وتوفير التدريب العملي، وتعزيز الوعي بأهمية الإجراءات الوقائية والمتابعة.
محددات الدراسة
رغم أهمية النتائج، تعتمد الدراسة على استبيان ذاتي، ما قد يفتح المجال لتحيزات في الإجابات، كما أنها تركز على مدينة واحدة، وهو ما قد لا يعكس الوضع في بقية مناطق اليمن.
خطوة نحو تطوير الرعاية الصحية للأسنان
في المحصلة، تقدم هذه الدراسة قاعدة بيانات مهمة يمكن البناء عليها لتحسين جودة خدمات طب الأسنان في اليمن. ومع تزايد الحاجة إلى رعاية صحية موثوقة، تبدو الدعوة واضحة لتعزيز التدريب وتحديث الممارسات، بما يضمن تقديم علاج أكثر أمانًا وفعالية للمرضى.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
