في خطوة قد تعيد تشكيل طرق تشخيص أمراض المفاصل التنكسية، طور فريق بحثي دولي نظام ذكاء اصطناعي متقدمًا قادرًا على التنبؤ بخطر الإصابة بخشونة الركبة وتطورها المستقبلي بدقة تجاوزت 99%، عبر الجمع بين صور الأشعة السينية والسجلات الصحية الإلكترونية للمرضى ضمن نموذج تحليلي موحد.
الدراسة، التي شارك فيها باحثون من جامعات ومراكز بحثية في السعودية والهند وتايوان، قدمت نموذجًا جديدًا يحمل اسم “RAD-OAEnsemble”، ويهدف إلى تجاوز القيود التقليدية في تشخيص خشونة الركبة، التي غالبًا ما تعتمد على قراءة صور الأشعة فقط، أو تحليل البيانات السريرية بشكل منفصل.
لماذا يمثل المرض تحديًا طبيًا؟
تُعد خشونة الركبة من أكثر أمراض الجهاز العضلي الهيكلي انتشارًا عالميًا، خاصة بين كبار السن، إذ تؤدي تدريجيًا إلى تآكل الغضاريف وازدياد الألم وصعوبة الحركة. المشكلة الأكبر أن التشخيص التقليدي لا يلتقط غالبًا إلا المراحل المتأخرة من المرض، بعد حدوث أضرار يصعب عكسها.
وترى الدراسة أن التنبؤ المبكر بالمرض يمكن أن يمنح الأطباء فرصة للتدخل قبل الوصول إلى مرحلة التلف الدائم، سواء عبر تعديل نمط الحياة أو استخدام علاجات وقائية تقلل من سرعة التدهور.
كيف يعمل النظام الجديد؟
اعتمد الباحثون على فكرة دمج نوعين مختلفين من البيانات الطبية في نموذج واحد. النوع الأول هو صور الأشعة السينية التي تكشف التغيرات التشريحية داخل مفصل الركبة، بينما يتمثل النوع الثاني في السجلات الصحية الإلكترونية التي تتضمن معلومات مثل العمر، والوزن، والأعراض، والتاريخ المرضي، والأدوية المستخدمة.
ولأن التعامل مع هذه البيانات المتباينة يمثل تحديًا كبيرًا لأنظمة الذكاء الاصطناعي التقليدية، طور الفريق شبكة دمج ذكية قادرة على فهم العلاقات المعقدة بين التغيرات التشريحية والعوامل السريرية لدى كل مريض.
النظام الجديد بُني على ثلاث طبقات رئيسية. تبدأ الأولى بإنشاء تمثيل مشترك يجمع بيانات الأشعة والسجلات الصحية داخل ما يشبه “خريطة علاقات” تسمح للنموذج بفهم الترابط بين المؤشرات الطبية المختلفة. ثم تنتقل البيانات إلى طبقة ثانية متخصصة في تحليل التفاصيل الدقيقة داخل صور الأشعة، مثل تضيق المسافة المفصلية والنتوءات العظمية المرتبطة بخشونة الركبة. أما المرحلة الأخيرة فتركز على تتبع تطور المرض عبر الزمن من خلال تحليل الزيارات الطبية والصور المتتابعة حتى لو كانت الفواصل الزمنية بينها غير منتظمة.
ذكاء اصطناعي “يفسر” قراراته
واحدة من أبرز نقاط القوة في النموذج الجديد هي قدرته على تقديم تفسير بصري لقراراته، وهي ميزة طالما شكل غيابها عقبة أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في التطبيقات الطبية الحساسة.
استخدم الباحثون تقنية تُعرف باسم “Grad-CAM”، والتي تسمح بإظهار المناطق التي ركز عليها النموذج أثناء تحليل صور الأشعة. وأظهرت النتائج أن النظام كان يوجه انتباهه باستمرار إلى المناطق المرتبطة فعليًا بتدهور المفصل، مثل المسافة بين العظام والأنسجة المحيطة بالمفصل، ما يعزز موثوقية قراراته الطبية.
نتائج تتفوق على النماذج الحالية
بحسب نتائج الدراسة، حقق النظام دقة بلغت 99.275%، مع حساسية وصلت إلى 98.95% ونوعية بلغت 99.165%، وهي أرقام تفوقت بوضوح على عدة نماذج ذكاء اصطناعي مستخدمة حاليًا في تحليل الصور الطبية.
كما أظهر النموذج قدرة أكبر على تقليل النتائج الخاطئة، سواء في تشخيص المرض لدى الأصحاء أو في تجاهل الحالات المصابة فعلًا، وهي نقطة حاسمة في التطبيقات السريرية التي تعتمد على التنبؤ المبكر.
واعتمدت الدراسة على قواعد بيانات طبية واسعة، شملت صور أشعة مصنفة حسب درجات شدة المرض، إضافة إلى بيانات سريرية طويلة الأمد من مشروع “Osteoarthritis Initiative” الأمريكي، الذي يتابع آلاف المرضى على مدار سنوات.
نحو طب شخصي لمرضى المفاصل
يرى الباحثون أن القيمة الحقيقية لهذا النوع من الأنظمة لا تقتصر على التشخيص فقط، بل تمتد إلى بناء نماذج “طب شخصي” تستطيع توقع المرضى الأكثر عرضة لتدهور حالتهم، وتحديد التوقيت الأنسب للتدخل العلاجي قبل وصول المرض إلى مراحل متقدمة.
ورغم النتائج الواعدة، تؤكد الدراسة أن النموذج ما يزال بحاجة إلى اختبارات سريرية موسعة داخل المستشفيات والبيئات الواقعية قبل اعتماده بشكل رسمي، خاصة أن الأداء المرتفع في قواعد البيانات البحثية لا يضمن دائمًا الكفاءة نفسها في الاستخدام اليومي.
كما يشير الباحثون إلى أن الخطوات المقبلة قد تشمل توسيع النظام لدمج بيانات أكثر تعقيدًا، مثل صور الرنين المغناطيسي والتحاليل الحيوية، بما قد يفتح الباب أمام جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على التنبؤ بالأمراض المزمنة قبل ظهور أعراضها الواضحة.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
