في مفارقة لافتة، كشفت دراسة حديثة أن العصور الوسطى—التي ارتبطت طويلًا بالانقسامات الدينية والعرقية—شهدت عبر لعبة الشطرنج نموذجًا مبكرًا للمساواة، حيث لم يكن اللون أو الأصل هو الفيصل، بل القدرة على التفكير والتخطيط.
الدراسة تكشف وجهاً مغايراً للتاريخ
توصلت الباحثة الدكتورة كريستينا إيلكو من كلية كوينز بجامعة كامبريدج إلى أن الشطرنج لعب دورًا غير متوقع في تحدي البُنى الاجتماعية والتمييزية في العصور الوسطى.
اعتمدت الدراسة، المنشورة في دورية أكاديمية متخصصة، على تحليل مخطوطات أوروبية وإسلامية ولوحات فنية تعود إلى القرون الوسطى، كاشفةً عن تمثيلات متكررة لأشخاص من أعراق مختلفة يتنافسون على قدم المساواة.
رقعة الشطرنج: عالم تحكمه القواعد لا الامتيازات
من أبرز الشواهد لوحة تعود إلى عام 1283، تُظهر لاعبًا أسود البشرة في مواجهة رجل دين أبيض، في جلسة هادئة توحي بتكافؤ كامل. اللافت أن اللاعب الأسود يبدو في موقع التفوق، في مشهد يناقض الصور النمطية السائدة آنذاك.
وتشير الدراسة إلى أن الشطرنج كان يُنظر إليه كـ”حرب بلا دماء”، حيث تُحسم المعركة بالعقل وحده، ما جعله مساحة رمزية لعالم أكثر عدالة وتنظيمًا.
جسر حضاري بين الشرق والغرب
توضح الباحثة أن الشطرنج لم يكن مجرد لعبة، بل وسيلة للتبادل الثقافي، خاصة مع انتقال معارفه من الهند إلى فارس ثم إلى العالم الإسلامي وأوروبا.
وفي بلاط الملك ألفونسو العاشر في إسبانيا، جُمعت وترجمت معارف الشطرنج من مصادر إسلامية، حتى أن غالبية المسائل الشطرنجية في مخطوطاته تعود إلى تقاليد اللعب الإسلامية، ما يعكس تقديرًا كبيرًا للخبرات القادمة من خارج أوروبا.
صور تتحدى الصور النمطية
تكشف المخطوطات عن تنوع لافت: لاعبون مسلمون ويهود، وآخرون من أفريقيا وآسيا، بل وحتى مغول، جميعهم يظهرون في سياقات تنافسية متكافئة. هذه الصور تقدم سردية مختلفة عن تلك التي ربطت غير الأوروبيين بالعنف أو التبعية.
وترى الدراسة أن الشطرنج، من خلال ألوان قطعه وتباينها، أتاح إسقاط مفاهيم العرق، لكنه في الوقت ذاته أعاد تشكيلها بطريقة تُبرز الكفاءة الفكرية بدلًا من التسلسل الاجتماعي.
حين حملت الهند المعرفة إلى فارس
تتناول الدراسة أيضًا روايات من التراث الفارسي تُظهر وصول الشطرنج من الهند، حيث صُوّر المبعوث الهندي ذو البشرة الداكنة كحامل لمعرفة ثمينة، وليس كرمز للهزيمة. هذا التمثيل يعكس تقديرًا مبكرًا للتفوق المعرفي بغض النظر عن الانتماء العرقي.
الأهمية: إعادة قراءة الماضي لفهم الحاضر
تكشف هذه النتائج أن العصور الوسطى لم تكن مجرد حقبة صراعات، بل احتوت على مساحات للتفاعل الإنساني والتقدير المتبادل. وتُبرز الدراسة أن تحدي الأفكار العنصرية ليس ظاهرة حديثة، بل له جذور تاريخية عميقة.
كما تسهم في إعادة تشكيل فهمنا لمفاهيم العرق، من خلال إظهار كيف يمكن للأنشطة الثقافية—كالشطرنج—أن تعيد تعريف العلاقات بين البشر.
محددات الدراسة
تعتمد الدراسة على مصادر فنية ونصوص تاريخية محددة، ما قد لا يعكس جميع السياقات الاجتماعية في تلك الفترة. كما أن تفسير الرموز البصرية يظل مفتوحًا لاجتهادات متعددة، وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث.
بينما تستمر لعبة الشطرنج في جمع ملايين اللاعبين حول العالم، تذكّرنا هذه الدراسة بأنها لم تكن يومًا مجرد لعبة، بل كانت—ولا تزال—مساحة يلتقي فيها البشر على أساس واحد: من يفكر أفضل، يفز.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
