الرئيسية / أبحاث و دراسات / بين العلم والتسويق، حقائق صادمة عن البلاستيك القابل للتحلل في الحقول الزراعية
PE-plastic-film-for-young-plants

بين العلم والتسويق، حقائق صادمة عن البلاستيك القابل للتحلل في الحقول الزراعية

تحقيق خاص — يمن ساينس

عبدالرحمن أبوطالب

في ظل تزايد الاهتمام العالمي بتأثيرات التلوث البلاستيكي على البيئة، وجّهت دراستان حديثتان ضوءًا نقديًا على ما يُعرف بالبلاستيك القابل للتحلل بالأكسدة، والذي يُسوّق له على نطاق واسع كبديل أكثر استدامة للبلاستيك التقليدي في المجال الزراعي.

البحثان، المنشوران في مجلة Frontiers of Agricultural Science and Engineering، أحدهما بقيادة فريق صيني من جامعتي شينجيانغ ونينغبو، والآخر بإشراف جامعة بانغور البريطانية، خلصا إلى نتائج متقاربة تثبت أن البلاستيك القابل للتحلل قد لا يحقق تحللًا فعالًا في بيئات التربة الزراعية الواقعية. بل وأشارا إلى أنه قد يسهم، مثل الميكروبلاستيك التقليدي، في إحداث اضطرابات بيئية تهدد صحة التربة والمحاصيل.

تجارب ميدانية تكشف ما هو مخفي

في الدراسة الصينية، تم استخدام البازلاء كنموذج لاختبار تأثيرات الميكروبلاستيك التقليدي والميكروبلاستيك القابل للتحلل الحيوي (أنواع مثل PBAT وPCL) على مراحل نمو النبات الثلاث: الإنبات، والإزهار، والنضج. وقد وُضعت كميات محددة من هذه المواد البلاستيكية في التربة بنسب تتراوح بين 0.1% و1%.

من أبرز النتائج، أن استخدام PBAT بتركيز 0.1% ساهم في زيادة الكتلة الحيوية لجذور البازلاء بنسبة 35.3% خلال مرحلة الإنبات. ومع ذلك، لوحظ في مراحل لاحقة أن النبات بدأ يُظهر استجابات غير متوازنة بسبب التغير في تركيبة الميكروبات والمغذيات في التربة.

Low-Res_32-25626

أما الدراسة البريطانية، فاستخدمت الذرة كمحصول تجريبي، مع التركيز على البلاستيك القابل للتحلل بالأكسدة بأحجام مختلفة (ميكرو وماكرو) وتركيزات مرتفعة ومنخفضة. وأظهرت النتائج أن التركيزات المنخفضة لم تُحدث تغييرات واضحة، لكن عند تجاوز 1%، حدثت تغيرات كبيرة في خصائص التربة مثل ارتفاع درجة الحموضة والتوصيل الكهربائي، بالإضافة إلى تزايد ملحوظ في تركيز النترات.

ولم يقتصر الأمر على التربة فحسب، بل تأثر نمو الذرة أيضًا، حيث سجل انخفاض في الطول ومحتوى الكلوروفيل، مع تراجع طفيف في الكتلة الحيوية. واعتُبر الميكروبلاستيك أكثر تأثيرًا من الماكروبلاستيك بسبب مساحته السطحية الأكبر، التي تُسهّل تفاعلاته مع مكونات التربة.

Low-Res_30-25623

تحلل بطيء ومعضلة بيئية صامتة

ما يجعل النتائج أكثر إثارة للقلق هو ما أظهرته تحاليل الأشعة تحت الحمراء في الدراسة البريطانية: بعد ستة أسابيع من دفن البلاستيك القابل للتحلل بالأكسدة في التربة، لم يُسجّل إلا تكسير بسيط جدًا في سلاسل البوليمرات، دون ظهور نواتج أكسدة مثل الكيتونات أو الألدهيدات التي يفترض أن تتولد أثناء التحلل. وهو ما يشير إلى أن غياب الضوء داخل التربة يعطل تمامًا عملية التحلل التي تعتمد عليها هذه الأنواع من البلاستيك.

وقالت البروفيسورة شارلوت لويد، إحدى المشاركات في الدراسة، إن “البلاستيك القابل للتحلل بالأكسدة قد يتحول إلى معضلة بيئية صامتة في حال لم تتم مراقبة استخدامه بصرامة في القطاعات الزراعية.”

منظمات بيئية تحذر: لا بديل حقيقي بعد

يأتي هذا في وقت تروج فيه جهات صناعية متعددة لاستخدام البلاستيك القابل للتحلل بالأكسدة كحل بيئي مستدام. غير أن الدراسات الحديثة تسلط الضوء على أن هذا التوجه قد يكون مبنيًا على معلومات ناقصة أو مضللة.

وتعليقًا على النتائج، قال الدكتور ديفي إل. جونز، المشرف على الدراسة البريطانية: “حتى الآن، لا يوجد بديل بلاستيكي واحد يُثبت فعالية تحلل حقيقية وسريعة في بيئة التربة الزراعية. يجب أن يكون هناك حذر أكبر من الاعتماد على هذه المواد دون إجراء دراسات ميدانية طويلة المدى.”

توصيات للمزارعين وصنّاع القرار

اتفق الفريقان البحثيان على عدة توصيات رئيسية:

  • خفض الاعتماد على الأغشية البلاستيكية الزراعية قدر الإمكان، خاصة في الزراعات البعلية والمفتوحة.

  • إجراء تجارب ميدانية طويلة الأمد تمتد لسنوات وليس لأسابيع فقط، مع التركيز على المحاصيل البقولية التي تعتمد على تثبيت النيتروجين الحيوي.

  • سنّ تشريعات بيئية أكثر صرامة تحدد شروط استخدام البلاستيك القابل للتحلل وتفرض رقابة على تركيزاته وأحجامه في التربة.

  • الاستثمار في أبحاث تطوير بدائل حقيقية مستدامة مثل الأغشية النباتية أو المصنوعة من مركبات عضوية قابلة للتحلل البيولوجي الكامل دون ترك أثر كربوني ضار.

شاهد أيضاً

shell

قضية ميليوديفينسي ضد شل تكشف تحديات تحويل علم المناخ إلى التزامات قانونية على الشركات

بينما يكافح العالم للالتزام بأهداف اتفاق باريس للمناخ، لم تعد أزمة الاحترار العالمي شأناً علمياً …