في مستشفيات صنعاء، حيث تتقاطع التحديات الطبية مع محدودية الموارد، يكشف بحث علمي جديد عن ملامح مقلقة لمرض نادر يهاجم الأعصاب في صمت، قد يبدأ بوخز بسيط في القدمين، لكنه قد ينتهي بشلل كامل إذا لم يُشخّص ويُعالج بسرعة. إنها متلازمة غيلان باريه (Guillain-Barré Syndrome)، اضطراب يهاجم فيه الجهاز المناعي أعصاب الجسم، ويضع الأطباء أمام سباق مع الزمن.
الدراسة التي قادها الدكتور أحمد هُدنة، بمشاركة فريق من جامعة العلوم والتكنولوجيا ومستشفاها في صنعاء، تقدم تحليلًا واسعًا لـ256 حالة تم تسجيلها خلال عشر سنوات، من 2014 حتى 2023، لتكون من أوائل الدراسات التي ترسم صورة متكاملة لهذا المرض في اليمن.
تصاعد لافت في الحالات
تكشف البيانات عن تزايد ملحوظ في عدد الحالات خلال السنوات الثلاث الأخيرة من فترة الدراسة، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان ذلك نتيجة تحسن في التشخيص، أم انعكاسًا لارتفاع حقيقي في معدلات الإصابة. المرض، الذي يصيب جميع الأعمار، ظهر بشكل أكبر لدى البالغين بين 21 و60 عامًا، مع تسجيل نسبة إصابة أعلى بكثير لدى الذكور.
عدوى عابرة… وبداية مرض خطير
ورغم أن المرض يبدو مفاجئًا، إلا أن جذوره غالبًا ما تعود إلى عدوى سابقة. فقد أظهرت الدراسة أن التهابات الجهاز التنفسي كانت العامل الأكثر ارتباطًا بظهور المرض، تليها التهابات الجهاز الهضمي. في هذه الحالات، يخطئ الجهاز المناعي في التعرف على خلايا الجسم، فيبدأ بمهاجمة الأعصاب بدلًا من محاربة العدوى، وهي عملية معقدة تُعرف بالمحاكاة الجزيئية.
شلل يبدأ من القدمين ويصعد تدريجيًا
أكثر ما يميز متلازمة غيلان باريه هو نمط الأعراض. فبحسب النتائج، كان الشلل الصاعد الثنائي هو العرض الأكثر شيوعًا، حيث يبدأ الضعف في الساقين ثم يمتد تدريجيًا إلى أعلى الجسم. وفي بعض الحالات، يتطور الأمر ليشمل عضلات الوجه أو البلع، ما يؤدي إلى صعوبات في الكلام أو تناول الطعام.
ورغم خطورة هذه الأعراض، أظهرت الدراسة أن غالبية المرضى لم يعانوا من مضاعفات تنفسية أو اضطرابات حادة في الجهاز العصبي اللاإرادي، وهي مضاعفات قد تهدد الحياة في الحالات الشديدة.
تشخيص تحت الضغط
أحد أبرز التحديات التي كشفتها الدراسة يتمثل في محدودية وسائل التشخيص. إذ تم تشخيص نحو ثلث المرضى اعتمادًا على الأعراض السريرية فقط، دون استخدام الفحوصات المتقدمة مثل تخطيط الأعصاب أو تحليل السائل النخاعي. هذا النقص يعكس واقع النظام الصحي في البيئات محدودة الموارد، حيث لا تتوفر دائمًا الأدوات اللازمة لتأكيد التشخيص بدقة.
العلاج بين الإمكانيات والاحتياج
على مستوى العلاج، كان الاعتماد الأكبر على العلاج الطبيعي، بينما حصل أقل من نصف المرضى على العلاج المناعي الوريدي، وهو أحد أهم العلاجات المعترف بها عالميًا. أما تقنية تبادل البلازما، التي تساعد على إزالة الأجسام المضادة المهاجمة للأعصاب، فكانت نادرة الاستخدام.
هذه الفجوة العلاجية، بحسب الباحثين، تعود بشكل رئيسي إلى التكلفة العالية وصعوبة الوصول إلى هذه العلاجات، ما يضع المرضى أمام خيارات محدودة.
محددات علمية… وأسئلة مفتوحة
ورغم القيمة العلمية للدراسة، يقر الباحثون بوجود بعض المحددات، أبرزها اعتمادها على السجلات الطبية فقط، ما قد يؤثر على دقة البيانات. كما أن نقص الفحوصات المتقدمة وعدم توفر متابعة طويلة الأمد حال دون فهم تطور المرض بشكل كامل أو تصنيف أنواعه بدقة.
نحو استجابة صحية أفضل
في ضوء هذه النتائج، تدق الدراسة ناقوس الخطر بشأن الحاجة إلى تطوير آليات التشخيص والعلاج، وتعزيز قدرات النظام الصحي لمواجهة هذا المرض. كما توصي بإنشاء نظام وطني لتسجيل الحالات، ما قد يساعد في تتبع انتشار المرض وفهم أسبابه بشكل أعمق.
وبينما يظل هذا المرض نادرًا نسبيًا، فإن تأثيره العميق على حياة المرضى يجعل من فهمه أولوية طبية ملحّة، خاصة في بيئات تواجه تحديات مركبة مثل اليمن، حيث قد يكون التشخيص المبكر هو الفارق بين التعافي والعجز الدائم.

Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
