في إنجاز علمي واعد يمهد الطريق نحو مستقبل منخفض الانبعاثات الكربونية، نجح فريق دولي من الباحثين في تطوير تقنية مبتكرة لتحويل غاز الميثان، أحد أكثر الغازات المسببة للاحتباس الحراري، إلى إيثانول سائل بطريقة صديقة للبيئة وفعالة من حيث الطاقة.
قاد فريق البحث البروفيسور تشينغشياو قوه من قسم الكيمياء بجامعة هونغ كونغ، بالتعاون مع علماء من جامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية، وكلية لندن الجامعية، وجامعة تسينغهوا، حيث تمكنوا من تحقيق معدل تحويل للميثان بلغ 2.3% في تجربة واحدة، مع انتقائية عالية لإنتاج الإيثانول تجاوزت 80%، باستخدام مفاعل تدفق يعمل بتقنية التحفيز الضوئي. وحقق النظام كفاءة كمية ظاهرة (AQE) بلغت 9.4%، ما يعكس قدرة النظام العالية على تحويل الفوتونات الضوئية إلى إلكترونات تُسهم مباشرة في التفاعل الكيميائي.
يُعد الإيثانول من المركبات الحيوية الهامة، إذ يُستخدم كحامل للهيدروجين وكمادة أولية تدخل في صناعات عديدة تسهم في تحقيق الحياد الكربوني. وتُقدّر السوق العالمية للإيثانول بأكثر من 100 مليار دولار أمريكي، مع معدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 7%.
أما الميثان، فهو المكوّن الأساسي للغاز الطبيعي وغازات الصخر الزيتي، وغالبًا ما يُحرق هدرًا للحصول على الحرارة، رغم إمكاناته الكبيرة كمصدر كربوني لصناعة الكيماويات. إلا أن خمول الميثان الكيميائي يمثل تحديًا كبيرًا أمام تحويله بطرق فعالة إلى مركبات مفيدة.
التقنيات التقليدية لتحويل الميثان تعتمد على إنتاج غاز التخليق (syngas) تحت درجات حرارة وضغط مرتفعين، وهي عمليات مكلفة وتستهلك كميات ضخمة من الطاقة، فضلاً عن ضعف انتقائيتها. كما أن المحاولات السابقة لتحويل الميثان مباشرة إلى إيثانول كانت تصطدم بصعوبات كبيرة في التحكم بتفاعلات ربط الكربون-الكربون (C-C) اللازمة لإنتاج مركبات مثل الإيثانول.
غير أن الفريق البحثي نجح في تجاوز هذه التحديات من خلال تطوير محفز ضوئي فريد يعتمد على إطار تريازيني تساهمي (CTF-1)، يتميز بوجود وصلات جزيئية داخلية بين وحدات البنزين والتريازين. هذا التصميم الذكي يطيل من عمر الشحنات الناتجة عن التحفيز الضوئي ويعزز فصلها بشكل فعال، كما يسمح بامتصاص انتقائي للأكسجين والماء على وحدات البنزين والتريازين على التوالي، ما يسهل تفاعل ربط الكربون-الكربون.
ولمنع الأكسدة المفرطة للمنتجات الوسيطة وتحولها إلى ثاني أكسيد الكربون والماء، صُمم المحفز بطريقة تفصل مواقع تفاعل ربط الكربون عن مواقع تكوين جذور الهيدروكسيل الضارة. وعند تعزيز هذا المحفز بجزيئات من البلاتين، أظهر النظام أداءً مذهلًا في إنتاج الإيثانول، كما أوضح البروفيسور قوه، أحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة المنشورة في مجلة “نيتشر” العلمية المرموقة.
وأضاف قوه: “يمثل هذا الاكتشاف نقلة نوعية في مجال التحفيز الضوئي لتحويل الميثان إلى مواد كيميائية خضراء ذات قيمة عالية، ليس فقط من حيث اكتشاف آلية جديدة لربط الكربون دون الحاجة إلى معادن، بل أيضًا بتحويل الميثان إلى مركب سائل مرغوب مثل الإيثانول بكفاءة عالية وفي ظروف تشغيل عادية.”
للمقارنة، تعتمد الطرق التقليدية مثل تقنية فيشر-تروبش على درجات حرارة تتجاوز 700 درجة مئوية وضغوط تصل إلى 20 بار لتكسير رابطة C-H في الميثان، ما يتطلب استهلاك طاقة هائل وعدة مراحل معقدة. أما التقنية الجديدة فتتفوق بأكثر من 20 ضعفًا من حيث الكفاءة الكمية مع انتقائية عالية جدًا.
ويفتح هذا الإنجاز آفاقًا واسعة أمام الصناعات الكيميائية والوقود لتقليل انبعاثاتها الكربونية، خصوصًا أن الإيثانول السائل أسهل في التخزين والنقل والتوزيع مقارنة بالهيدروجين الغازي، ويمكن استخدامه مباشرة في المركبات منخفضة الانبعاثات سواء على البر أو في البحر أو حتى في الجو، ما يجعله خيارًا مثاليًا للمدن الذكية واقتصاد الطيران منخفض الارتفاع.
ويعتزم الفريق البحثي بقيادة جامعة هونغ كونغ مواصلة تطوير المحفز وتعزيز عملية التحويل ضمن إطار مشاريع بحثية مشتركة مع الاتحاد الأوروبي لدفع حدود هذا الاكتشاف نحو تطبيقات عملية واسعة.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
