في قلب مدينة المكلا، حيث تتكرر مشاهد تعبئة الوقود كجزء من الحياة اليومية، تكشف دراسة علمية حديثة عن جانب خفي من هذه البيئة المهنية، يتمثل في تأثيرات صحية متراكمة قد لا تظهر فوراً، لكنها تنعكس تدريجياً على دم العاملين في هذه المحطات.
الدراسة التي أعدها باحثون من كلية العلوم بجامعة حضرموت، بقيادة الباحث عبدالرحمن سالم ياسين وبمشاركة فريق علمي متخصص، سعت إلى فهم العلاقة بين مدة التعرض المهني للبنزين والتغيرات التي تطرأ على مكونات الدم لدى عمال محطات الوقود في المدينة.
البنزين.. مادة متطايرة وتأثير عميق
يُعد البنزين من المركبات الكيميائية الأساسية في الوقود، ويتميز بسرعة تبخره، ما يجعله سهل الانتقال إلى جسم الإنسان عبر الاستنشاق أو ملامسة الجلد. هذه الخصائص، التي تبدو في ظاهرها فيزيائية فقط، تخفي وراءها تأثيرات بيولوجية معقدة، إذ يمكن لمشتقاته أن تصل إلى نخاع العظم وتؤثر في إنتاج خلايا الدم.
تغيرات واضحة في صورة الدم
اعتمدت الدراسة على تحليل عينات دم لعدد من المشاركين، بينهم عمال محطات الوقود وأفراد غير معرضين للبنزين للمقارنة. وأظهرت النتائج انخفاضاً معنوياً في عدد خلايا الدم الحمراء وتركيز الهيموغلوبين ونسبة الهيماتوكريت، وهي مؤشرات أساسية ترتبط بوظيفة نقل الأكسجين في الجسم.
في المقابل، لوحظ ارتفاع في عدد خلايا الدم البيضاء، خاصة الخلايا المتعادلة ووحيدة النواة، وهو ما يعكس حالة استجابة مناعية قد تكون مرتبطة بتعرض الجسم المستمر لمواد سامة.
مدة العمل تصنع الفارق
أحد أبرز ما توصلت إليه الدراسة هو أن الزمن يلعب دوراً حاسماً في تفاقم التأثيرات الصحية. فكلما زادت سنوات العمل في محطات الوقود، ازدادت حدة التغيرات في المؤشرات الدموية.
وتشير النتائج إلى أن تجاوز خمس سنوات من التعرض يمثل نقطة تحول، حيث تصبح الاضطرابات أكثر وضوحاً، مع انخفاض أكبر في مؤشرات الدم الحمراء، مقابل ارتفاع ملحوظ في مؤشرات الالتهاب المناعي.
ما وراء الأرقام: تفسير علمي
يرى الباحثون أن هذه التغيرات تعود إلى قدرة البنزين على إحداث إجهاد تأكسدي داخل الجسم، وهو ما يؤدي إلى تلف خلايا الدم وتثبيط نشاط نخاع العظم المسؤول عن إنتاجها. وفي الوقت ذاته، يدفع الجسم إلى تنشيط جهازه المناعي، ما يفسر الزيادة في خلايا الدم البيضاء كآلية دفاعية.
هذا التفاعل المزدوج بين التثبيط والإثارة المناعية يعكس حالة اختلال في التوازن الحيوي، قد تتطور مع الوقت إلى مشكلات صحية أكثر تعقيداً.
دلالات صحية تتجاوز الدراسة
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تشير إلى إمكانية استخدام تغيرات الدم كمؤشر مبكر للكشف عن التأثيرات السامة للبنزين، قبل ظهور أمراض خطيرة. كما تسلط الضوء على واقع مهني يحتاج إلى مراجعة جادة فيما يتعلق بإجراءات السلامة والوقاية.
محددات يجب أخذها في الاعتبار
رغم قوة النتائج، يشير الباحثون إلى أن الدراسة لم تتضمن قياساً مباشراً لتركيز البنزين في بيئة العمل، كما لم تحلل نواتج استقلابه داخل الجسم، وهو ما قد يفتح الباب أمام دراسات مستقبلية أكثر تفصيلاً. كما أن نطاق الدراسة الجغرافي المحدود يستدعي توسيعها لتشمل مناطق أخرى.
دعوة لتعزيز السلامة المهنية
في ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تبني إجراءات وقائية أكثر صرامة، تشمل الفحوصات الدورية للعاملين، واستخدام وسائل الحماية الشخصية، وتنظيم ساعات العمل بما يقلل من التعرض المستمر، خاصة في أوقات ارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من تبخر البنزين.
وبينما يستمر الاعتماد على الوقود كجزء أساسي من الحياة اليومية، تذكّر هذه الدراسة بأن ثمن هذا الاعتماد قد يُدفع بصمت داخل أجسام من يقفون في الواجهة، ما يجعل من الوقاية ضرورة لا خياراً.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
