تبدو الصحراء مكانًا مثاليًا للألواح الشمسية: سماء قليلة السحب، ومساحات شاسعة، وإشعاع شمسي قوي. لكن المورد نفسه الذي يمنح هذه الألواح طاقتها يأتي مصحوبًا بتحدٍ يعمل في الاتجاه المعاكس؛ فكلما ارتفعت حرارة الخلايا الكهروضوئية، تراجعت كفاءتها في تحويل ضوء الشمس إلى كهرباء.
يمن ساينس – عبدالرحمن أبوطالب
هذه المفارقة هي ما حاول فريق بحثي دراسته في وادي الشاطئ جنوب غربي ليبيا، مستخدمًا بيانات وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» ساعة بساعة على مدار عام كامل، لبناء صورة عن الموارد الشمسية والظروف المناخية في المنطقة، ثم تقدير تأثيرها النظري في أداء الألواح الكهروضوئية.
ونُشرت الدراسة في شهر سبتمبر من هذا العام ٢٠٢٦ في Journal of Science and Technology، بمشاركة باحثين من جامعات ليبية وفلسطينية ويمنية، بينهم عادل محمد علي القشبري وبسام مثنى من جامعة العلوم والتكنولوجيا في عدن.
عام كامل من سماء الصحراء
اختار الباحثون موقعًا في وادي الشاطئ عند خط عرض 27.735 درجة شمالًا وخط طول 12.438 درجة شرقًا، في بيئة ذات مناخ صحراوي حار. وحلل الفريق 8,760 سجلًا ساعيًا تغطي جميع ساعات عام 2025، مستمدة من مشروع NASA POWER.
وشملت البيانات أربعة متغيرات أساسية: الإشعاع الشمسي الواصل إلى السطح، ودرجة حرارة الهواء، والرطوبة النسبية، وسرعة الرياح.
وتنبع أهمية هذه الطريقة من مشكلة تواجه الباحثين في مناطق صحراوية نائية كثيرة، وهي ندرة محطات الرصد الأرضية. لذلك تتيح بيانات الأقمار الصناعية وإعادة التحليل المناخي بناء صورة أولية عن الموارد الشمسية في مناطق يصعب الحصول فيها على قياسات محلية مستمرة.
صيف غني بالشمس
أظهرت البيانات نمطًا موسميًا واضحًا. فقد بلغ متوسط الإشعاع الشمسي الساعي أدنى مستوياته في ديسمبر عند 157.95 واط ساعة لكل متر مربع، ثم ارتفع ليبلغ ذروته في يوليو عند 339.31 واط ساعة لكل متر مربع.
ولأن هذه المتوسطات تشمل ساعات الليل التي ينعدم فيها الإشعاع الشمسي، فإن متوسط يوليو يعادل نحو 8.14 كيلوواط ساعة لكل متر مربع يوميًا، وفق طريقة التحويل الموضحة في الدراسة.
لكن ارتفاع الإشعاع ترافق مع ارتفاع الحرارة. فقد تراوح متوسط درجة حرارة الهواء الشهرية بين 11.34 درجة مئوية في يناير و33.20 درجة في يوليو، فيما بلغت أعلى حرارة هواء مسجلة خلال السلسلة الساعية 44.98 درجة مئوية.
وهنا تظهر المفارقة: أفضل أشهر السنة من حيث وفرة أشعة الشمس هي أيضًا من أكثرها إجهادًا حراريًا للخلايا الشمسية.
الألواح تحتاج الضوء.. لا الحرارة
قد يبدو أن اليوم الأكثر حرارة يجب أن يكون الأفضل للوح الشمسي، لكن الخلايا الكهروضوئية تستفيد من الضوء وليس من الحرارة المصاحبة له.
فعندما تمتص الألواح الإشعاع ترتفع حرارة الخلايا، وقد تصبح أعلى بكثير من حرارة الهواء المحيط. ومع ارتفاع حرارة الخلية تنخفض قدرتها على تحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء.
وهذه ظاهرة معروفة في الأنظمة الكهروضوئية؛ إذ تتغير قدرة اللوح مع درجة حرارته وفق معامل حراري يعتمد على التقنية المستخدمة. لذلك طبق الباحثون نموذجًا حراريًا يعرف بـNOCT لتقدير درجة حرارة الخلايا في وادي الشاطئ وتأثيرها في الكفاءة. لكن هذه الحسابات تمثل سيناريو نظريًا مرجعيًا وليست قياسات لألواح تعمل فعليًا في الموقع.
وفرة الشمس تعوض جانبًا من خسارة الحرارة
انخفاض كفاءة الخلية مع ارتفاع حرارتها لا يعني بالضرورة انخفاض إجمالي الطاقة التي يمكن إنتاجها صيفًا.
فاللوح قد يحول كل وحدة من الإشعاع بكفاءة أقل عندما يسخن، لكنه في الوقت نفسه يتلقى خلال أشهر الصيف كمية أكبر بكثير من الطاقة الشمسية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن وفرة الإشعاع الصيفي يمكن أن تعوض خسارة الكفاءة المرتبطة بالحرارة، ولذلك يظل المورد الشمسي المرتفع عاملًا قويًا لصالح إنتاج الطاقة.
لكن معرفة مقدار الطاقة التي يمكن أن تنتجها محطة حقيقية في وادي الشاطئ تتطلب عوامل أكثر من الشمس والحرارة وحدهما.
الغبار يدخل المعادلة
من أبرز هذه العوامل الغبار والأتربة المتراكمة على الألواح، وهو أمر بالغ الأهمية في البيئات الصحراوية.
فعندما تغطي الجسيمات سطح اللوح، تحجب جزءًا من الإشعاع قبل وصوله إلى الخلايا، ما يخفض الطاقة المنتجة. وتختلف هذه الخسائر بشدة من موقع إلى آخر بحسب كمية الغبار والأمطار والرياح وطريقة تركيب الألواح وتنظيفها.
والدراسة الحالية لا تقدم قياسات محلية لخسائر الغبار في وادي الشاطئ. بل يقر الباحثون بأن غياب نموذج للاتساخ يمثل قيدًا مهمًا، ويصفون الغبار في البيئات القاحلة بأنه قد يكون من أهم مصادر الخسارة غير المرتبطة بالحرارة.
كما أن النموذج لا يحاكي بصورة تفصيلية تأثير اتجاه الألواح وميلها، والاختلاف بين تقنيات الألواح التجارية، والتدهور مع العمر التشغيلي، وبعض الخسائر الكهربائية.
وهذا يعني أن النتائج النظرية لا ينبغي قراءتها على أنها توقع مباشر لما ستنتجه محطة شمسية فعلية.
الأقمار الصناعية تسد فجوة الرصد
مع ذلك، تكشف الدراسة قيمة أخرى تتجاوز وادي الشاطئ نفسه: إمكانية استخدام البيانات الفضائية وإعادة التحليل المناخي لإجراء تقييم أولي للموارد الشمسية في المناطق التي تندر فيها محطات الأرصاد.
ويعتمد NASA POWER على مصادر من بينها CERES لبيانات الإشعاع الشمسي وMERRA-2 للمتغيرات الجوية. وتسمح هذه البيانات للباحثين بتحليل مناطق واسعة ونائية من دون وجود محطة قياس عند كل موقع.
لكن ذلك لا يجعلها بديلًا كاملًا عن القياسات الأرضية عند تصميم مشروع فعلي. والدراسة نفسها تقر بأن البيانات المستخدمة لهذا الموقع لم تُتحقق منها مقابل قياسات أرضية محلية، كما لم تُقارن في الدراسة بمنتج مستقل آخر لإعادة التحليل.
عام واحد لا يصنع مناخًا
ويبقى القيد الأهم: الدراسة تحلل عام 2025 وحده.
فسنة واحدة قد تكون أكثر حرارة أو برودة أو إشعاعًا من المتوسط طويل الأجل، ولذلك لا يمكن التعامل مع نتائجها باعتبارها وصفًا مناخيًا نهائيًا لوادي الشاطئ أو توقعًا مضمونًا لإنتاج محطة شمسية.
ويؤكد الباحثون أنفسهم أن نتائج 2025 تمثل لقطة زمنية لعام واحد، وليست متوسطًا مناخيًا متعدد السنوات أو تقديرًا استثماريًا من نوع P50/P90، ويقترحون توسيع التحليل مستقبلًا إلى خمس أو عشر سنوات.
ومن ثم، لا تثبت الدراسة أن إنشاء محطة شمسية في وادي الشاطئ سيكون مجديًا اقتصاديًا. ما تقدمه هو خط أساس أولي للمناخ والمورد الشمسي يمكن البناء عليه بقياسات ميدانية ودراسات أطول ونماذج هندسية واقتصادية أكثر تفصيلًا.
وتكشف حالة وادي الشاطئ أن القول إن «الصحراء غنية بالشمس» ليس سوى بداية القصة. فاستغلال هذه الوفرة يتطلب معرفة مقدار الضوء الذي يصل إلى الألواح، والحرارة التي تتعرض لها، والرياح التي قد تساعد في تبريدها، والغبار الذي قد يحجب الضوء عنها.
وفي المناطق الصحراوية التي تندر فيها محطات الرصد، تستطيع الأقمار الصناعية أن توفر جزءًا مهمًا من هذه المعرفة، لكن الطريق من قياس أشعة الشمس إلى محطة كهرباء قابلة للاستثمار أطول من ذلك بكثير.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
