خاص – يمن ساينس
عبدالرحمن أبوطالب *
في الحيمة الداخلية غرب صنعاء، يروي لطف الحيمي تجربة تشبه ما يحدث في كثير من مناطق اليمن، لكن بملامح أكثر وضوحًا. بعد سنوات من الاعتماد على مصادر دخل خارج الزراعة، عاد مع أسرته إلى إحياء الحقول التي تركوها مهجورة، مدفوعين بتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة. يقول إن الأرض التي كانت تُزرع في مواسم متقطعة، أصبحت اليوم مصدرًا أساسيًا للغذاء، حتى وإن لم تكن تكفي لكل الاحتياجات. “لم نعد نزرع لنبيع، بل نزرع لنأكل أولًا”، يوضح، في إشارة إلى التحول الذي طرأ على مفهوم الزراعة لدى كثير من الأسر. تجربة الحيمي تعكس واقعًا أوسع، حيث لم تعد العودة إلى الأرض خيارًا اقتصاديًا بقدر ما أصبحت استجابة مباشرة لأزمة معيشية مستمرة.

في اليمن، لا يعود الناس إلى الأرض لأنهم يريدون الزراعة، بل لأنهم لم يعودوا يملكون خيارًا آخر. لكن هذه العودة لا تعني التعافي، بقدر ما تعكس حجم الانهيار. وفي كثير من القرى، لم تعد الزراعة تعني موسمًا زراعيًا أو مشروعًا اقتصاديًا، بل وجبة اليوم.
فوفقًا لتقرير مرصد الاقتصاد اليمني، الصادر مؤخرا عن البنك الدولي، شهدت المساحات الزراعية توسعًا ملحوظًا بين عامي 2018 و2022، بنسبة تراوحت بين 10% و40% في بعض المناطق. إلا أن هذا التوسع لا يعكس انتعاشًا اقتصاديًا، بل تحولًا اضطراريًا نحو الزراعة كوسيلة للبقاء في ظل تراجع فرص العمل وانهيار مصادر الدخل.
في اليمن حيث واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، لم تعد الزراعة قطاعًا إنتاجيًا فحسب، بل أصبحت شبكة أمان اجتماعية غير رسمية. ومع تزايد النزوح من المدن إلى الريف، بدأت الأسر تعتمد على الأرض لتأمين الحد الأدنى من الغذاء والدخل، خصوصًا مع تراجع المساعدات الإنسانية خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن الزراعة تُستخدم اليوم كوسيلة للبقاء، فإن أهميتها تتجاوز ذلك بكثير.
فبحسب التقرير الأخير عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) حول الاحتياجات الإنسانية في اليمن لعام 2025، يعتمد نحو ثلاثة أرباع السكان على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش، في وقت يحصل فيه هذا القطاع على أقل من 1% فقط من التمويل الإنساني المخصص للأمن الغذائي.
هذه المفارقة تكشف عمق الأزمة، وهي أن القطاع الذي يعتمد عليه معظم اليمنيين للبقاء، هو نفسه الأقل دعمًا.
ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع اعتماد اليمن شبه الكامل على استيراد الحبوب الأساسية، مثل القمح والأرز، ما يجعل البلاد شديدة الهشاشة أمام أي اضطرابات في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في الأسعار العالمية.
لكن في المقابل، تشير بيانات المنظمة إلى أن الاستثمار المحدود في الزراعة يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا. فحزمة دعم زراعي بسيطة قد تمكّن أسرة واحدة من زراعة ما يصل إلى 1.5 هكتار، وإنتاج نحو 3 أطنان من الحبوب والبقوليات، وهو ما يكفي لتوفير غذاء لعدة أشهر وتقليل الاعتماد على المساعدات.
غير أن “شبكة الأمان” الهشة هذه تواجه تهديدًا متزايدًا من عامل آخر لا يقل خطورة هو تغير المناخ.
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو نصف سكان اليمن معرضون لمخاطر مناخية حادة، تشمل الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة، بينما يواجه نحو ربع السكان مزيجًا معقدًا من الفقر وانعدام الأمن الغذائي والتعرض لمخاطر مناخية في الوقت نفسه.
في هذا السياق، لا تأتي الكوارث المناخية كأحداث منفصلة، بل كعوامل تضاعف من هشاشة الواقع القائم.
في مناطق زراعية كثيرة، يعني الجفاف موسمًا ضائعًا بالكامل، بينما تعني الأمطار الغزيرة، حين تأتي، فيضانات تدمر المحاصيل والبنية التحتية الهشة أصلاً. وقد شهدت البلاد بالفعل فيضانات شديدة خلال عام 2024 أدت إلى إتلاف المحاصيل ونفوق أعداد من الماشية، ما فاقم من انعدام الأمن الغذائي في المجتمعات الريفية.
هذا ما يصفه الخبراء بـ“تأثير المضاعِف المناخي”، حيث لا يخلق تغير المناخ الأزمات، لكنه يزيد حدّتها وتعقيدها. وفي حالة اليمن، يتقاطع هذا التأثير مع الحرب والانهيار الاقتصادي، ليشكل ما يمكن تسميته بثلاثية الأزمة: صراع مستمر، وفقر متزايد، ومناخ غير مستقر.
وتتجلى هذه التعقيدات أيضًا في طبيعة الزراعة نفسها. فبينما تُستخدم نحو 70% من الأراضي الزراعية لزراعة الحبوب، يذهب جزء معتبر لزراعة القات، الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه ويحدّ من فرص تحقيق أمن غذائي مستدام. هذا التوازن المختل يعكس واقعًا صعبًا، حيث تضطر الأسر إلى اختيار محاصيل توفر دخلًا سريعًا، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستدامة طويلة الأمد.
ورغم هذا المشهد القاتم، تظهر في بعض المناطق إشارات مختلفة، ولو كانت محدودة.
في شمال شرق اليمن، وتحديدًا في محافظة الجوف، بدأت الزراعة تطرح احتمالًا آخر يتجاوز مجرد البقاء. خلال السنوات الأخيرة، شهدت المحافظة توسعًا ملحوظًا في زراعة القمح، مع ارتفاع في المساحات المزروعة وتحسن في الإنتاجية، حيث سجلت بعض المزارع إنتاجًا مرتفعًا مقارنة بالمعدلات المحلية.
هذه التجربة دفعت بعض الباحثين إلى طرح إمكانية تقليل الاعتماد على استيراد القمح، خاصة في ظل هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. كما ساهم إدخال تقنيات مثل الري المحوري في دعم هذا التوسع، رغم ما يثيره ذلك من مخاوف تتعلق باستدامة الموارد المائية في بلد يعاني أصلًا من شح المياه.
لكن هذه “النهضة الزراعية” تظل محاطة بتحديات كبيرة. فالمزارعون يواجهون صعوبات في التسويق، وضعف الحوافز، وغياب سياسات زراعية مستقرة. كما أن هذا النمو يظل عرضة لمخاطر المناخ نفسها التي تهدد بقية المناطق.
في هذا السياق، تبدو الجوف كحالة اختبار داخل المشهد اليمني.
نموذج لما يمكن أن تكون عليه الزراعة عندما تتوفر بعض الظروف، لكنه أيضًا تذكير بمدى هشاشة هذا النموذج إن لم تتوافر هذه الظروف.
وتزداد هذه الهشاشة مع توقعات تشير إلى أن تغير المناخ قد يؤدي، في سيناريوهات متشائمة، إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنسبة تصل إلى 3.9% سنويًا بحلول عام 2040 .
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من مسارات ممكنة.
يشير تقرير البنك الدولي، إلى جانب تقديرات منظمة FAO، إلى أن الاستثمار في الزراعة، خصوصًا في إدارة المياه، والبذور المقاومة للجفاف، والبنية التحتية الريفية، يمكن أن يعزز الإنتاجية ويحسن الأمن الغذائي، بل وقد يحول الزراعة من “آلية بقاء” إلى مسار للتعافي الاقتصادي .
لكن تحقيق ذلك يتطلب ما هو أكثر من الأرض والمطر،
يتطلب استقرارًا، وسياسات، واستثمارًا طويل الأمد.
في اليمن، لم تعد الزراعة مجرد وسيلة للعيش، بل أصبحت اختبارًا للمستقبل
فهل تستطيع الأرض إنقاذ الناس… قبل أن يسبقها المناخ؟
* عبدالرحمن أبوطالب، صحفي يمني ورئيس تحرير الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس)
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
