الرئيسية / أبحاث و دراسات / كيف يؤثر ذوبان الجليد في القطب الشمالي على تشكل السحب وتغير المناخ؟
pixnio-4839x3152

كيف يؤثر ذوبان الجليد في القطب الشمالي على تشكل السحب وتغير المناخ؟

في اكتشاف قد يغير طريقة فهم العلماء لمناخ القطب الشمالي، كشفت دراسة جديدة أن الجسيمات الدقيقة المتصاعدة من أعلى الجليد البحري الذائب إلى الغلاف الجوي قد تمثل عنصراً أساسياً، لكنه لم يحظ بالاهتمام الكافي، في تشكل السحب فوق واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للاحترار المناخي.

الدراسة، التي قادتها الباحثة كامي مافيس، وهي طالبة دكتوراه في قسم علوم الغلاف الجوي بجامعة ولاية كولورادو، ونُشرت في دورية «جيوفيزيكال ريسيرش ليترز»، تشير إلى أن ما يُعرف بـ«جسيمات تنوية الجليد» وهي جسيمات تساعد بخار الماء على التجمد، يمكن أن تنبعث من مصادر حيوية مثل البكتيريا والكائنات المجهرية الموجودة في برك المياه الذائبة فوق سطح الجليد البحري. وشارك في البحث أيضاً العالمة جيسي كريمين، الباحثة العلمية في الجامعة والمؤلفة الرئيسية المشرفة على الدراسة، إلى جانب الأستاذة المتميزة سونيا كرايدنفايس.

أهمية هذا الاكتشاف لا تتوقف عند فهم كيفية تشكل السحب فحسب، بل تمتد إلى صلب معادلة المناخ في القطب الشمالي. فالسحب تؤثر مباشرة في التوازن بين الطاقة الشمسية الداخلة إلى الأرض والحرارة الخارجة منها، كما تؤثر في الهطول وأنماط الطقس. ومن ثم، فإن أي عنصر جديد يساعد على تفسير تشكل هذه السحب قد يحسن النماذج المناخية، ويمنح العلماء تصوراً أدق لما يحدث في المنطقة التي ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع كثيراً من بقية العالم.

برك الذوبان.. مصدر غير متوقع

تركزت الدراسة على برك المياه التي تتشكل فوق الجليد البحري خلال موسم الذوبان. هذه البرك تنشأ أساساً من الثلج الذائب، لكنها قد تحتوي أيضاً على مياه بحر متسربة، ورسوبيات تربة، ومواد محررة من الجليد السفلي الذي تعيش فيه كائنات مجهرية صغيرة. هذا الخليط المعقد يجعلها بيئة نشطة كيميائياً وبيولوجياً، ويبدو أنه يمنحها قدرة خاصة على إطلاق جسيمات قادرة على تحفيز تكوّن بلورات الجليد داخل السحب.

وللتحقق من ذلك، جمع الفريق عينات من أنوية الجليد البحري، وقاس انبعاثات الهباء الجوي، أي الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، حول تلك البرك. وأظهرت النتائج أن تراكيز جسيمات تنوية الجليد كانت أعلى قرب برك الذوبان مقارنة بمياه البحر المفتوحة، وهو ما يشير إلى وجود عمليات حيوية محددة داخل هذه البرك تسهم في إنتاج تلك الجسيمات أو إطلاقها إلى الجو.

كيف تصنع هذه الجسيمات السحب؟

جسيمات تنوية الجليد قد تكون غباراً معدنياً، أو رذاذ بحر، أو ميكروبات، لكنها تؤدي وظيفة دقيقة وحاسمة: تعمل كقوالب أولية يتجمد عليها بخار الماء، فتبدأ عملية تشكل السحب الجليدية أو المختلطة. وفي بيئة القطب الشمالي، حيث تختلف خصائص السحب عن تلك الموجودة فوق المحيطين الأطلسي والهادئ، يصبح لأي تغير صغير في مصدر هذه الجسيمات أثر محتمل على سلوك الغيوم، وبالتالي على المناخ المحلي والإقليمي.

وتكمن أهمية النتائج الجديدة في أن الذوبان نفسه، الذي يُعد أحد أبرز مظاهر تغير المناخ، قد يخلق في الوقت ذاته مزيداً من برك المياه القادرة على إنتاج هذه الجسيمات. وهذا يعني أن ازدياد الذوبان لا يغير سطح الجليد فقط، بل قد يغير أيضاً الطريقة التي تتشكل بها السحب فوقه، في حلقة تفاعل مناخية معقدة لا تزال قيد الفهم.

بيانات من قلب القطب الشمالي

استندت الدراسة إلى عينات جُمعت خلال بعثة «موزاييك» الدولية، وهي اختصار لعبارة تعني «المرصد المنجرف متعدد التخصصات لدراسة مناخ القطب الشمالي». وتعد هذه البعثة من أكبر المبادرات العلمية المخصصة لفهم تراجع الجليد البحري القطبي وعلاقته بتغير المناخ، وقد قادها معهد ألفريد فيغنر الألماني، بدعم من جهات بحثية دولية من بينها المعهد التعاوني لأبحاث العلوم البيئية، وهو شراكة بين جامعة كولورادو بولدر والإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي.

وضمت البعثة علماء وهيئات تمويل من 20 دولة، مع مساهمات من المؤسسة الوطنية للعلوم، ووزارة الطاقة الأميركية، والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ووكالة ناسا. وقد أتاحت هذه الحملة، التي نُفذت بين عامي 2019 و2020، فرصة نادرة لجمع بيانات ميدانية من أقصى شمال القطب، وهي منطقة يصعب فيها أخذ العينات بسبب الظروف القاسية، رغم أنها من أكثر المناطق تأثراً بذوبان الجليد والجليد الدائم وتراجع الغطاء البحري.

لماذا يهم هذا للعالم؟

الفقرة الجوهرية في هذه الدراسة تتمثل في أن القطب الشمالي ليس مجرد ضحية لتغير المناخ، بل قد يكون أيضاً مصدراً لعمليات جوية لم تُدمج بعد بشكل كافٍ في النماذج العلمية. وإذا كانت برك الذوبان تطلق بالفعل جسيمات تساعد على تشكل السحب، فإن تجاهلها قد يعني أن نماذج الطقس والمناخ الحالية تفوّت جزءاً مؤثراً من الصورة، خصوصاً في المناطق القطبية.

وترى مافيس أن البيئة القطبية توفر نظاماً أبسط نسبياً لدراسة هذه الجسيمات، بسبب قلة الكائنات والعوامل المتداخلة مقارنة بمناطق أخرى من العالم. لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن هذا النظام البسيط قد يتغير سريعاً مع تسارع الاحترار. فزيادة عدد البرك، أو حتى تغيرات طفيفة في تركيبها، قد تنعكس على المنظومة كلها.

وتؤكد كريمين أن سحب القطب الشمالي تختلف في سلوكها عن السحب فوق المحيطات الأخرى، رغم وجود بعض المواد والعمليات المشتركة. لذلك فإن فهم كيفية تشكلها محلياً يعد خطوة ضرورية، لأن لكل منطقة بصمتها الخاصة في هذه العملية الصغيرة حجماً، الكبيرة أثراً.

ما الذي لا نعرفه بعد؟

رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة لا تدعي حسم الصورة كاملة. فما زال العلماء بحاجة إلى تحديد التركيب الدقيق لهذه الجسيمات، وفهم الظروف التي تساعد على إطلاقها من برك الذوبان إلى الغلاف الجوي، وتقدير مدى مساهمتها الفعلية في «ميزانية الإشعاع»، أي في كمية الطاقة التي يحتفظ بها النظام المناخي أو يفقدها.

كما أن عدد الدراسات السابقة التي تناولت المياه الذائبة مصدراً لجسيمات تنوية الجليد لا يزال محدوداً للغاية، وهو ما يجعل هذه النتائج خطوة تأسيسية أكثر منها كلمة أخيرة. وتزداد الحاجة إلى هذا البحث مع اتساع مواسم الذوبان في القطب الشمالي وطولها، لأن أي زيادة في مدة الذوبان قد تعني اتساع دور هذه البرك في تشكيل السحب والتأثير في المناخ.

وتشير كرايدنفايس إلى أن الجسيمات التي رصدها الفريق قادرة على تحفيز تشكل الجليد عند درجات حرارة دافئة نسبياً، كما يبدو أنها ترتبط أكثر بالهواء الذي قضى وقتاً فوق الجليد، لا فوق المحيط المفتوح. وهذه إشارة مهمة إلى أن للجليد البحري نفسه، ومراحل ذوبانه، دوراً أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً في تشكيل الغلاف الجوي القطبي.

في المحصلة، تفتح الدراسة نافذة جديدة على عالم مجهري يدور فوق سطح الجليد الذائب، لكنه قد يترك أثراً واسعاً في سحب القطب الشمالي وفي فهم البشر لمستقبل المناخ. ففي منطقة تتغير بسرعة غير مسبوقة، قد تكون الجسيمات الأصغر حجماً من بين أكثر العناصر تأثيراً في رسم صورة السماء المقبلة.

شاهد أيضاً

Solar-3

باحث يمني يقدم نموذجًا مرحليًا لنقل تجربة الصين في الطاقة المتجددة إلى اليمن

في بلد يعاني من واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء في العالم، تبرز الطاقة الشمسية كأكثر …