الرئيسية / أبحاث و دراسات / من عُمان إلى الهند والعودة.. رحلة حوت نادر تكشف سرًا جديدًا في بحر العرب
حوت أحدب قبالة الساحل

حقوق الصورة: جمعية البيئة العمانية
حوت أحدب قبالة الساحل حقوق الصورة: جمعية البيئة العمانية

من عُمان إلى الهند والعودة.. رحلة حوت نادر تكشف سرًا جديدًا في بحر العرب

في اكتشاف يسلط الضوء على واحدة من أكثر مجموعات الحيتان غموضًا في العالم، وثّق علماء للمرة الأولى رحلة بحرية طويلة لحوت أحدب مهدد بالانقراض عبر بحر العرب، متحديًا الاعتقاد السائد بأن هذه الحيتان تقضي حياتها كاملة تقريبًا داخل نطاق جغرافي محدود قبالة سواحل سلطنة عُمان.

الدراسة، التي قادها الباحث أندرو ويلسون من مؤسسة “فيوتشر سيز جلوبال” ونُشرت في مجلة علمية متخصصة بعلوم البحار، اعتمدت على تتبع حيتان بحر العرب الأحدب باستخدام أجهزة إرسال عبر الأقمار الصناعية، لتكشف عن تفاصيل غير مسبوقة حول تحركات هذه المجموعة النادرة التي لا يتجاوز عدد أفرادها نحو 80 حوتًا.

حيتان كسرت القاعدة

تُعد الحيتان الحدباء من أشهر الأنواع المعروفة بهجراتها الموسمية الطويلة بين مناطق التغذية والتكاثر، حيث تقطع آلاف الكيلومترات سنويًا عبر المحيطات. لكن حيتان بحر العرب الأحدب تمثل استثناءً فريدًا في عالم الحيتان.

فقد أظهرت أبحاث سابقة أن هذه المجموعة انفصلت عن أقاربها في نصف الكرة الجنوبي قبل نحو 70 ألف عام، ونجحت عبر الزمن في تطوير نمط حياة مختلف تمامًا، معتمدة على الموارد الغذائية المتوافرة في بحر العرب طوال العام بدلاً من القيام برحلات الهجرة الموسمية المعتادة.

ويرى الباحثون أن هذا التحول يمثل واحدة من أكثر حالات التكيف البيئي إثارة بين الثدييات البحرية، إذ غيّر نوع اشتهر بالترحال الطويل استراتيجيته بالكامل ليتلاءم مع ظروف بيئية استثنائية.

مراقبة الحياة الخفية تحت الأمواج

ولفهم كيفية استخدام هذه الحيتان لموائلها البحرية، قام الفريق البحثي بتثبيت 14 جهاز تتبع على حيتان في منطقتي خليج الحلانيات وخليج مصيرة على الساحل العُماني. وعلى مدى أسابيع متواصلة، أرسلت الأجهزة بيانات يومية مكّنت العلماء من متابعة تحركات الحيوانات التي نادرًا ما تُشاهد إلا خلال فترات قصيرة أثناء المسوحات البحرية.

وأظهرت النتائج أن معظم الحيتان التزمت بمناطق محددة نسبيًا، متنقلة بين خليج مصيرة وخليج الحلانيات وأجزاء من الساحل الشمالي لليمن. كما برز خليج مصيرة بوصفه الموطن الأهم لهذه المجموعة، إذ سجل أكثر من نصف مواقع الرصد التي جمعها الباحثون.

ويعتقد الفريق أن هذه التحركات ترتبط على الأرجح بتوزع مصادر الغذاء على طول الجرف القاري، حيث تتبع الحيتان أسراب الأسماك الصغيرة مثل السردين، بينما قد تشير الغطسات الأعمق إلى البحث عن فرائس أخرى تعيش في المياه الأبعد والأعمق.

“لبان” تغيّر الصورة بالكامل

لكن إحدى الحيتان لم تلتزم بهذا النمط.

فقد لفتت أنثى تُعرف باسم “لبان” — نسبة إلى علامة مميزة على ذيلها تشبه اللبان العُماني — انتباه الباحثين عندما بدأت رحلة غير متوقعة شرقًا عبر بحر العرب. وخلال أشهر التتبع، وصلت الحوت إلى المياه المقابلة لولاية غوا على الساحل الغربي للهند قبل أن تعود مجددًا إلى موطنها في عُمان.

وبلغت المسافة الإجمالية التي قطعتها خلال الرحلة نحو سبعة آلاف كيلومتر، لتوفر أول دليل مباشر على عبور أحد حيتان بحر العرب الأحدب للبحر المفتوح بين شبه الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية.

وكان العلماء قد رصدوا سابقًا تشابهًا في أغاني الحيتان بين السواحل العُمانية والهندية، ما أوحى بإمكانية وجود تواصل أو تحركات بين المنطقتين، لكن رحلة “لبان” تقدم للمرة الأولى إثباتًا ميدانيًا مباشرًا لهذا الاحتمال.

لماذا قامت بهذه الرحلة؟

لا يملك الباحثون إجابة قاطعة حتى الآن، لكنهم يرجحون أن تكون وفرة الغذاء أو البحث عن فرص للتكاثر من بين الدوافع المحتملة لهذه المغامرة البحرية الطويلة.

فالمنطقة التي أمضت فيها “لبان” عدة أسابيع قبالة الساحل الجنوبي للهند تُعرف بإنتاجيتها البيولوجية العالية وغناها بالموارد الغذائية، ما يجعلها وجهة محتملة للحيتان الباحثة عن الغذاء.

وما زاد أهمية الاكتشاف أن الحوت شوهد لاحقًا مرة أخرى في خليج مصيرة، الأمر الذي أكد نجاح رحلته وعودته إلى موطنه الأصلي.

أهمية تتجاوز الاكتشاف العلمي

لا تقتصر قيمة الدراسة على كشف تحركات حيوان نادر، بل تمتد إلى دعم جهود الحفاظ على واحدة من أصغر مجموعات الحيتان في العالم وأكثرها عزلة.

فالبيانات الجديدة تساعد العلماء والجهات البيئية على تحديد المناطق البحرية الأكثر أهمية لهذه الحيوانات، ما يساهم في تقليل المخاطر الناتجة عن أنشطة الصيد والملاحة البحرية والتطورات الساحلية المتسارعة.

كما تأتي النتائج في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثيرات تغير المناخ على النظم البيئية البحرية، وهي تحديات قد تكون أكثر خطورة بالنسبة لمجموعة صغيرة ومحدودة العدد مثل حيتان بحر العرب الأحدب.

أسئلة ما زالت بلا إجابة

ورغم ما وفرته أجهزة التتبع من معلومات غير مسبوقة، يؤكد الباحثون أن الصورة ما تزال غير مكتملة. ففهم كيفية استخدام هذه الحيتان لموائلها المختلفة وتأثرها بالتغيرات البيئية يتطلب مزيدًا من الدراسات الميدانية والمسوح البحرية طويلة الأمد.

ومع ذلك، تكشف الدراسة بوضوح أن بحر العرب لا يزال يخفي الكثير من الأسرار، وأن الحيتان التي استوطنت مياهه قبل آلاف السنين ما تزال قادرة على مفاجأة العلماء بسلوكيات تتحدى ما اعتقدوا أنهم يعرفونه عن أحد أشهر عمالقة المحيطات.

شاهد أيضاً

Osteoarthritis

الذكاء الاصطناعي يرفع دقة تشخيص التهاب مفصل الركبة لتتجاوز 99%

في خطوة قد تعيد تشكيل طرق تشخيص أمراض المفاصل التنكسية، طور فريق بحثي دولي نظام …