الرئيسية / العالم العربي / القراءة والبحث العلمي
دكتور علي عبده
دكتور علي عبده

القراءة والبحث العلمي

القراءة فقط تبني مثقفا ولاتبني عالما

لكي تكون عالما لابد من ان تمتلك ملكة البحث والتنقيب والاستقراء وملكة الحفظ

فالعِلم صيد والكتابةُ قَيْدُهُ *** قيِّد صُيُودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أنْ تصيد غزالةً *** وتتركها بين الخلائق طالقة

ولابد من الممارسة والبحث ومناكبة العلماء والتعلم منهم

في أمريكا كنا نرى الكثير ممن يملك حصيلة ثقافية مبهرة ولكنه يفشل في مجال البحث العلمي  ولا ينتجون ابحاث علمية لأنه البحث العلمي  يتطلب ملكة خاصة بجانب مهارات لا تكتسب بقراءة الكتب وهذا ما لا يعرفه كثير من الشباب .

أتذكر عندما نجحت في الثانوية العامة وكنت أريد الالتحاق بقسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية منذ الثانية الإعدادي بعد قرائتي لكتاب مترجم عن الروسية عن أخطار الانفجاريات النووية علي البشرية في مكتبة جدي رحمة الله فتعلقت بهذا المجال أيما تعلق وكان والدي معترضا ويريد إثنائي عن هذا الاتجاه وتحت ضغط مني اصطحبني لزيارة زميل له من الثانوي وكان الأول علي القطر المصري في الثانوية العامة وحصل علي الدكتوراة في الكيمياء الإشعاعية من تشيكوسلوفاكيا في ستينيات القرن المنصرم للاستفسار منه عن هذا المجال الغامض ومجالات العمل في مصر بعد التخرج من الجامعة فأبي رحمة الله عليه كان حريصا علي معرفة مصير خريجة بعد التخرج فسألني هذا العالم المصري الدكتور عبدالوهاب السبع الأستاذ وقتها بمركز تكنولوجيا الإشعاع سؤالا واحدا

لماذا تريد الالتحاق بقسم الهندسة النووية

فقلت له أريد أن أكون عالما

دكتور علي عبده
دكتور علي عبده

فقال لكي تكون عالما لابد ان تكون لك ملكة البحث والاستقراء والصبر والجد والمثابرة ثم أردف قائلا نري كثيرا من الشباب ممن يحصلون علي أعلي الدرجات في كلياتهم ثم هم يفشلون في الماجستير والدكتوراة ويتعاملون معهما كما يتعاملون مع دراستهم التخصصية من قراءة كتب وحفظ وصم وخاصة في مصر والتي غالبا ما تقضي علي ملكة الإبداع والبحث والتنقيب

كما أتذكر حين تخرجت أولا علي دفعتي بامتياز مع مرتبة الشرف الأولي ولم أعين في الجامعة وعملت معيدا بمشروع مفاعل مصر البحثي فأبتعثتنا الحكومة المصرية للمساهمة في تصميم المفاعل النووي في شركة إينفاب في الأرجنتين وكنت حينها في منتصف العشرينات من عمري

بدأت بتعلم أصول المهنة في التصميم النيوتروني لقلب المفاعل وكذلك التصميم الحراري لأحد التجارب

أحسست حينها أن ما تعلمته في الجامعة شيء والحياة العملية البحثية والتصميم والهندسة شيء آخر

التصميم الهندسي لابد له من ملكة خاصة فلربما وجدت أكثر من طريقة للتصميم وكل شيخ وله طريقة ولكن المهندس الحاذق الماهر الذي يقوم بتصميم مايوكل إليه بأسهل الطرق إن استطاع واقلها تكلفه وتعقيدا مع ربط ما صمم ببقية أجزاء التصميم المنوط به الآخرين وكذلك العالم والباحث

صحيحا أن البحث العلمي يعتمد علي ما تدرسه وتقرأه ولكنه غير كاف وحده للقيام بالبحث والتنقيب

وقبيل حصولي علي الدكتوراة من جامعة ويسكونسن ماديسون كنت في حديث شيق ذات مرة مع مشرفي الدكتور ريموند فونك أحد أكابر العلماء في فيزياء الاندماج النووي والذي كان مما قاله لي اننا نعلمكم في الدكتوراة كيف تفكرون وتجتهدون وتحصلون علي المعلومة وكيف تتعاونون مع نظرائكم وأعوانكم وهذا هو بداية الطريق لبناء العالم المجد المجتهد

كذلك عندما عملت بشركة انتل في بحوث تطوير صناعة الميكروبروسيسور وكان مجال الدكتوراة الاندماج النووي بعيدا كل البعد عن مجال العمل ولكن انتل كان بها جامعة خاصة بها تسمي انتل يو تقوم بالتدريس فيها للملتحقين الجدد موادا في كل التخصصات العلمية من نانوتكنولوجي لدفيس فيزيكس لفابريكاشن لاستاتستيكال ديزاين اوف اكسبرمنت لبوليسيز بجانب تخصيص احد قدامي المهندسين لتعليمك أصول العمل في المعمل وطرق اجراء التجارب علي الأجهزة المعقدة لديهم

اكاد اجزم أني لو مكثت جل حياتي اقرأ في النانوتكنولوجي دون التعلم علي يد هذا الزميل وغيره كثير من اصدقاء العمل ما انجزت شيئ ولا تعلمت شيئ

ثم أتذكر حينما تركت شركة انتل للعمل بالجامعة كأستاذ بقسم الهندسة النووية في جامعة ولاية كانساس الأمريكية ان اشتغلت في موضوع بحثي عن الاندماج النووي في تجربة لم يسبق لي لا القراءة عنها ولا العمل عليها من قبل

قرأت فيها عشرات بل مئات الورقات العلمية وجمعت الآلاف في هذا التخصص وغيره كي يكون لي نبراسا لبداية العمل ثم قمت بزيارة جامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة للاستفادة من خبراتهم حيث ان لديهم مجموعة من أشهر علماء العالم فقمنا بتوقيع برتوكول تعاوني لمساعدتي لبناء هذه التجربة وأحضرت طالبين من جامعة الزقازيق للعمل معي في الدكتوراة في هذا المجال وعلي هذة التجربة

كان العمل في بدايته شاق وتطلب منا الكثير من الجهد والجد والمثابرة حتي أني كنت اقضي أكثر من ثمانية عشرة ساعة في اليوم في المعمل وواجهتنا كثير من المشاكل والصعوبات والتي كنا نتغلب عليها أحيانا بالبحث عنها في الليتريتشر او بسؤال أصدقائنا من العلماء في جامعات أخري او بالبحث والتنقيب وابتكار الحلول غير المسبوقة حتي بدأنا بالنشر بعد ما يقارب الستة الي ثمانية أشهر

ثم قمت بدعوة احد فطاحل العلماء في هذا المجال ومساعدته الي الجامعة وتكفلت بكل شيئ لهما من تذاكر طيران الي سكن ومأكل ومشرب لمدة شهر وقمنا بعمل ورشة عمل لتعلم الحسابات الخاصة لهذة التجربة بواسطة برنامج يحمل اسم هذا العالم السبعيني واسمه

سنج لي

لولا وجود هذا العالم في معملي وتعلمي وتلامذتي منه أصول الحسابات التجريبية والخبرات المعملية لمكثنا فيها أبد الآبدين نحبو بغير هدي

إذا نظرنا لحياة كثير من فطاحل العلماء  والذي لم يلتحق بالجامعة سنجد انه رافق احد فطاحل علماء عصره همفري دافي ليعمل له مساعدا يحمل عنه كتبه واشيائة في أسفاره وليس في بحثه وهو ما هيئ له الاستفادة من علمه

ومع اتساع نطاق العلوم الطبيعية والمعرفة البشرية وتمددها حتي لتجد أن علماء اليوم متخصصون في جزء من فرع من العلوم ولا يحيطون بكل فنون تخصصاتهم ولا يسأمون من الإجابة بلا اعرف إن سأل فيما أشكل عليه فلا غني عن المعلم في بدايات التعلم ومزاحمة العلماء ومناكبتهم

دعوتي للشباب الذين ينشدون العلم ويبتغون العمل بالبحث العلمي بجانب قراءتك ان تتلمذ علي يد عالم باحث يأخذ بيدك الي اول الطريق ويعلمك أصول المهنة ففيها كثير من الخفايا مما لن تجدة في امهات

الكتب فالقراءة وحدها لا تبني عالما

وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم حين فرق بين الناس في مراتب التعلم

حَدَّثَنَا ابْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ

أَبِيهِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : ” نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَوَعَاهَا ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ” .

الناس متفاوتون في طلب العلم وتحصيله وفهمه والاستفادة منه

د : علي عبده

شاهد أيضاً

المنتدى العربي للبيئة والتنمية

تقرير أفد تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية ‏

تقرير أفد تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية ‏ خلق بيئة ملائمة للاستثمار ‏ بيروت …