كشفت دراسة يمنية حديثة عن انتشار مقلق لاضطراب ما بعد الصدمة بين النساء النازحات داخليًا في العاصمة صنعاء، في مؤشر جديد على التأثيرات النفسية العميقة التي خلفتها سنوات الحرب والنزوح المستمر في البلاد. الدراسة، التي أعدتها الباحثة وداد محمد صلاح بإشراف البروفيسور يحيى رجاء والدكتور منصور التاج في قسم طب المجتمع بكلية الطب والعلوم الصحية بجامعة صنعاء، وجدت أن نحو امرأة من كل ست نساء نازحات تعاني أعراضًا متوافقة مع اضطراب ما بعد الصدمة.
البحث، المنشور في “مجلة جامعة صنعاء للعلوم الطبية والصحية”، اعتمد على دراسة ميدانية شملت 420 امرأة نازحة في مدينة صنعاء خلال عام 2023، بهدف قياس مدى انتشار الاضطراب النفسي وعلاقته بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والصحية والغذائية.
عبء نفسي يتجاوز آثار الحرب المباشرة
اضطراب ما بعد الصدمة، المعروف اختصارًا بـ PTSD، هو حالة نفسية قد تظهر بعد التعرض لأحداث قاسية مثل الحروب أو العنف أو فقدان المنزل والأمان. وتشمل أعراضه القلق المزمن، واسترجاع الذكريات المؤلمة، واضطرابات النوم، وفقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة.
الدراسة أظهرت أن نسبة الإصابة بالاضطراب بلغت 15.9% بين النساء النازحات في صنعاء، وهي نسبة وصفها الباحثون بأنها مرتفعة وتعكس “عبئًا نفسيًا كبيرًا” تعيشه النساء في بيئات النزوح.
المرض المزمن والجوع يزيدان المعاناة
أحد أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة كان الارتباط القوي بين الإصابة بالأمراض المزمنة واضطراب ما بعد الصدمة. فقد بلغت نسبة الاضطراب بين النساء المصابات بأمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب نحو 29%، مقارنة بـ13.7% فقط لدى النساء غير المصابات بأمراض مزمنة.
كما كشفت النتائج أن النساء اللواتي يعشن في أسر تعاني انعدامًا شديدًا للأمن الغذائي كن أكثر عرضة للإصابة بالاضطراب النفسي، إذ وصلت النسبة بينهن إلى 17.4%، مقابل 7% فقط لدى الأسر الأقل معاناة غذائيًا.
ويرى الباحثون أن غياب الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والرعاية الصحية، لا يفاقم الظروف المعيشية فحسب، بل يترك أيضًا آثارًا نفسية طويلة الأمد تزيد من هشاشة النساء في بيئات النزوح.
السنوات الأولى للنزوح هي الأخطر
الدراسة لفتت كذلك إلى أن النساء اللواتي تعرضن للنزوح خلال السنوات الخمس الأخيرة كن أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة مقارنة بمن مضى على نزوحهن فترة أطول. فقد بلغت نسبة الإصابة 23.9% لدى النازحات حديثًا، مقابل 12.1% لدى النساء اللواتي تجاوزت مدة نزوحهن خمس سنوات.
ويفسر الباحثون ذلك بأن السنوات الأولى للنزوح تتسم عادة بغياب الاستقرار وفقدان مصادر الدخل والدعم الاجتماعي، إلى جانب صعوبة التكيف مع بيئة جديدة، ما يجعل الضغط النفسي أكثر حدة.
نساء اليمن في قلب الأزمة الإنسانية
تأتي هذه النتائج في سياق أزمة إنسانية متفاقمة تعيشها اليمن منذ سنوات، حيث تشير الدراسة إلى أن النساء والأطفال يمثلون نحو ثلاثة أرباع النازحين داخليًا في البلاد، بينما تواجه المنظومة الصحية اليمنية انهيارًا واسعًا ونقصًا حادًا في الخدمات الطبية والدعم النفسي.
كما أشارت الدراسة إلى تصاعد معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي خلال سنوات النزاع، ما يزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية الواقعة على النساء النازحات.
دعوة لتدخلات عاجلة
الباحثون شددوا على ضرورة تطوير برامج متكاملة تستهدف الصحة النفسية للنساء النازحات، مع ربطها بخدمات علاج الأمراض المزمنة وتحسين الأمن الغذائي والدعم الاقتصادي. وأكدت الدراسة أن التعامل مع الاضطرابات النفسية بمعزل عن الظروف المعيشية لن يكون كافيًا لتخفيف المعاناة المتزايدة.
محددات الدراسة
رغم أهمية النتائج، أوضح الباحثون أن الدراسة اعتمدت على بيانات أبلغت بها المشاركات بأنفسهن، ما قد يفتح المجال لاحتمال وجود تحيز في التذكر أو التقدير الذاتي للأعراض. كما أن الدراسة تعكس وضعًا زمنيًا محددًا ولا ترصد التغيرات النفسية التي قد تحدث مع مرور الوقت. ومع ذلك، أشار الفريق البحثي إلى أن استخدام أدوات تقييم علمية معتمدة وعينة كبيرة عزز من موثوقية النتائج.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
