مع تجدد المواجهات في اليمن ونزوح عشرات الآلاف، تقدم الدراسات العلمية الحديثة والتقارير الأممية أدلة على ارتباط النزوح بسبب الصراع بمعدلات أعلى من الحرمان من الطعام، وتكشف لماذا قد لا ينتهي الخطر بمجرد الوصول إلى مكان أكثر أمنًا.
عبدالرحمن أبوطالب
بعد سنوات من الهدوء النسبي في جبهات الصراع اليمنية، أعادت المواجهات الأخيرة عشرات الآلاف إلى رحلة النزوح.
خلال أسبوع واحد فقط، بين 30 أغسطس/آب و5 سبتمبر/أيلول 2026، سجلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 13,500 شخص، معظمهم في محافظة تعز، إضافة إلى تحركات في الحديدة ولحج. وبعد أقل من أسبوع، أفادت الأمم المتحدة بأن عدد النازحين منذ التصعيد الأخير بلغ ما لا يقل عن 46 ألف شخص.
بالنسبة إلى هؤلاء، يمثل الابتعاد عن القتال حاجة فورية للنجاة. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمنًا لا يعني بالضرورة انتهاء آثار الحرب. فالرحيل القسري قد يتزامن مع خسارة العمل أو الدخل أو الأرض أو الأصول وشبكات الدعم التي تعتمد عليها الأسر في الحصول على الطعام.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز لحظة النزوح نفسها: ماذا يحدث لقدرة الأسرة على الحصول على الغذاء بعد أن تضطر إلى مغادرة منزلها؟
دراسة نشرتها دورية PLOS One في أكتوبر/تشرين الأول 2025 تقدم جزءًا من الإجابة. حلل الباحثون بيانات 13,891 شخصًا من المحافظات اليمنية الـ22، مأخوذة من المسح العنقودي متعدد المؤشرات في اليمن 2022–2023، وبحثوا العلاقة بين الانتقال المرتبط بالصراع ومؤشرين للحرمان الغذائي: تكرار الشعور بالجوع، وقضاء يوم كامل من دون طعام بسبب نقص المال أو الموارد.
أفاد نحو 24% من المشاركين بتعرضهم للجوع بدرجات متفاوتة، فيما أفاد نحو 12% بأنهم قضوا يومًا كاملًا من دون طعام. وبعد أخذ عوامل مثل العمر والجنس والتعليم وحجم الأسرة والثروة ومكان الإقامة في الحسبان، وجد الباحثون أن الانتقال بسبب الصراع ارتبط بمعدل أعلى لمؤشر الجوع بنحو 26%، وبمعدل أعلى لمؤشر قضاء يوم كامل من دون طعام بنحو 25%.
هذه النسب لا تعني أن النزوح «يزيد احتمال الجوع 26 نقطة مئوية»، ولا تثبت أن النزوح هو الذي تسبب في الجوع. فالدراسة رصدية، ولا تتتبع الأشخاص أنفسهم قبل الانتقال وبعده. كما تعتمد مؤشرات الحرمان الغذائي على إفادات المشاركين، ولا تقيس سوء التغذية سريريًا.
ما تكشفه الدراسة هو ارتباط إحصائي بين الانتقال بسبب الصراع ومستويات أعلى من بعض أشكال الحرمان من الطعام.
وهذا التفريق يصبح أكثر أهمية الآن. فلا يمكن استخدام الدراسة للتنبؤ بأن عشرات الآلاف الذين نزحوا في الأسابيع الأخيرة سيواجهون النتائج نفسها؛ فالدراسة تستند إلى بيانات جُمعت في 2022 و2023 ومن مجموعة سكانية مختلفة. لكنها توفر عدسة علمية لفهم أحد المخاطر التي يمكن أن تواجه الأسر بعد اقتلاعها من أماكنها.
ما الذي يُفقد مع المكان؟
انعدام الأمن الغذائي لا يعني بالضرورة اختفاء الطعام من الأسواق. فقد يكون الغذاء موجودًا، لكن الأسرة لا تملك المال أو الموارد الكافية للحصول عليه باستمرار.
تظهر هذه المفارقة بوضوح في أرشيف التقارير الصادرة عن النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر بشأن الأغذية والزراعة التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) في اليمن. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024 أشار التحديث آنذاك إلى استمرار الضغوط الاقتصادية على الأمن الغذائي، في وقت بقي فيه الإنتاج المحلي للحبوب دون المتوسط واعتمد البلد بدرجة كبيرة على الواردات.
ولهذا يمكن أن تكون خسارة مصدر الرزق مهمة بقدر خسارة المسكن نفسه.
فبالنسبة إلى أسرة تعتمد على الزراعة أو تربية الحيوانات أو مشروع صغير أو العمل اليومي، قد يتزامن النزوح مع فقدان الأرض أو الأصول أو الوظيفة أو الزبائن أو شبكات اجتماعية كانت تساعدها في مواجهة الأزمات.
وقد وثقت بالفعل تقارير سابقة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، في تقييم لسبل العيش في اليمن، ضغوطًا متراكمة على الإنتاج الزراعي والدخل والوصول إلى الأسواق، في بيئة تتداخل فيها آثار الصراع والنزوح والصدمات الاقتصادية.
لكن هذه الآلية لا تزال إحدى الفجوات المهمة في الأدلة. فدراسة PLOS One لا تتتبع بالتفصيل ما فقده كل شخص عند انتقاله، ولا تستطيع تحديد مقدار الحرمان الغذائي الذي يمكن إرجاعه إلى فقدان العمل أو الأرض أو الدخل أو إلى ارتفاع الأسعار أو تراجع المساعدات.
وتقدم الدراسة نفسها سببًا إضافيًا لعدم التعامل مع جميع أشكال الانتقال بالطريقة نفسها. فمجرد الانتقال من محافظة يمنية إلى أخرى لم يرتبط بصورة متسقة بارتفاع مؤشرات الحرمان الغذائي. وظهرت بعض العلاقات بصورة أوضح عندما كان الصراع هو سبب الانتقال.
وهذا ينقل السؤال من: «هل انتقل الشخص؟» إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا اضطر إلى الانتقال، وما الذي خسره خلال ذلك؟
أزمة غذاء أوسع من النزوح
النزوح ليس سوى جزء من أزمة غذائية أوسع.
فوفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المعروف اختصارًا بـIPC، واجه نحو 17.1 مليون شخص، أي 49% من السكان الذين شملهم التحليل، مستوى «أزمة» أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين مايو/أيار وأغسطس/آب 2025. وكان متوقعًا ارتفاع العدد إلى 18.1 مليون شخص، أو 52%، بين سبتمبر/أيلول 2025 وفبراير/شباط 2026.
ولا يعزو التحليل هذه الأزمة إلى الصراع وحده. فإلى جانبه تتداخل الضغوط الاقتصادية، وتقلص فرص الدخل، والصدمات المناخية، والنزوح، وانخفاض المساعدات الإنسانية.
كما يشير تحليل IPC إلى تغير مهم بمرور الوقت: كان الصراع المحرك الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي في 2022 و2023، لكن مع انخفاض مستوى الأعمال العدائية في الفترة التالية، أصبحت العوامل الاقتصادية أكثر بروزًا.
وهذا يعني أن هدوء الجبهات لا يؤدي تلقائيًا إلى هدوء أزمة الغذاء.
فقد تستمر آثار سنوات الصراع عبر الوظائف المفقودة والدخل المتآكل وارتفاع الأسعار وتضرر سبل العيش، حتى عندما يقل الخطر المباشر للقتال.
عندما يصيب الصراع نظام الغذاء نفسه
تدعم أبحاث أخرى فكرة أن أثر الحرب على الطعام لا يتحدد فقط بوجود العنف، بل أيضًا بما يعطله.
ففي دراسة نشرت عام 2023 في مجلة Frontiers in Sustainable Food Systems وشملت اليمن إلى جانب سوريا وبوركينا فاسو، ميز الباحثون بين أحداث العنف عمومًا وأحداث الصراع المرتبطة بالغذاء والنظم التي تنتجه وتوزعه. ووجدوا أن المقياس الذي طوروه للصراع المرتبط بالغذاء كان أكثر ارتباطًا لاحقًا بالإبلاغ عن عدم كفاية استهلاك الطعام من بعض المقاييس العامة للعنف.
ولا تثبت هذه الدراسة أن النزوح هو الآلية المسؤولة عن ذلك. لكنها توضح أن تأثير الحرب على الغذاء يمكن أن يمتد عبر الأسواق والإنتاج والنقل والوصول إلى مصادر الرزق.
ومن زاوية مختلفة، وباستخدام بيانات من فترة سبقت الحرب الحالية، توصلت دراسة أخرى عن اليمن بعنوان “النزاع المدني، والتحويلات النقدية، وتغذية الأطفال في اليمن” – نشرت عام 2024 بالتعاون بين المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية وجامعة قطر – إلى أن ارتفاع شدة الصراع على مستوى المديريات ارتبط بتدهور مؤشر الوزن بالنسبة إلى الطول لدى الأطفال، وهو أحد المؤشرات المستخدمة في تقييم سوء التغذية الحاد.
ولا ينبغي جمع هذه النتائج باعتبارها قياسًا لظاهرة واحدة. فالدراسات تختلف في الفترات والسكان والنتائج التي تقيسها. لكنها، مجتمعة، تظهر أن العلاقة بين الحرب والغذاء والصحة تمتد إلى ما وراء الخسائر المباشرة للقتال.
ما بعد النزوح
التصعيد الأخير يعيد هذا السؤال إلى الواجهة في وقت لا تزال فيه أزمة الغذاء شديدة.
ففي أحدث تقرير ضمن سلسلة «بؤر الجوع»، حذرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي من استمرار مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي الحاد في اليمن خلال الفترة من يونيو/حزيران إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وسط ضغوط اقتصادية وصراعية ومناخية وتراجع المساعدات الإنسانية.
وهذا هو السياق الذي يصل إليه عشرات الآلاف ممن أُجبروا على النزوح مؤخرًا.
لا تخبرنا الدراسة ماذا سيحدث لهؤلاء تحديدًا، ولا تسمح بالتنبؤ بأنهم سيواجهون الجوع بسبب نزوحهم. لكنها تطرح سؤالًا ملحًا يجب ألا يختفي بمجرد ابتعاد الأسر عن مناطق القتال: ماذا يحدث بعد الفرار؟
لا تزال الإجابة العلمية غير مكتملة. فمن بين الأدلة المتاحة لا توجد دراسة تتبع الأسر اليمنية نفسها قبل النزوح وبعده، وتقيس بصورة منفصلة أثر خسارة العمل والأرض والدخل والمساعدات وارتفاع الأسعار على قدرتها على الحصول على الغذاء.
لكن الأدلة المتاحة تكفي لتحدي فكرة بسيطة: أن الوصول إلى مكان أكثر أمنًا يعني انتهاء آثار الحرب.
فقد تنتهي رحلة النزوح عند مخيم أو قرية أو مدينة أخرى، لكن خسائرها الاقتصادية قد تستمر بعد ذلك بوقت طويل.
والوصول إلى مكان بعيد عن القتال لا يعيد تلقائيًا وظيفة أو أرضًا أو دخلًا أو وجبة مضمونة.
ومع بدء عشرات الآلاف رحلة نزوح جديدة في اليمن، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس فقط إلى أين يفرون؟ بل أيضًا: كيف سيعيشون ويأكلون بعد أن يصلوا؟
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
